ارهابيون (3) : بقلم : د .افنان القاسم – باريس

ابداعات عربية …..
بقلم : د . افنان القاسم – باريس …..
السيناريو الثالث – الرياض
نظرت الأميرة بتول من أباجور النافذة، كما هي عادتها عندما تزهق روحها من روتين كل يوم بين جدران الثراء، ولفت انتباهها صبي في الثالثة عشرة من عمره، وهو يسرق هذه الساعة من هذا الرجل وذلك الخاتم من تلك المرأة، بكل ذكاء. أمتعها دهاء الأصابع، وأطربها أسلوب اللص، فأخذت تضحك، وتنادي على وصيفاتها، اللواتي أتين، وأخذن يلاحقن بنظرهن معها مشهدًا من مشاهد فيلم “اللص الظريف”، ويشاركنها الضحك، حتى اللحظة التي سقط فيها على الصبي شيخ بعصاه، وأشار إلى أفراد من هيئة الأمر بالمعروف والنهي على المنكر، الذين في الحال أفرغوا جيوب الصغير، وقيدوه، وفي الحال كذلك شكلوا محكمة، وحاكموه بقطع يده، ونفذوا الحكم تحت أعين سمو الأميرة ووصيفاتها، وهن يرسلن صيحات الاحتجاج والاستنكار، ولا أحد يسمعهن.
لم يمض وقت طويل حتى أحضر شيخ آخر بعصاه شابًا في العشرين من عمره، اتهمه بالزنا، ولجمال الشاب، تخيلت الأميرة بتول نفسها عارية في أحضانه. لم تُخْفِ على وصيفاتها ذلك، فانفجرن ضاحكات، ولم يوقف الضحك في حلوقهن شيء آخر غير قرار هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجلده مائة جلدة، تنفذ في الحال، وسمو الأميرة ووصيفاتها يطلقن آهات الألم، وهن يغمضن أعينهن.
ما أن أنهى الجلاد عمله حتى جاء شيخ ثالث بشاب في السابعة والعشرين من عمره، وعصاه تسبق رؤاه، قال عنه زنديقًا لأنه يقرأ كتبًا شيعية، فأفرغ الجلاد ثلاث قناني كوكا كولا في حلقه، ليسترد نشاطه، وراح بالزنديق جلدًا. ولكنه ليس زنديقًا، صاحت الأميرة بتول دون أن يسمعها أحد، ارحموه، ارحموا شبابه! بكت هي ووصيفاتها عليه، ولم يذهبن، داومن على مشاهدة ما يجري من فظائع، غير بعيد من القصر. ثم ألصق سادي بالشاب تهمة المثلية، فذهبوا به إلى المعتقل، ليتوزع الجلادون جلده ألف جلدة خلال سنة.
هذه المرة، كان أحدهم في الأربعين من عمره، وكانت التهمة الكفر بشكل واضح، فمن يرفض مؤسسات الدين، فهو ليس من الدين، ومن ينادي بالتغيير، فهو كمن يرقص مع الشياطين! لم تكن الهيئة في حاجة إلى الحكم لا بمائة جلدة ولا بألف، انقض عليه ابن عمه، وأخذ به طعنًا حتى أرداه قتيلاً. لم تستطع الأميرة بتول ووصيفاتها متابعة المشهد حتى النهاية، غادرن النافذة، وهن يشهقن، بينما سحبت شرطة الدين “اللص الظريف” إلى زاوية، ودمه يسيل من يده المقطوعة، وكل عذابات البشرية عذاباته، وأخذ أفرادها يغتصبونه واحدًا واحدًا.

* * *

اجتمعت الأميرات العظميات الخمس مع الأميرة بتول، ودار الحوار التالي بينهن…
– كفى، نبرت الأميرة بتول، لقد بلغ السيل الزبى! ابتداء من اليوم، لا نريد أن نسمع بالوهابية!
– كان هذا رأيي منذ زمن بعيد، قالت الأميرة حفصة، الوهابية كراهية!
– الوهابية إقصائية! هتفت الأميرة نورة.
– الوهابية اغتصابية! هتفت الأميرة عائشة.
– الوهابية عرقية! هتفت الأميرة خيرة.
– ووحشية ودموية وهمجية! هتفت الأميرة مسعودة.
– الإجرام في الرأس، يا أخواتي الكريمات، عادت الأميرة بتول إلى القول، وكله، قبل الإجرام في الواقع.
– الحضارة كذلك، أكدت الأميرة حفصة.
– في الرأس، أكدت الأميرة نورة.
– لا في اللباس ولا في البنيان، أكدت الأميرة عائشة.
– في الرأس، أكدت الأميرة خيرة.
– لا في القعود ولا في القيام، أكدت الأميرة مسعودة.
– العبادة مبادئ، جمال، تآلف الأنغام، قالت الأميرة بتول.
– إيقاع، قالت الأميرة حفصة.
– انسجام، قالت الأميرة نورة.
– موافقة، قالت الأميرة عائشة.
– مطابقة، قالت الأميرة خيرة.
– والأهم من كل شيء حرية، قالت الأميرة مسعودة.
– على عكس كل ما يقال، نظل نحن النساء قويات على رجالنا، رمت الأميرة بتول.
– أوضحي، يا أختي الأميرة، رجت الأميرة حفصة.
– بقليل من دهاء الأصابع وأسلوب اللص يمكننا قلب نظام الحكم، قالت الأميرة بتول دون أقل تردد.
– قلب نظام الحكم! شهقت الأميرات العظميات الخمس.
– منذ قليل كنتن ضد الوهابية!
– ضد الوهابية لا ضد السلطة.
– دون أن تكن ضد السلطة لن تكن ضد الوهابية.
– ضد السلطة!
– السلطة هي أزواجنا، ونحن خير من يعلم من هم أزواجنا.
– لكل واحد نقطة ضعف.
– لكلهم نقطة ضعف واحدة، أنتن على علم بها.
– نحن على علم بها و… أمريكا؟
– أمريكا كالشرموطة –اسمحن لي سمواتكن- إن لم نرغمها على تغيير سياستها، فلن تغير سياستها.
– كالشرموطة! ضحكن.
– نريد كل شيء عندها كما تريد كل شيء عندنا.
– المسارح.
– معاهد الموسيقى.
– السينمات.
– العلم.
– التكنولوجيا.
– …
– …
– هذه الليلة إذن ستكون ليلتكن، لنخلص وتخلص معنا السعودية.

* * *

– يا ابن عمي، نادت الأميرة بتول زوجها، وهي عارية في مضجعها.
– انتظري قليلاً ريثما أحول نصف مليار دولار إلى داعش، ونصف مليار دولار إلى النصرة، ونصف مليار دولار إلى نوادي المثليين في باريس، و…
– إلى نوادي المثليين!
– اطمأني، أنا لا أحب الرجال (كان يكذب)، كيف أحبهم، وفي فراشي قنبلة نووية مثلك؟!
– ظننت.
– ونصف مليار دولار إلى الوهابيين في جميع أرجاء العالم.
– نعم حول إليهم إلى الوهابيين أبناء الشرمو…
– رجاء بتول سموك!
– يا طويل العمر أطلت عليّ، لهذا لم أستطع إمساك لساني.
– أخر ضربة على الحاسوب و… ها أنا، أنا طوع يديك، يا أغلى أميرة على قلبي في العالم.
– أغلى أميرة على قلبك في العالم تريدك أن تخنقها.
– ماذا؟ أن أخنقك!
– أضحكتني سموك، يا ابن عمي.
– آه! أن أخنقك.
– وأن تجعلني أولول عند خنقي.
– أنا أرى، تريدين إنهاكي، القضاء عليّ.
– انهاكك أكيد، القضاء عليك لا والله العظيم.
– إذا كان الأمر كذلك، فهلم بنا!
قلب الأمير الأميرة، وراح بها خنقًا من ظهرها، وهي تولول، ليس من اللَّذة، وإنما لتثيره أكثر، وتنهكه أضعاف ما اعتاد عليه. لم يطل به الأمر حتى تساقط كالحبل الرخو، فصفقت الأميرة بتول، لتقفز وصيفاتها عليه. كممنه، وربطنه، ونزلن به إلى زنزانة من زنازين القصر.

* * *

وقع الشيء نفسه مع الأميرات العظميات الخمس، ثم رحن، وعلى رأسهن الأميرة بتول، ليعزلن العجوز مع عجوزته ومرحاضه الذهبي، وتوجن الأميرة بتول ملكة على السعودية، التي كانت قراراتها الأولى، فتح النوافذ، ووقف تحويل المليارات إلى داعش والنصرة والوهابيين في العالم، ورمي كل أفراد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السجون التي كانت ما أكثرها، مقابل إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين وغير السياسيين، وكذلك منع الحجاب، ومنع مكبرات الصوت على المآذن، ومنع كل ما هو ممنوع، إلى جانب فتح الرؤوس، وتغيير العقول مجانًا على أيدي أعظم الجراحين من الأطباء في العالم.

السيناريو الرابع – نيويورك
جيمس ستيوارت، رئيس تروست البيتزا الأمريكي المعروف، كان يحب كلبته ماريلين مونرو أكثر من زوجته، ويدللها أكثر من كل بناته، يطعمها البيتزا بالكافيار، ويسقيها الماء المعدني الفرنسي فيتيل، وعندما يأخذها معه إلى حفلة من الحفلات، كان يغسلها بالعطر، ويلف عنقها بالألماس، ويكسوها بالحرير، وكان يجند ثلاث خادمات للعناية بها، وثلاثة حراس لحمايتها. لكنه في السنترال بارك، غير بعيد من شقته الفخمة، كان ينزه كلبته بنفسه كأي شخص عادي، يبتسم لمن يعرفه، ولمن لا يعرفه، ولا يتوقف عن التكلم في تلفونه المحمول، وكأنه مربوط بالعالم على الطرف الآخر.
– كم بيتزا بعنا حتى هذه الساعة؟
كانت الساعة لم تتجاوز بعد العاشرة صباحًا.
– في العالم؟
– في أمريكا.
– مائة مليون بيتزا.
– وفي أوروبا؟
– خمسون مليون بيتزا.
– وفي الشرق الأوسط؟
– مليون ونصف بيتزا.
– مليون ونصف بيتزا فقط!
– إنهم يفضلون ساندويتشات الفلافل.
– يا له من ذوق متخلف ذوق العرب!
– همجي!
– سندخلهم من باب الحضارة العريض رغم أنوفهم.
– ماذا تعني؟
– سأقول لك فيما بعد.
– خلال عدة دقائق العداد ارتفع.
– كم؟
– بيعت في أمريكا مائة وعشرون مليون بيتزا.
– وفي أوروبا؟
– ستون مليون بيتزا.
– وفي بلاد الهمج؟
– مليون ونصف بيتزا دومًا.
– ماذا؟ لم يتحرك العداد في الشرق الأوسط؟
– لم يتحرك.
– سأنيك عرضهم.
– هذا رأيي أيضًا، أن تنيك عرضهم، فيضطرون لأكل بيتزا أكثر.
– انتظر على الخط قليلاً ريثما أكلم سكرتير الدفاع… هاي جوني! هل أعجبتك البيتزا بالكافيار التي أرسلتها لك مساء أمس؟… كنت أعرف ذلك، فهي البيتزا التي تفضلها كلبتي بين مائة نوع بيتزا… شكرًا شكرًا! والشيك الصغير هل استلمته؟… أنا تحت أمرك، سيكون المبلغ الذي تريده في المرة القادمة… قل لي جوني، الهمج، أنت تعرف من أعني، لا يأكلون بيتزا كما يجب… نعم، نعم، هي بيتزا خراء كما تقول، فهل يستحقون خيرًا منها؟… نعم، نعم، الكافيار لك ولكلبتي وللعرب الخراء كالعادة، لكنهم لا يأكلون منه كما يجب… نعم، نعم، أريد شغلة عملة بعض العون… أن تمنع تصدير الحمص الناشف لفلافلهم؟ ليس هذا بحل، فهم سيبدلونه بالفول الناشف، وعلى أي حال الحمص الناشف والفول الناشف والعدس الناشف مواد غذائية يصدرها التروست، يعني أنا، وأنا أبحث عن حل استراتيجي… نعم، نعم، الشيك القادم لن يتأخر، والمبلغ الذي تريده… العراق والسعودية وبلدان الخليج يأكلون الشاورما، أنا أعرف، فهم محشوون بالنقود القذرون… الحل؟… لا فض فوك! ستشعل حربًا بين الشاورما والفلافل لتخرج منها البيتزا رابحة وبالملايين! وبالمليارات تقول؟ شكرًا جوني، ماذا؟ نصف مليار دولار! تريد نصف مليار دولار وفي الحال؟ مقابل ألف مليار بيتزا هذا لا شيء؟ أوكي جوني، أوكي، مع السلامة!… مع ألف داهية! هل ما زلت هنا يا عاهرة البيتزا؟
– ما زلت هنا.
– هذا القذر جوني يريد نصف مليار دولار مقابل خدمة صغيرة طلبتها منه.
– من هو هذا القذر جوني؟
– سكرتير الدفاع.
– شهيته مفتوحة كما أرى ليس فقط للبيتزا.
– للخراء.
– هل تريد آخر أرقام العداد؟
– قل لنرى.
– مائتان وعشرون مليون بيتزا في أمريكا، مائة وعشرون مليون بيتزا في أوروبا، ثلاثمائة مليون بيتزا في جنوب آسيا، نصف مليار بيتزا في الصين…
– نصف مليار بيتزا في الصين! قليل هذا.
– لم يعتد الصُّفر بعد على بيتزانا، فهم يفضلون البط المبرنق.
– سأكلم سكرتير الدفاع بشأنهم في المرة القادمة.
– هل تريد القيام بحرب نووية؟
– لِمَ لا والبيتزا أقوى من كل شيء؟
– نصف مليار بيتزا في الهند…
– سأكلمه كذلك عن الهند.
– ستكلم من، يلعن دين؟
– جوني، سكرتير الدفاع، يا عاهرة البيتزا!
– هؤلاء الهنود كريهو الرائحة لن تنفع معهم كل الحروب النووية عندما يتعلق الأمر بالرز تاعهم، لهذا أنصحك بالاكتفاء بنصف مليار بيتزا تبيعها عندهم، ورمي كل ثقلك على الهمج.
– على الهمج؟
– هل نسيت؟ على الهمج!
– آه، الهمج! من هم، يا عاهرة البيتزا؟
– العرب، يلعن دين!
– وهل لهم حساب في الوجود هؤلاء القذرون؟ طيب طيب، سأرمي كل ثقلي على الهمج.
– أرقام العداد ترتفع ترتفع، ثلاثمائة مليون بيتزا في أمريكا، مائتا مليون بيتزا في أوروبا، نصف مليار بيتزا في جنوب آسيا، مليار بيتزا في الصين…
– وفي بلاد الهمج؟
– تحرك العداد.
– كم؟
– مليون ونصف بيتزا وبيتزا واحدة فقط.
– بيتزا واحدة فقط لا غير منذ ساعة.
– قل لجوني صاحبك أن يعجل.
– جوني صاحبي من؟
– سكرتير الدفاع، يلعن دين؟
– والله نسيته هذا القذر ولم أنس نصف المليار دولار تاعه.
– قل له أن يعجل.
– سأقول له أن يعجل.
– ليضطر همج الشاورما إلى دفع الفاتورة لهمج البيتزا.

* * *

بعد عدة أيام، والمعارك حَمِيَ وطيسها في الشرق الأوسط، قرع الهاتف المحمول لجيمس ستيوارت، وهو يطعم كلبته بنفسه البيتزا بالكافيار في الصالون الفخم.
– آلو!
– جيمس؟
– هو بعينه، يا عاهرة البيتزا!
– عندي رقم مفرح لك.
– مليار بيتزا بيعت في أمريكا حتى الساعة.
– مليار بيتزا بيعت في بلاد الهمج.
– ماذا؟ أنا لا أصدق أذنيّ! مليار بيتزا بيعت في بلاد الهمج؟
– غلب عليهم التمدن بعد تمزيقهم إلى دويلات.
– سأفتح قنينة شمبانيا حالاً، وسأشربها على صحة مليار البيتزا أنا وكلبتي.
– آه! يا إلهي…
– لماذا تصيح هكذا، يا عاهرة البيتزا؟
– أرقام العداد في بلاد الهمج لا تتوقف عن الارتفاع: مليار بيتزا ومائة مليون، مليار بيتزا ومائتا مليون، مليار بيتزا وثلاثمائة مليون، مليار بيتزا وأربعمائة مليون، مليار بيتزا وخمسمائة مليون، مليار بيتزا و… و… و…

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة