جيل الأحلام والأوهام

دراسات (::)
بقلم :منير درويش – سوريه (::)
( الجيل المدان ) عنوان السيرة الذاتية التي نشرت للفقيد الأستاذ منصور الأطرش بعد وفاته ، وصف فيها جيلهم جيل خمسينات  القرن العشرين  (  بالجيل المدان )  نظراً لحجم الهزائم التي خلفها للأمة .  هذا الجيل جسد رغباته  السياسية والاجتماعية بأحلام هي مشروعة بلا شك لكنه بنى عليها شعارات أكبر بكثير من أحلامه وإمكانياته والواقع الذي عاش فيه وعايشه ما أدى لإحباطها وتكسرها على صخرة الواقع عندما جرت المحاولات لمطابقتها عليه أو السير بها في غير المسالك التي يجب أن تسلكها ، وبالتالي فقد بقيت هذه الشعارات مجرد صرخات من حناجر مبحوحة في وادي عميق رغم صدق النوايا وحجم التضحيات التي بذلت لأجلها .
وبعيداً عن التشاؤم فإن قراءة واقعية للمراحل السياسية التي مرت بنا تبين أن  هذه الشعارات  انطلقت  من رغبات عاجزة بعيدة عن الواقع ضمن موازين قواها المحدودة وفي ظل مجتمعات متأخرة قادرة على تقديم تضحيات جسيمة لكنها عاجزة عن استثمارها لمصلحة المستقبل والتقدم  أو للخروج من أسار التأخر . وبالتالي فهو لم يدرك أو لم يأبه وهو يطلق شعاراته أنه أمام خصوم كبار لا تليق لهم هذه الشعارات ويملكون كل شيء  من الوعي  والثقافة والعلم والحضارة والتقدم  لإجهاضها كما يملكون إمكانية مصادرتها  ومصادرة حريته وحركته إما مباشرة أو بواسطة أنظمة استبدادية دكتاتورية يصنعها هؤلاء الخصوم وتسير في ركبه لاستمرارها وبقائها .
وبدلاً من مواجهة هؤلاء الخصوم بوعيها وثقافتها وكسر حلقة التأخر و استخدام  الأساليب والآليات التي أدت  إلى  فرض هؤلاء الخصوم وجودهم ، اكتفت بعملية تعبئة شعورية  للجماهير التي أنهكها القهر والاستبداد و النهب والسلب والفقر ، وبدلاً من دخول تياراتها المختلفة في حوارات لوضع خطط تكتيكية وإستراتيجية تتيح بلورة مشروع سياسي واجتماعي مشترك ، دخلت في صراعات حادة وصلت حد الإقصاء والاقتتال وتبادل الاتهامات بالخيانة والعمالة والتأمر الخارجي الشماعة الدائمة للاستبداد ، كل ذلك كان سبباً في جميع الهزائم التي منيت بها الأمة .
لقد نسي هؤلاء أن الكتلة الوطنية السورية لم تكن لتنجح في تحقيق الاستقلال لولا أنها تبنت هذا الهدف شعاراً وحيداً  تجمعت حوله ووحدت كل جهودها لخدمته مستغلة كل الإمكانيات المتاحة بما فيها التناقضات بين الدول الاستعمارية نفسها مع كثير من التضحيات التي قدمها شباب الوطن مدفوعين بالحمية الوطنية دون أن تخدم هذه التضحيات مشاريع لهذه الفئة أو تلك خارج هدف الاستقلال . أما القوى التي نشأت فيما بعد فقد عجزت عن بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الداعم الأساسي للعدالة والمساواة التي حلم بها رجالات الاستقلال كما عجزت عن إقامة النظام السياسي الديمقراطي التعددي الذي يحمي هذه الدولة ويعزز مكانتها لتكون مقدمة لأي مشروع أكبر ضمن الأحلام المشروعة . وبدلاً من ذلك راحت تنادي بشعارات  أكبر من الفرد والحزب و الجماعة   أدت   للفرقة والتقسيم السياسي والاجتماعي. منها .
( أمة عربية واحدة من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر ) شعار القوميين العرب   . كتاب واحد موحد لكل المقيمين في هذا القوس دون تمييز  متجاهلين حقوق مكوناتهم التاريخية والاجتماعية .
(أمة سورية واحدة )على بعض من  المساحة المشرقية من هذه الجغرافية دون مغربها ، شعار القوميين السوريين التي تبناها الحزب القومي الاجتماعي السوري .
أمة إسلامية على جغرافية تتجاوز البلدان العربية إلى محيط أوسع إحياء لخلافة سالفة ، شعار الإسلاميين أصحاب ( الإسلام هو الحل ) لا فرق فيها بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى .
هذا فضلاً عن شعارات أخرى ( وحدوية في مواجهة الانفصاليين ) ، اليمين واليسار ، رجعي وتقدمي وفق المفاهيم الاستشراقية  ، ريف ومدينة ، اشتراكية ورأسمالية ، صراعات طبقية في مجتمع لا تتوفر فيه طبقات متميزة وانتماء الفرد فيها لمكونات عائلية وعشائرية وأثنية أقوى من أي انتماء سياسي واقتصادي ، شعارات متصارعة افتقدت الديمقراطية فيها  و قدمت  كثير من التضحيات المجانية كانت تجري في ظل ستاتيك دولي رسمه وزيران استعماريان سايكس و بيكو ، أرست أساس الحدود الجغرافية لكيانات محددة في مساحتها وتركيبها السكاني وشكل الحكم فيها وسلط عليها  أنظمة استبدادية دكتاتورية لحمايتها جاءت عبر انقلابات عسكرية  ( بعد التوكل على الله والشعب ) في البلاغ رقم واحد الذي تكرر مرات ومرات شعارها (حل هذه الصراعات وتوحيد الأمة ومقاومة الاستعمار وتحرير الأرض ) وباطنها   تسعير هذه الصراعات كي تبقى وتستمر .وبالتالي فإن جميع الشعارات لم تستطع أن تزيح حجراً واحداً من هذه الحدود أو تفتح ثغرة فيها إن لم تخسر منها أكثر وبقيت أسيرة هذه الانقلابات وخططها ومشاريعها منذ منتصف القرن  .
حتى الآن قلة من المثقفين والسياسيين أجابوا بموضوعية عن سؤال . لماذا لم تنشأ دولة سوية ككيان جامع سياسي اجتماعي في المجتمعات العربية  ولماذا بقي المجتمع عاجزاً عن إنتاج تقدمه  وتطوره ؟، ماذا فعلنا بشعاراتنا وماذا فعلت بنا ؟ هل كانت أحلامنا مشروعة ؟ بالتأكيد نعم . لكن الشعارات التي أنتجناها هي شعارات العاجز الذي لا يقل عجزه عن الخيانة طالما أننا لم نستطع تجاوز هذا العجز وبناء القدرة اللازمة لمواجهته  . لقد بقيت هذه الشعارات أكبر بكثير من إمكانيات القوى التي حملتها وأضخم بكثير من الواقع الذي ستحط فيه فتحولت أحلامنا المشروعة إلى أوهام  . والمشكلة أن هذه القوى ورغم الهزائم لم تعترف بأخطائها وبقيت تمارسها بنفس الروح الظافراوية والانتصارات الوهمية ، وجاءت الأحداث الأخيرة لتثبت هذه الحقيقة وتجد هذه القوى أن الشعارات التي أطلقتها وأدخلتها  بصراعات مع الآخرين من أبناء جلدتهم   لم تكن كافية في ظل الواقع الراهن على اختراق هذا الواقع ، وأنها عاجزة عن مواكبة هذه الأحداث والتأثير فيها وكان عليها إعادة النظر بمواقفها و تقييم  نشاطها وسلوكها وما قامت به  لكنها بدلاً من ذلك  أخذت تتهرب من مسؤولياتها وكل يلقي  بها على الآخرين كأنهم المذنبون ونحن الأبرياء  .
وإذا كان البعض قد أصاب قليلاً إلا أنه قد أخطأ كثيراً  ، ولا أحد يهرب من تاريخه ولا فائدة من الهروب من هذا التاريخ ، و الجميع يقر  بهذه الحقائق ، وهذا ما  كان يفرض علينا أن نعمل على تقييم تجاربنا بما فيها من إيجابيات وسلبيات دون خوف لأن هذا التقييم هو الذي يوصلنا للحقيقة وهو المفتاح لإعادة صياغة المشروع الوطني الديمقراطي الذي يجمع الكل حوله وهو المقدمة لوضع مشروع موحد أساسه العدل والمساواة والديمقراطية لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية التي تساوي بين جميع المواطنين ويعززها وفيها ستحل كل الصراعات عبر  الحوار وحرية الرأي والتعبير والاعتراف بالآخر والحوار معه واضعين مصلحة الوطن  فوق كل المصالح الأخرى  بعيداً عن أي نوع من أنواع التعصب  والشخصنة والذاتية  لتحقيق  الهدف المنشود وإقامة النظام الوطني الديمقراطي التعددي الذي يحمي هذه الدولة ، و إلا  فنحن ذاهبون إلى المجهول الذي لا نعلم أين سيحط بنا؟ .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة