النشاط الصهيوني في العراق من سنة 1914- 1950 ( 2 )

دراسات …..
بقلم : تميم منصور – فلسطين المحتلة ……
استمرت معارضة  غالبية يهود العراق وقادتهم لكل النشاطات الصهيونية داخل العراق ، خاصة بعد أن شعروا بأخطار الهيجان الوطني الشعبي في العراق ضد الممارسات الصهيونية في فلسطين بدعم من بريطانيا ، فقد اقيمت اجتماعات شعبية في بغداد وبقية المدن العراقية للتضامن مع الشعب الفلسطيني ضد ما اسموه الغزو الصهيوني للعراق وفلسطين .
وفي منتصف عام 1929 ، قام عدد من زعماء اليهود في العراق وأعيانهم بإرسال برقيات الى جريدتي ” العراق ” و ” النهضة ” العراقيتين ، أعربوا فيها عن دعمهم للموقف العربي المعارض لوعد بلفور وكل تبعاته من هجرة واستيطان ، وفي الثالث من شهر ايلول من نفس العام قام الحزب الوطني العراقي ، وعدد من الشخصيات السياسية والحزبية بتنظيم مؤتمر لنصرة فلسطين ومناهضة المشروع الصهيوني ، حضره عدد غفير من المواطنين من كل الطوائف ، بما فيهم اليهود ، ومن كل طبقات المجتمع ، ومن بين الذين تحدثوا في هذا الاجتماع الشاعر اليهودي ” أنور شاؤول ” اتهم الصهيونية بأنها المسؤولة عن أحداث القلاقل في اوروبا والشرق الأوسط ، وأعلن جميع الخطباء بأنهم يقفون ضد الصهيونية ، وليس ضد الديانة اليهودية .
بعد هذه الاجتماعات قام ممثلون عن الجاليات اليهودية العراقية في كافة المدن العراقية بإصدار بيانات أدانوا فيها الحركة الصهيونية ، وأكدوا ولاءهم لوطنهم العراق ، وقد طلبت السلطات العراقية المختصة من رئيس الجمعية الصهيونية العراقية ويدعى ” هارون ساسون ” الذي كان يشغل مديراً لمدرسة ” بارديس هيلاديم ” פרדם הילדים  مغادرة بغداد خلال عشرة أيام ، لكن ” ساسون  ” توسل الى السلطات العراقية بأن تمكنه من البقاء رحمة بطلاب مدرسته ، وقد استجابت السلطات العراقية لمطالبه ، لكنها طلبت منه أن يوقع تعهداً بأن يمتنع عن كل نشاطاته الصهيونية فوراً ، وقد اقتصرت هذه النشاطات على دفع اليهود للهجرة الى فلسطين ، وجمع التبرعات للصندوق القومي اليهودي ، واستخدام عمله الشاقل التي عمل على تداولها بين اليهود ، كما كان يفعل اليهود في فلسطين ، كما طالبوه بالتوقف عن بث الدعاية الصهيونية داخل مدرسته وخارجها ، لكن ” ساسون ” رفض التوقيع على هذا التعهد ، وحاول كسب تعاطف المندوب السامي البريطاني في بغداد ، لكن محاولته باءت بالفشل فأضطر للاذعان لمطالب السلطات العراقية ، لكنه اتجه بعدها للعمل السري ، واستمر في هذا المجال حتى عام 1935 ، عندما قام بمغادرة العراق الى فلسطين ، كان الاسم المعتمد للجمعية في العراق ” الجمعية الأدبية اليهودية ” الا أنه استخدم في مراسلاته الخارجية اسماً مغايراً وهو ” الجمعية الصهيونية العراقية ” .
اعترفت السلطات العراقية أنه بفضل الدعاية الصهيونية في العراق ، قرر عدد من اليهود الذين هاجروا من بلاد ما بين النهرين بحلول عام 1929 ثلاثة آلاف وما ئتي شخصاً ، وعدد الذين هاجروا بين عامي 1931 – 1944 حوالي الف وسبعمائة وخمسين شخصاً ، هذا من أصل حوالي مائة وخمسين الف يهودي عراقي .
يذكر أحد الوزراء العراقيين السابقين ويدعى ”  أرشيد العمري ” أنه بالإضافة الى البؤر الصهيونية التي ذكرت ، كانت هناك تنظيمات سرية أقامتها الحركة الصهيونية العراق ، من بين هذه التنظيمات التي اقيمت عام 1934 ، جمعية اسسها مدرس جاء من فلسطين وتدعى ” هيا الى أرض الميعاد ” وقد اشتملت أنشطة هذه الجمعية السرية على تسهيل هجرة اليهود العراقيين الى فلسطين ، كما شمل نشاطها تعليم اليهود والعراقيين اللغة العبرية ، كما شمل عقد اجتماعات والقاء محاضرات وجمع التبرعات المالية للصندوق القومي اليهودي ، وقد كان معظم أعضاء هذه الجمعية من الطلبة الشباب الذين كانوا يدرسون في المدارس اليهودية في بغداد ، مثل مدرسة ” شماس ” ومدرسة ” الأليانس ” لصاحبتها ” رحيل شمعون ” وقد خطط بعض أعضاء الجمعية المذكورة وعدد من المدارس التي تدرس العبرية ، القيام بمسيرة يهودية في شوارع بغداد ، لكن غالبية أعضاء الجمعية رفضوا هذا الاقتراح ، وقد انشق المعارضون واسسوا جمعية خاصة بهم اسموها جمعية ” شمش – שמש” وكانت متطرفة في انتمائها الصهيوني أكثر من سابقيتها ، لكن السلطات العراقية نجحت في وضع يدها على هاتين الجمعيتين وقامت بتفكيكهما .
ومن بين التنظيمات الصهيونية الأخرى التي أنشأها بعض اليهود العراقيين خلال هذه الفترة ، كانت جمعية الشباب العبرانيين ” وجمعية ” توزيع منتجات أرض اسرائيل ”  و ” موزعوا الكتب العبرية ” و ” جمعية الشبيبة العبرانية ” و ” منظمة المكابيين الرياضية ” وغيرها .
من بين الخطوات التي أقدمت عليها الحكومة العراقية لمحاصرة البؤر الصهيونية السرية ، قيام عدد من الوزراء بإنهاء خدمات عدد من كبار الموظفين من وزاراتهم ، وأكثرهم من غير المسلمين ، وكانت نسبة اليهود بينهم عالية ، وبعد احتجاجات من قبل أعيان الجالية اليهودية في بغداد ، أعيد عدد كبير من الموظفين اليهود الى وظائفهم .
وفي عام 1936 حدثت اضطرابات شعبية واسعة في فلسطين ، بسبب اقدام بريطانيا على السماح بالهجرة اليهودية الى فلسطين ، وقد أعلنت الحكومة العراقية برئاسة ياسين الهاشمي وقوفها الى جانب الشعب الفلسطيني في نضاله ضد سياسة بريطانيا وضد الهجرة المستمرة الى فلسطين ، وقد خرجت مظاهرات في بغداد منددة بالسياسة البريطانية رافقها بعض الاعتداءات على مرافق يهودية لاتهامها بدعم الحركة الصهيونية .
سارع حاخام بغداد ” ساسون خضوري ” وعدد من المثقفين اليهود لإصدار بياناً تبرأوا فيه من ” المخطط الصهيوني في فلسطين ” وقد تبعت ذلك البيان مقالتان كتبها أحد يهود بغداد واسمه ” عزرا حداد ” وكان مديرا لإحدى المدارس وأكاديمياً ، اضافة لكونه كاتباً مترجماً ، قال فيهما بأن يهود العراق عندما يعربون عن موقعهم من الحركة الصهيونية ، فأنهم يفعلون ذلك بملء ارادتهم ، وعندما يتحدثون عن العالم العربي ، فأنهم انما يتحدثون عن بلاد كانت منذ قديم الزمان وطنهم الأم ، اغدقت عليهم بكرمها وخيراتها ، وأضاف حداد قائلاً : بأن يهود العراق هم عرب قبل أن يكونوا يهوداً .
وبحلول عام 1938 بلغ عدد اليهود العراقيين الذين هاجروا الى فلسطين الفين وتسعمائة وعشرون ، وبسبب تصاعد الاضطرابات في فلسطين وتداعياتها في العراق ، توقفت نشاطات معظم التنظيمات الصهيونية بين يهود العراق ، لكن هذه الأجواء لم تمنع ظهور جمعيات يهودية سرية مثل ” جماعة اليهود الأحرار ” وجماعة ” الاتحاد والترقي ؤ” و ” جمعية شباب الانقاذ ” وكانت جمعية الانقاذ أكثر الجمعيات الصهيونية نشاطاً وتصميماً ، وقد ورد في احدى المناشير التي وزعتها هذه الجمعية بين أفراد الجالية اليهودية ، زعمت فيه بأن يهود بغداد ، البالغ عددهم حوالي المائة الف قادرين على الدفاع عن أنفسهم اذا ما حملوا السلاح ، ومما هو جدير بالذكر أن ظروف الحرب العالمية الثانية ، مكنت عدداً من الصهاينة من التسلل من فلسطين الى العراق ، جاءوا تحت غطاء انتسابهم كجنود متطوعين في الجيش البريطاني في العراق .
يتبع

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة