السيناريوهات : ارهابيون (2) بقلم : د . افنان القاسم

فلسطين ……
بقلم : د. أفنان القاسم – باريس …..
لم يتوقع محمد عماري أن يجد شخصًا آخر غير مدير السجن في مكتب هذا الأخير، شخصًا يراه لأول مرة، بنظارتين طبيتين مدورتين، ووجه طفل، ومع ذلك كان في الأربعين من عمره، وكان صلعه يهاجم جبهته، ربما لهذا لم تكن له أمارات الرجل. قدم نفسه تحت اسم ماتيو روزنبرغ، واكتفى بذلك، لم يقل من هو، ولأي جهاز يعمل. بدا محمد عماري حائرًا أمام الابتسامة الدائمة والثنيتين الناعمتين اللتين على طرفي الفم، أكثر مما هو عليه أمام الشخص. التفت إلى الباب، كمن يتوقع أن يأتي مدير السجن، لكن الرجل أمسكه من ذراعه، وجلس وإياه على الأريكة.
-سوف تفهم كل شيء بعد قليل، طمأنه ماتيو روزنبرغ.
-لقد استتبت لي الأمور بعد عامين قضيتهما في هذا الفندق خمس نجوم، تهكم محمد عماري، رؤساء العصابات أنا رئيسهم، كان عليّ أن أكون رئيسهم، وإلا ما كنت لأنجو بجلدي. عندما تنادي على الحراس، فيبح صوتك، ولا أحد يأتي لنجدتك، عليك أن تتدبر أمرك، أن تُخرج الشيطان الذي في بدنك ليدافع عنك، تفعل ما عليك أن تفعل، تضطر إلى فعل أبشع الأفعال، فماذا تريدني أن أفهم؟
-خذ سيجارة.
-أنا لا أدخن، إنها رغبة أمي مذ كنت في المدرسة الابتدائية، نعم كان هناك من يدخن في المدرسة الابتدائية.
-والمخدرات؟
-المخدرات شيء آخر، المخدرات كيلا أسرق أمي لأني كنت أبيعها غاليًا، وكيلا أشرب السجائر لأن أمي لا ترغب في ذلك.
-كما أرى علاقتك بأمك قوية جدًا.
-وعندما كنت مضطرًا لسرقتها، كنت كمن أستدين منها، القمار أنا ربه، هل تعلم؟
-هذا، أي نعم، أعلم.
-بعد ذلك كنت أعيد لأمي نقودها كلها.
-لن تقول لي إنك ملاك الخير الآن، تهكم ماتيو روزنبرغ.
-ملاك الشر.
-للشر ملاك؟
-كل الجرائم التي ارتكبتها ليكون كل أولاد القحبة ضحاياي، للشر ملاك إذن هو أنا.
-ليس كل أولاد القحبة.
-كلهم أقول لك.
-هل أنت متأكد، كلهم؟
-كما لو كنت أرى وعيناي مغمضتان.
-ليس كل أولاد القحبة.
-أنت مهبول أم تتظاهر بالهبل؟ تهكم محمد عماري، كلهم.
-في مرة أردتَ أن تقتل الأب، فقتلت الابن، أيها القذر، طفل في السابعة من عمره.
-لم تكن غلطتي.
-غلطة من إذن، يا قحبة الغائط؟
-غلطة الأب، يا دين الرب! لماذا لم يتركني أقتله ابن القحبة؟ فعل ذلك عن عمد لأتعذب طوال حياتي.
-تتعذب أنت؟ أنت لا قلب لك!
-أبي لا قلب له.
-وأنت طلعت على أبيك.
-كان يريد أن يقوّم الخطأ على طريقته، فيقع في الخطأ، كل متدين يفعل مثله، لكني أنا غير متدين.
-متدين أم غير متدين أنت طلعت على أبيك، لا قلب لك، مجرم، منيك غائطي، إرهابي، أبوك كان مسلمًا صالحًا على الأقل، أما أنت فلست من الإسلام والصلاح شيئًا. أيها القدر! هل تعرف لماذا أنا هنا؟ أنا هنا لأجعلك تختار بين إرسالك إلى معتقلات بوتفليقة “نتاعكم” (قالها باللهجة الجزائرية)، يعني أفظع المعتقلات في العالم، أو أن تصفي حساباتك مع كل أولاد القحبة، كل أولاد الله أكبر!
-بين المسجد والمعتقل أفضل المعتقل، همهم محمد عماري.
-ليس كل أولاد القحبة الذين هم في فرنسا.
-سأتعذب على الرغم من ذلك طوال حياتي.
-روحك ليست في سلام.
-روحي ليست في سلام.
-وستبقى.
-وستبقى.
-أريد القول ستبقى، أنت، في السجن مدى الحياة.
-هذا ليس مهمًا أن أبقى في السجن مدى الحياة، المهم روحي، روحي ليست في سلام.
-كنت أعرف أنك عنصر إيجابي على الرغم من قذارتك.
-ماذا تعرض عليّ، موسيو روزنبرغ؟
* * *
-أنت جهاد ومجاهدون! قال أحمد عماري لأخيه الكبير ساخرًا.
-أقنعني شيخ كان معي في الزنزانة، قال محمد عماري لأخيه الصغير مبررًا.
-لم أكن أحلم بالإفراج عنك، فلا تتركني يا وليدي، بكت الأم.
-صحيح ما تقوله أمك، أكد الأب.
-أنت لا تتدخل بيني وبين أمي، نبر محمد عماري في وجه أبيه.
-هذا كلام لا يقوله مجاهد لأبيه، احتج الأب.
-لأني سأكون مسلمًا أفضل منك!
-أنت من لا يعرف الإسلام إلا بالاسم!
-سأثبت لك.
-اثبت لي وشيخك أنكما جاهلان.
-كفى، صاحت الأم، وهي لا تكف عن البكاء.
-وإذا ما جئت معك؟ قال الأخ الصغير.
-لن تجيء معي.
-أريد أن أجاهد مثلك.
-يا رب، خذني لأرتاح، انفجرت الأم باكية.
-فليأخذهما الله، هما، لنرتاح، صاح الأب بغضب، هذا أولاً، قال، وهو يصفع محمد، وهذا ثانيًا، أضاف، وهو يصفع أحمد.
نهض الأخ الكبير، ورد الصفعة لأبيه، فأخذت الأم تلطم، وتولول، ولولا تدخل الأخ الصغير لتعارك الأب مع ابنه.
-سأترك بيت الجهاد والمجاهدين هذا ولن أعود إليه إلى الأبد، نبر الأب، وفتح الباب ليخرج، وفرانسواز صديقة أحمد تدخل.
-كما أرى لم ترب أبناءك كما ينبغي، يا حفيد الرسول! صاحت الأم في ظهره.
-ماذا هنالك، سألت الفتاة باستغراب.
-لا شيء، أجاب الأخ الصغير، نريد الذهاب إلى سوريا.
-أنت تريد الذهاب إلى سوريا! تلعثمت فرانسواز، وهي تجلس على حافة الأريكة، بتنورتها القصيرة الضيقة التي تكشف عن نصف فخذيها.
-أنا أمنعك، نبر محمد عماري، وهو يرفع إصبعًا مهددة في وجه أخيه.
-لماذا؟ تريد الجهاد لك وحدك؟
-أنت لا تعرف قراءة الفاتحة.
-وأنت كذلك.
-يا رب! ابتهلت الأم، وفرانسواز تجفف لها دمعها.
-هل أقول لك الصدق؟ ابتسم أحمد عماري.
-لا صدق ولا كذب.
-لا تلتهم بعينيك فخذي فرانسواز، يا قحبة الغائط!
-أنا ألتهم! لم أطرف بعيني نحو ملكة جمال العالم “نتاعك”، الست فرانسواز الغائط!
-أنت تعرف أخاك كم يغار على أشيائه، بررت فرانسواز، لم يغيّر عادته الكريهة هذه.
-كل هذه المدة في المعتقل لم أعد أعرف! تقولين أشياءه؟
-هذا لأنه يعتبرني كأي شيء ملكه.
-ها هو جهادي على كيفِك!
-على كِيف كيفَك!
-هلا تركتماني أتكلم؟
-يا رب! عادت الأم إلى الابتهال.
-لم أعد أطيق فرنسا…
-لم تعد ماذا؟ تطيق فرنسا! رمت فرانسواز باستغراب.
-…لم أعد أطيق الفرنسيين…
-لكن أنا أحلم! عادت فرانسواز ترمي باستغراب، قل لي هل أحلم؟
-…لم أعد أحب ضحكهم، لم أعد أحتمل ظلالهم، لم أعد أعبد بناتهم (ضحكت فرانسواز بتشنج)، لم أعد أجن بموضاتهم، بأطباقهم، بحلوياتهم، كل شيء مُر حتى أحلى شيء.
-لأنك عاطل عن العمل تقول هذا.
-لأنني ولدت وأنا أكره العالم، لكني لم أعرف هذا إلا اليوم.
-أنت لم تكرهني يومًا، احتجت فرانسواز.
-أنا عرفت هذا منذ زمن طويل، همهم الأخ الكبير، لهذا قتلت.
-أية قوة على العيش تملك، همهم الأخ الصغير، في هذه المخرأة التي هي الضواحي حيث نموت، وقد انعدم الأمل، ولم يبق للشباب شيء ممكن، وكل شيء افتراضي، التغيير أول شيء، ما عدا الضياع، الضياع، الضياع، آه، ما أبدع الضياع! ناكونا كما يجب، أولاد القحبة!
-الحياة ليس لها أي معنى، عاد محمد عماري إلى الهمهمة، الحياة كابوس لا ينتهي، الحياة لا معقول، عبث مطلق، طريق طويل نحو الهاوية.
-نحو الخلاص بأية طريقة، عاد أحمد عماري إلى القول.
-بما أن الأمر كذلك، صاحت فرانسواز، وشرارات الدموع تتطاير من عينيها، وأنا أيضًا أريد الجهاد مثلك.
-بتنورتك القصيرة الضيقة، قهقه الأخ الكبير، هذا أحسن جهاد على الأرض.
-لا يضيرني ارتداء الحجاب.
-أفهم ما تقولين، رد الأخ الصغير.
-ماذا؟ تفهم ما تقول! تعجب الأخ الكبير.
-يا رب! يا الله! عجل بأخذي قربك! همهمت الأم.
-استني شوية يما! تفهم ما تقول!
-هل نسيت غيرته؟ سألت فرانسواز.
-والله نسيت، استسلم محمد.
-هكذا يكون مرتاحًا إلى يوم الدين.
-والصلاة والصوم والقتال؟
-سأصلي وسأصوم وسأقاتل.
-أنتِ لستِ فرنسية كما أرى.
-تريد القول لستُ قحبة؟
-ولستِ جزائرية.
-أنا غائط تحب أخاك، ومستعدة لكل شيء كي تبقى قربه.
-مستعدة لكل شيء حقًا؟
-لا تلتهم بعينيك فخذيها، يا دين الرب!
* * *
داخل مخيم داعشي في الشمال السوري، كانت الفاشية الدينية عملة رائجة، تجذب الشباب من ذقونهم وعقولهم، وكأنهم نعاج، كانوا أقوياء بضعفهم، عقلاء بخبلهم، أتقياء ببربريتهم، كانوا كلهم يتشابهون، فلا اختلاف بينهم، وكانوا كلهم يفكرون كشخص واحد، وحيد، أوحد، وقد اختلط العابد بالمعبود، ولم يعد هناك أدنى تمييز بين آلهة وبشر. لم يكن هذا حال محمد عماري الذي هو هنا لمهمة، بينما غدا حالُ أخيه أحمد حالَ غيره ممن هم معه، وخاصة حال فرانسواز، التي ارتدت الحجاب كما كانت ترتديه عاهرات المعابد، وراحت تنام مع إخوتها في الدين، على مسمع ومرأى خطيبها، دون أن يبدر عنه أي رد فعل دافعه غيرته المتأصلة فيه، أو بالأحرى غيرته التي كانت متأصلة فيه. لم يعد يغار عليها، بل على العكس صار يغار من بربرية هذا أو ذاك من ملته. غدت البربرية دينها الإسلام، وبالتالي غدت قانونًا مقدسًا، وبديماغوجية رهيبة، وجدت البربرية جذورها في الفتوحات العربية، وفي واقع كان منذ 1400 سنة، لا علاقة له البتة بواقعنا. و… تمشي الخطط، وتتحقق الأهداف، الخطط والأهداف الخسيسة، وتمشي الحلمات على أعتاب المواخير أو، الصوامع على حد سواء. لم يكن بإمكان محمد عماري أن يقتل كل أولاد القحبة، فكان يخفف عن نفسه بالتدخين، ولا بأس من زعل أمه. جمع كل المعلومات التي طلب منه ماتيو روزنبرغ جمعها، وخلال قصف الطيران الفرنسي للمخيم، اضطر إلى استعمال القوة مع أخيه وخطيبة أخيه ليجبرهما على مغادرة الجحيم.
* **
قال أحمد عماري لأخيه، وهو ينظر من النافذة:
-باريس تحتضر، تلتهمها الجراذين.
-وماذا يهمنا، نحن جزائريون، رد محمد عماري.
-نحن ولدنا هنا، رمى أحمد عماري، وهو يستدير.
-نحن جزائريون، نحن أولاد قحبة عن حق، أصيلون، رمى محمد عماري بدوره.
-أولاد قحبة الإسلام؟
-أولاد قحبة وفقط، ولكن أولاد قحبة رجال، وليس أولاد قحبة نساء مثلهم.
-أنا مستعد لكل شيء كمسلم.
-وأنا كخراء.
-أنت غريب أمرك، ليس أنا.
-وذاك الخضرجي العربي، وذاك الحلواني، وذاك التمرجي، أليس كل واحد منهم مسلمًا؟
-هم هم وأنا أنا.
-أنت مهبول والله، أنت لن تفجر نفسك لأجل لا شيء.
-لأجل دين الله.
-سأمنعك، والله سأمنعك. ثم، تم الاتفاق على كل شيء دون أن يلحق أحدنا الأذى.
-اعتبار للمصلحة العامة! قول أخينا ماتيو روزنبرغ ابن القحبة، لتبرير ما يبرره غير الدين، نبر الأخ الصغير.
-الرأسمالية كدين مقابل الإسلام كسياسة، نبر الأخ الكبير.
-العكس هو الصحيح.
-تتدين بالنسبة لي تتعهر، وها أنت تتعهر الآن.
-إذا كان التعهر مكافأته الجنة…
-لا أريد أن تفجر نفسك.
-إذا كان الموت نهاية للموت…
-سأمنعك.
-إذا كانت جهنم هدية لغيرنا…
-والله سأمنعك.
أشعل محمد عماري سيجارة، وألقى صندوق السجائر وعلبة الكبريت على السرير، وحط بينهما صمت عميق. أخرج أحمد عماري سيجارة، ولم يعرف كيف يشعلها، فأحرق أصابعه، وهو ينط كالطفل، ومحمد عماري يضحك عليه. كانت سيجارته الأولى. فتحت الأم الباب، وصاحت عليهما لأنهما يدخنان، فطردها محمد، بينما أطفأ أحمد سيجارته، وذهب ليدفن رأسه في حضنها. جاءت فرانسواز بتنورتها القصيرة الضيقة، والأخ الكبير يلتهمها بعينيه. جلست، وفرشت أصابعه على فخذيها، فلم يبدر عن الأخ الصغير أي رد فعل كالماضي.
– لم يعد يحبني، همهمت فرانسواز، ودمعة تسيل من عينها، لم يعد يغار عليّ.
* * *
في فندق جورج الخامس، تبادل الأخوان عماري النار مع رجال الشرطة، فسقط بعض النزلاء، وفي الخارج، تم تفجير إنسان آلي عن بعد. خلال المعمعة، تمكن الأخوان عماري من الهرب. في المساء، قالت وسائل الإعلام إن محمد عماري سقط صريعًا في الغارة التي شنها رجال الدرك على مزرعة، وإن أحمد عماري يطارده رجال الأمن، بينما كان كلاهما في مكتب ضابط الإدارة العامة للأمن الداخلي ماتيو روزنبرغ.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة