العابثون بالتاريخ! (36- شهادة العاديّات المِصْريَّة- 6) – بقلم : عبد الله الفيفي

دراسات ….
بقلم : عبد الله الفيفي – كاتب من السعودية ……
هل كان الفرعون الثالث من الأسرة التاسعة عشرة (رمسيس الثاني، -1213ق.م) هو فرعون التسخير، و(مرنبتاح، -1203 ق.م)، ابنه، فرعون الخروج؟
مَن يأخذون بهذه الفرضيَّة يحتجّون بما ورد في “التوراة” من إشارة إلى بناء اليهود مدينة (رمسيس) و(فيثوم)، في المنطقة الشرقيَّة من دلتا (النِّيل).(1)  غير أننا حينما نعود إلى ما جاء حول ذلك في “التوراة” نفهم أن ذلك كان في عهد (يوسف)، لا في عهد (موسى): “ثُمَّ قَامَ مَلِكٌ جَدِيدٌ عَلَى مِصْرَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يُوسُفَ.  فَقَالَ لِشَعْبِهِ: “هُوَ ذَا بَنُو إِسْرَائِيلَ شَعْبٌ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِنَّا. هَلُمَّ نَحْتَالُ لَهُمْ لِئَلاَّ يَنْمُوا، فَيَكُونَ إِذَا حَدَثَتْ حَرْبٌ أَنَّهُمْ يَنْضَمُّونَ إِلَى أَعْدَائِنَا وَيُحَارِبُونَنَا وَيَصْعَدُونَ مِنَ الأَرْضِ”. فَجَعَلُوا عَلَيْهِمْ رُؤَسَاءَ تَسْخِيرٍ لِكَيْ يُذِلُّوهُمْ بِأَثْقَالِهِمْ، فَبَنَوْا لِفِرْعَوْنَ مَدِينَتَيْ مَخَازِنَ: فِيثُومَ، وَرَعَمْسِيسَ.”(2)
فهذا ما ورد في الإصحاح الأوّل من “سِفر الخروج”.  والسياق دالٌّ على أن ذلك كان قديمًا في عهد يوسف، أو عَقِبَه، وليس في عهد موسى.  ولقد جاء ذكرٌ لأرض (رعمسيس)، من قَبل في “سِفر التكوين”، وأنها الأرض التي أسكن فيها يوسفُ أباه (يعقوب) وإخوته: “فَأَسْكَنَ يُوسُفُ أَبَاهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَعْطَاهُمْ مُلْكًا فِي أَرْضِ مِصْرَ، فِي أَفْضَلِ الأَرْضِ، فِي أَرْضِ رَعَمْسِيسَ كَمَا أَمَرَ فِرْعَوْنُ.”  ما يؤكِّد ما قلناه من أن الإشارة في “سِفر الخروج” ليست إلى عهد موسى بل إلى عهد يوسف.  ثمّ سيأتي بعد هذا الموضع الحديثُ عن مولد موسى في وقتٍ لاحق، وتَتابُع صراعه وقومه مع فرعون.  فكيف تُجعل تلك الإشارة دليلًا على أن هاتين المدينتَين بُنيتا في عهد رمسيس الثاني، دون دليل، سوى تشابه “رعمسيس” باسم “رمسيس”؟!  وما أكثر “الرماسيس” في مِصْر، وما أكثر مثل هذه الحروف في أسماء المِصْريِّين القدماء عمومًا!  ومعروف أن “رعمسيس” كان لقب (رمسيس الأول، -1290ق.م)، جَدّ (رمسيس الثاني).  ولذا وقع الخلاف حول مكان (رعمسيس)، ومتى بُنيت، بل أيّ مدينة هي المقصودة بهذا الاسم؟  ذلك أن هذا الاسم قد وُجِد أيضًا قبل زمن (رمسيس الأول والثاني)، في اسم أخي (حور محب).  ولمَّا كان “رع” اسمًا قديمًا “للشمس”، فإنه من المحتمل جِدًّا أن تحمل مدينة قديمة اسم “رعمسيس”، الذي يعني: “رع قد خلقها”.  ويذهب بعض الباحثين إلى أنه قد كانت هناك ثلاث مدن، على الأقل، في مِصْر السفلَى باسم “با-رمسيس”، أي (مدينة رمسيس).(3)  أمَّا رمسيس الثاني، فإنما أنشأ مدينة حربيَّة باسم (بر رعميسو) في شرق الدلتا، في حين وُجدت آثاره ومعابده في الجنوب، ما يدحض الزعم أن عاصمته كانت (بر رعميس)، أو (رعمسيس)، بل كانت عاصمته هي العاصمة التقليديَّة (طِيبة).  ثمَّ لو سُلِّم بأن رمسيس الثاني اتخذ رعمسيس عاصمة له، فلا يعني ذلك أن نفهم إشارة التوراة إلى بناء اليهود رعمسيس على أنها إشارة إلى عهد رمسيس الثاني بالضرورة، وأنه فرعون الاضطهاد.  فرعمسيس مدينة مبنيَّة من قَبل، من عهد يوسف، كما يدلّ سياق النص التوراتي، وإنما لعلّ رمسيس الثاني أعاد بناءها، أو ترميمها.  كما لا يعني القول إن بني إسرائيل انطلقوا في خروجهم من (رعمسيس) أن بناءهم إيّاها كان حتمًا في عهد رمسيس الثاني، أو مرنبتاح، وأن خروجهم كان في عهد الأوّل أو الأخير.  فكلّ هذه قرائن لا تصمد لإثبات حقيقة تاريخيَّة، فضلًا عن تناقضها مع الحقائق التاريخيَّة الأخرى المشار إليها.  وإنما المتصوَّر أن اضطهاد بني إسرائيل كان قديمًا ومستمرًّا، ومن ضمن ذلك تكليفهم ببناء مدن، منها رعمسيس في عهد النبي يوسف.  ولعلّ رمسيس الثاني أعاد إحياء تلك المدينة، أو ترميمها، أو تسميتها باسمه.  وبما أنها مدينة قديمة، كان طبيعيًّا أن يكون وجود العبرانيِّين فيها بكثافة إبّان الخروج.  وهذا مؤكِّد آخر على أنها ليست بالمدينة الحديثة البناء، بل هي قديمة، استوطن فيها العبرانيُّون وتناسلوا.  وبما أنها في جهة الشرق، أو الشَّمال، أي على طريق (فلسطين)- حيث يبدو أن مُقام العبرانيِّين كان في تلك الجهة- كان طبعيًّا كذلك أن تكون منطلقًا لتجمُّعهم وتوجُّههم للخروج.
خلاصة القول: إن ما ورد في “التوراة” من إشارة إلى بناء اليهود مدينة (رعمسيس) و(فيثوم) لا شاهد فيه على عصر (رمسيس الثاني)، ولا على اضطهاد اليهود في زمنه، ولا على أنه فرعون الاضطهاد، بل هو دالٌّ على أن العبرانيِّين كانوا في مكان اسمه “رعمسيس”، منذ يوسف حتى الخروج.  لأن ما ورد في “التوراة” هو الآتي:
• (سِفر التكوين، 47: 11): أن يُوسف أسكن أباه وإخوته أرض “رعمسيس”، كما أمر فرعون.  وبذا أصبحت هذه الأرض مدينة للعبرانيِّين، كما يُفهم من هذه الإشارة وما تلاها من إشارات حول (رعمسيس).
• ثمَّ جاء في (سِفر الخروج، 1: 11): أن فرعون كلَّفهم ببناء مدينتَي (رعمسيس) و(فيثوم)، لتكونا مخازن للحبوب.  وهذا في عهد يوسف أيضًا، الذي كان قائمًا على خزائن الأرض، حسب طلبه، المشار إليه في (القرآن، سورة يوسف، 55): “قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ، إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ”.  ففيثوم تقع في منتصف المسافة بين (السويس) و(بورسعيد) عند (بحيرة التمساح)، وتُدعَى الآن (تلّ المسخوطة)، ورعمسيس تقع على بُعد 30 كيلًا جنوب غربي بورسعيد، ويقال إنها الآن (صان الحجر)، بمحافظة الغربيَّة، قُرب ما يُعرف بمدينة (الزقازيق) حاليًّا.  وهي التي اتَّخذها الهكسوس عاصمةً لهم، ثمَّ أنشأ فيها رمسيس الثاني توسّعات وأقام فيها مخازن للغلال.  على حين يرى باحثون آخرون أن رعمسيس هي (قنتير)، على بُعد نحو عشرة كيلات شمالي مدينة (فاقوس) على الطريق إلى صان الحجر. (4)
• ثمَّ في (سِفر الخروج، 12: 37، والعدد، 33: 3، 5): جاء أنهم ارتحلوا من مدينة (رعمسيس).  أي من المدينة التي كانوا فيها منذ يوسف، متَّجهين إلى (سكوت)، في طريقهم للخروج.
هذا ويمكن أن يُضاف من منغِّصات الفرضيَّة الذاهبة إلى أن (رمسيس الثاني) هو فرعون التسخير و(مرنبتاح) فرعون الخرج، أن الدلائل التاريخيَّة، وتلك المسجَّلة في “التوراة” و”القرآن”، تشير إلى أن فرعونَي التسخير(5) والخروج كانا طاغيتين، يحكمان إمبراطوريَّة مستقرّة مستبدّة ظاهرة.  حتى بلغ الأمر بغرور فرعون إلى القول: “أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ”(6)، وقال: “يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي، فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ”.(7)  وهذا ما ينطبق على الفرعون (أمنحُتِب الثاني)، وقَبْله (تحوت موسى الثالث)، أكثر بكثير من انطباقه على (رمسيس الثاني) و(مرنبتاح)، اللذين كانت الإمبراطوريَّة المِصْريَّة في عهدهما- وعلى الرغم من بقاء مظاهر القوَّة والعنفوان الحضاري والعمراني(8)- قد جعلت تتضعضع شيئًا فشيئًا، وتفقد جاهها، وقواها الحربيَّة، ويضمحلّ اقتصادها كثيرًا، ويتجاذبها الخصوم؛ فيغزو حدودها الجيرانُ من الغرب، ويهدّدونها من الشمال، وتتمرّد عليها البلدان التي كانت خاضعة لمِصْر في عهد الأسرة الثامنة عشرة.  أجل، لقد كانت الإمبراطوريَّة المِصْريَّة في عهد الرعامسة هؤلاء تعيش مخاضًا تحوّليًّا خطيرًا نحو الأُفول، ولم تعُد في غلواء النفوذ التوسُّعي والمنعة والكبرياء والجبروت، كما كانت عليه من قبل.  وما فرعون الذي ملأت أصداء جبروته أسماع التاريخ، وكانت نهايته آيةً إعجازيَّةً من آيات ما ينتهي إليه الجبابرة المتألِّهين الظالمين، بفرعونٍ من هذه الأسرة الضعيفة المتداعية.  زِدْ على هذا أن (مرنبتاح) لم يتولَّ المُلْك إلّا طاعنًا في الستين من عُمره، ويُرجَّح أنه كان قد ناهز الثمانين حين تُوفي، وتدلّ مومياؤه على أن وفاته كانت طبيعيَّة.  فأيّ فرعون هذا العجوز- على ما يظهر من أنه كان يعانيه أواخر أيّامه أيضًا من التهاب المفاصل وتصلُّب الشرايين- الذي طارد بني إسرائيل بنفسه برًّا وبحرًا؟!
من أجل هذا يبدو لنا- كما يقول كاتب المقال أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي- رجحانُ تسلسل الأحداث على النحو الذي وصفناه في فرضيَّتنا، وأن موسى وقومه خرجوا من مِصْر في عهد الفرعون (أمنحُتِب الثاني)، عام 1401 أو 1400ق.م.  وسنرى في المقال التالي شهادة تاريخيَّة مِصْريَّة تبعث على الاطمئنان إلى ما توصَّلنا إليه من استنتاج.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: بوكاي، موريس، (1990)، التوراة والإنجيل والقرآن والعِلْم، ترجمة: حسن خالد (بيروت: المكتب الإسلامي)، 266.
(2) سِفر الخروج، 1: 8- 14.
(3) انظر: “قاموس الكتاب المقدس | دائرة المعارف الكتابية المسيحية”، شرح كلمة مدينة (رَعمسيس)، على “الإنترنت”:
http://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/FreeCopticBooks-002-Holy-Arabic-Bible-Dictionary/10_R/R_085.html
(4) انظر: م.ن:  http://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/574.html
(5) كان تسخير العبرانيِّين في شؤون الفلاحة والبناء ونحوها من الأعمال المهنيَّة السابقة إليها الإشارة.  أمَّا شؤون العمران الهائلة، من قبيل الأهرامات، فلا شأن لهم به؛ فقد كانت تراثًا سالفًا على نزولهم مِصْر، خلال ما يُعرف بعصر الأهرامات، الذي يعود إلى الدولة القديمة، قبل الألف الثاني قبل الميلاد، ولاسيما عصر (خوفو)، و(خفرع)، و(منقرع)، في الأسرة الرابعة.
(6) سورة النازعات، آية 24.
(7) سورة القصص، آية 38.
(8) استنزف (رمسيس الثاني) خزائن الدولة في مظاهر شكليَّة من صناعة التماثيل والمعابد والأنصاب، إلى جانب حروبه.  ولبقاء تلك الآثار وشهرتها جرى الربط لدى بعض الكُتّاب بين عهده وخروج (بني إسرائيل)، أو اضطهادهم.  لكن تلك المظهريَّات لا علاقة لها بحقيقة الدولة وقوّتها التي كانت في تراجعٍ مطَّرد، داخليًّا وخارجيًّا، في عهده وعهد ابنه (مرنبتاح).

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة