السيناريوهات بقلم : د. أفنان القاسم (إرهابيون )

الجريمة …….
بقلم : د . افنان القاسم – باريس ….
السيناريو الأول – تل أبيب
سعيد عبد الهادي شاب في السابعة والعشرين من عمره، من قرية عنبتا قضاء نابلس الأراضي المحتلة، أشقر وعيناه خضراوان، طويل القامة، حسن الهندام، كان يعمل خراطًا في مصنع صغير للحديد يملكه عامي يعقوبي. بعد أن اجتاحت التكنولوجيا كل شيء، اضطر المصنع إلى إغلاق أبوابه، ومعظم مصانع الحديد الصغيرة والكبيرة فعلت مثله، مما جعل سعيد عبد الهادي في موقف لا يحسد عليه، فلا هو قادر على إيجاد عمل، ولا هو قادر على تبديل عمله، صرعته التكنولوجيا، ومشت على جثته.
في أحد الأيام، وهو يتمشى على الكورنيش، ويفكر في وضعه، طوقته ثلاث سيارات شرطة، وقيد تحت تهديد الأسلحة إلى المركز.
– أنت في وضع قانوني، قال له الضابط صموئيل، بطاقة الإقامة، بطاقة العمل، لا شكوى ضدك من أحد، أضافَ، وهو يفحص حاسوبه، صحيفة سوابقك عذراء، كل شيء تمام.
– يمكنني الذهاب إذن، قال سعيد بهدوء.
– يمكنك الذهاب، قال الضابط صموئيل، وهو يعيد إلى سعيد أوراقه.
نهض الشاب، واتجه نحو الباب، إلا أنه سمع ضابط الشرطة يقول من ورائه:
– منذ متى أنت عاطل عن العمل؟
استدار سعيد عبد الهادي مستغربًا:
– لم أقل إنني عاطل عن العمل!
– أجب على سؤالي من فضلك، أنت عاطل عن العمل منذ متى؟
– …
– منذ شهور ثلاثة أنت عاطل عن العمل؟
– نعم، تمامًا كما تقول، منذ شهور ثلاثة. كنت أعمل خراطًا، اليوم معظم مصانع الحديد…
– …تفلس.
– نعم، تمامًا كما تقول، تفلس.
– وكيف تتدبر أمرك؟
– لدي بعض النقود التي ادخرتها…
– …والتي على وشك النفاد.
– نعم، تمامًا كما تقول، والتي على وشك النفاد.
– وماذا ستفعل عندما تنتهي النقود التي ادخرتها؟ هل سترجع إلى قريتك في “الأراضي”؟
– هذا آخر ما أفكر فيه، أن أرجع إلى “عنبتا”.
– لماذا؟
– أن أرجع بخفي حنين.
– أفهم ما تقول.
– هل يمكنني الذهاب؟
– يمكنك.
أعطاه الشاب ظهره، فسمع الضابط صموئيل يقول:
– مر لترى زميلي في المكتب المجاور قبل ذهابك، فلديه ما يقوله لك.
– زميلك.
– الضابط جوش في المكتب المجاور.
– الضابط جوش.
– في المكتب المجاور، وأنت خارج على اليمين.
– وأنا خارج على اليمين.
– وأنت خارج المكتب الأول على اليمين.
طرق سعيد عبد الهادي الباب الزجاجي لمكتب الضابط جوش، فأشار إليه بالانتظار دقيقة واحدة ريثما ينهي مكالمته. انتظر عشر دقائق، ربع ساعة، ساعة، والضابط جوش يرفع قدميه في وجه الشاب، ويبدو عليه أنه لن ينتهي من حديث لا أول له ولا آخر. وضع الضابط جوش السماعة، وما لبث أن تناولها، وركَّبَ رقمًا آخر. وبينما هو ينتظر محدثه، أشار إلى سعيد من وراء الباب الزجاجي بالانتظار دقيقة واحدة، فنفخ سعيد، وجلس على المقعد الخشبي الوحيد في الممر. أغمض عينيه، ولم يفتحهما إلا بعد ساعة، على صوت الضابط جوش:
– سيد سعيد عبد الهادي تفضل.
دخل الشاب المكتب، وأراد الجلوس.
– ابق واقفًا، أمره الضابط، خمس دقائق، وأتركك تذهب. هذا المكتب منطقة خضراء، فلا داعي للتدخين.
– أنا لا أدخن.
– كنت أعتقد…
– …أنني أدخن. كنت أدخن، وتوقفت عن التدخين منذ فترة، منذ سنة تقريبًا.
– حسنًا.
جلس الضابط جوش، ورفع قدميه في وجه الشاب.
– لماذا لم تجد عملاً خلال ثلاثة شهور طويلة؟
– لأن معظم مصانع الحديد تفلس.
– هذا ما قلتَهُ لزميلي، لكنه ليس مقنعًا كجواب. ثم كيف تعيش دون عمل كل هذه المدة؟
– لدي بعض النقود التي ادخرتها.
– هذا ما قلتَهُ أيضًا لزميلي، لكنه ليس جوابًا كافيًا.
– لم يزل لدي بعضها لثلاثة أربعة شهور أخرى.
– وبعد ذلك، بعد أن تنتهي النقود التي ادخرتها؟
– بعد ذلك سأرى.
– كيف سترى وكل مصانع الحديد تفلس؟
– سأرى.
– كيف سترى؟
– سأرى، سأرى.
– كيف سترى، كيف سترى؟
– كيف سأرى؟
– كيف سترى؟
– سأتعلم مهنة أخرى.
– ستتعلم مهنة أخرى.
– أية مهنة كانت.
– مثلاً.
– أية مهنة كانت.
– مثلاً.
– أية مهنة كانت.
– مثلاً.
– …
– أنت لا تعرف.
– أنا لا أعرف.
– أنت تقول…
– …لا أعرف.
– لا تعرف.
– لا أعرف.
– لن أطيل الكلام في ما تعرف وفي ما لا تعرف، لكني مضطر لتحويلك.
– لتحويلي.
– أوراقك حسب الأصول، لكنه وضعك.
– ما له وضعي؟
– قلت ابق واقفًا!
– لم أشأ الجلوس.
– أنت لا تعرف ما ستفعله عندما تنتهي النقود التي ادخرتها، وضع كهذا، بلا نقود، سيجعل منك فريسة سهلة.
– فريسة سهلة.
– بلا استقرار كل شيء ممكن.
– ليس معي.
– معك ومع غيرك.
– ليس معي.
– قلت ابق واقفًا.
– لم أشأ الجلوس.
– لا تنرفز.
– أنا لا أنرفز.
– ابق واقفًا، نبر الضابط جوش، وهو يقف.
– أنا واقف.
– أنت لا تطيع، أنت سيء الطبع!
– أنا…
– لا تجب!
– أنا…
– قلت لا تجب يلعن دين، لا تجبني، لا تفه بكلمة واحدة!
– …
– هكذا.
– …
– فريسة سهلة.
– …
– أنت من هذا النوع الذي يجعل منك فريسة سهلة، صحيح ما أقول أم غير صحيح؟
– …
– أجب يلعن دين!
– قلتَ لي “لا تجبني”.
– قلت لك لا تجبني والآن أقول لك أجبني.
– لا أعتقد.
– لا تعتقد ماذا؟
– لست من هذا النوع الذي يجعل مني فريسة سهلة.
– هذا جوابك؟ سنرى!
ضغط الضابط جوش على زر، فحضر شرطي.
– خذه عند أمه.
– عند أمي!
– لترضعك.
– لترضعني!
– لتعرف أن الحليب الذي في ثديها ليسه كأي حليب.
– أريد محاميًا.
– …
– أريد محاميًا.
– …
– أريد محاميًا.
– …
كلبشه الشرطي، وساقه في الممر، ليحيط به شرطيان آخران، أركبوه في سيارة، وشقوا به شوارع تل أبيب، ونفيرهم يفتك برأسه فتكًا ذريعًا، حتى مقر الشين بيت.
في إحدى الحجرات التحت الأرضية أخذوا يضربونه ضربًا مبرحًا، وهم يشبعونه شتمًا، سيل من الشتائم: أختك، أمك، أخوك، أبوك، جدك، أجدادك، كل أجدادك! أغشي بصره، وأغمي عليه. قذفوه بدلو ماء، فأفاق من غشيته، وعادوا يشتمونه، ويضربونه حتى أغمي عليه من جديد، وهذه المرة لم ينفع معه ليفيق من غشيته لا دلو ماء ولا دلوان. عندما أفاق من غشيته في اليوم التالي، عادوا يشتمونه، ويضربونه حتى أغمي عليه. لم يفق من غشيته في اليوم التالي للتالي، فحملوه ليسعفوه. جعلوه يتناول وجبة شهية، وتركوه ينام. عندما أفاق من نومه، قادوه إلى أحد المكاتب الفارغة اللهم إلا من طاولة وكرسيين، وأقفلوا الباب عليه بالمفتاح آمرينه بالبقاء واقفًا. بقي واقفًا رغم حديد الجروح! بعد انتظار طال، وبينما هو يهم بالجلوس، اندفع باب داخلي، وظهر وجه مبتسم لامرأة فائقة الجمال. اعتدل سعيد عبد الهادي، وكل جسده يتشنج مسببًا له أشد ألم. ندت عنه بعض التأوهات، فرجته الضابطة:
– اجلس، أرجوك!
جلسَ، وجلستْ.
– أنا آسفة لما حصل، قالت، وقع خطأ، لم يكن المقصود أنت، من النادر أن يقع أمر فادح كهذا في “بيتنا”، وأنا قمت باللازم، سيعاقب كل الذين ضربوك، نحن على أي حال لا نضرب، لا نعذب، ليس هذا سلوكنا في الشين بيت، وشعار الشين بيت “لا تصل إلى غايتك بكافة الطرق”! التعذيب شيء لا إنساني، والإنسان يظل إنسانًا، يكفي أن تعرف كيف تعامله، أو، إن أردت، كيف تتعامل معه. أنا لن أطيل في الكلام، وسأدخل في صميم الموضوع مباشرة…
راحت الضابطة الحسناء تحكي، وسعيد عبد الهادي ينظر إلى شفتيها، ولا يسمع شيئًا مما تقول. بقيت تحكي ساعة، ربما ساعتين، والشاب يحلم، وهو يركض بها على الشاطئ، وهو يعوم معها، وهو يغطس معها، وهو يقبلها تحت الماء، وهو يقبلها فوق الماء، وهو يحملها على كتفيه، وهو يرميها بين ذراعيه، وهو ينثر شعرها، وهو يضيع على ظهرها… أغمض عينيه، وأغفى. عندما فتح عينيه لم تكن الضابطة هناك، والباب كان مفتوحًا. لم يكن أحد في الممر، لم يكن أحد في مكتب الاستقبال، لم يكن أحد في الخارج. عندما وجد نفسه في الخارج بالفعل، أخذ يعدو تحت سماء مرصعة بالنجوم. أول شيء فكر فيه ألا يذهب إلى مسكنه، لأنهم سيكونون هناك بانتظاره. طرق الباب على زميله دافيد، ففتح له، واستمع إلى قصته. لم يصدق قصته، ورجاه أن يعفيه من المشاكل. طرق الباب على معلمه يعقوبي، ففتح له، واستمع إلى قصته. لم يصدق قصته، ورجاه أن يعفيه من المشاكل. طرق الباب على صديقته ساره، ففتحت له، واستمعت إلى قصته. لم تصدق قصته، ورجته أن يعفيها من المشاكل. وجد نفسه في الليل وحيدًا، فبكى. أثارت دموعه وجروحه شكوك بعض العابرين، فهاجموه، إلا أنه استطاع الإفلات منهم، ليقع من جديد بين مخالب بعض العابرين الآخرين، الذين كادوا يجهزون عليه، لولا دفاع امرأة عنه، امرأة لبؤة، مسحت دمه، وساعدته على النهوض، والمشي حتى بيتها. ضمدت جروحه، وسقته فنجان شاي ساخن، وتركته ينام على الكنبة. في الصباح، لم تجده. عاد سعيد عبد الهادي إلى مكاتب الشين بيت، وعلى التحديد إلى مكتب الضابطة الحسناء.

* * *

مشى سعيد عبد الهادي على شاطئ تل أبيب، وهو يلف حول صدره حزام المتفجرات، بينما ينعم المصطافون بالرمل الناعم والماء الدافئ. كان يبحث عن مكان فيه أكبر عدد من الأبرياء، لم يقولوا له هذا، لكن هذا ما قاله لنفسه. لم يكن دافع ذلك الانتقام من أحد، من شيء، كانت لعبته الجهنمية الأخيرة، وكان يريد الظفر بأقصى متعة شيطانية. وهو على وشك إدارة المفجِّر، وصله صوت امرأة عرفته، وعرفها. كانت تلك المرأة اللبؤة التي ضمدت جروحه، وسقته فنجان شاي ساخن، وتركته ينام على كنبتها. عند ذلك، تراجع سعيد عبد الهادي عن تفجير نفسه، وتفجيرها هي وغيرها معه. أخذ يركض باتجاه البحر تحت النظرات الدهشة للمرأة، وجعل الموجات تذهب به بعيدًا، بعيدًا. وهو وحده مع نفسه، مع قلبه، مع عقله، أحاط به قاربان بمحرك، ومنهما أطلقوا النار عليه، وفجروه.

* * *

شنت وسائل الإعلام حملة سياسية لم تكن الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة، عن رجال الأمن الذين “حيّدوا” إرهابي تل أبيب، وحموا الناس. تبنت منظمة الجهاد الإسلامي “العملية”، ووعدت بتحرير فلسطين حتى الرمق الأخير. رأى حميد عبد الهادي، الأخ الأصغر لسعيد، صور أخيه على التلفزيون، وكم كان فخورًا بأخيه. تناول أضخم سكين في مطبخهم، وذهب ليَقتل أول امرأة صادفها من المستوطنة المجاورة لقريتهم، وليُقتل بدوره.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة