ليونيد أندرييف : قصة لا تنتهي

فن وثقافة (::)
جــودت هوشيار – العراق(:::)
نبذة عن المؤلف :
يحتل ليونيد اندرييف (1871-1919) مكانة مرموقة في تاريخ الادب الروسي, ويعد من ابرز الكتاب الطليعيين  الروس في العقدين الاول والثاني من القرن العشرين، ومؤسس التعبيرية الروسية . وقد ذاعت شهرته بعد ان نشر عام 1901 قصة تحت عنوان  “ذات مرة” في مجلة ” الحياة ”  الروسية”
كتب اندرييف الى جانب القصة القصيرة عدة مسرحيات رائدة تتميز بقدر عال من الجدة والاصالة معا. وقد ترجمت اعماله خلال حياته وبعدها الى اهم اللغات الاوربية وتحظى بأهتمام النقاد والقراء كروائع ادبية لا تبلى جدتها ، ويمتاز معظم نتاجات أندرييف القصصية والمسرحية بالتشاؤم والقنوط. ويعالج عدد من أعماله موضوعات الوحدة والمعاناة الإنسانية. وتستكشف قصته القصيرة الأكثر شهرة ” الضحكة الحمراء” (1904م) رعب وهول الحرب. أما روايته ” القصيرة السبعة الذين شنقوا  ” (1908م) فتستقصي مشاعر خمسة ثوريين واثنين من القتلة، بينما ينتظرون إعدامهم. أما مسرحيتاه الأكثر شعبية فهما ” حياة الإنسان  ” (1906م)، و” الذي يتعرض للصفع ”  (1915م،
تمّ تحويل العديد من قصصه الى أفلام سينمائية في روسيا وفي أميركا( هوليود ) كما أن مسرحياته تعرض حتى يومنا هذا في روسيا وبعض البلدان الأوروبية .. وحسب متابعتنا لم يترجم شيء من أعماله الى اللغة العربية ، وقد اخترنا احدى اهم قصصه القصيرة لتكون باكورة التعرف على ابداع هذا الكاتب الفذ . وكم من الأفذاذ الآخرين ينتظرون دورهم في الوصول الى القاريء العربي ، ولو بعد زمن طويل. فروائع الأدب العالمي جديد دوماً ..
2 – قصة لا تنتهي :
حين ايقظتني زوجتي , كنت قد غفوت بعد عذاب يوم طويل ومجهول ، فلاحت لي الشمعة التي كانت ترتعش في يدها,ساطعة كالشمس وسطالظلام .ووراء الشمعة كان ذقنها الشاحب يرتجف ويتعمق السواد في عينيها الواسعتين المجهولتين في هدوء وسكون . قالت : هل تدري….هل تدري؟ انهم يقيمون المتاريس في شارعنا
كان الهدوء من حولنا شاملا ونحن نحدق في عيون بعضنا البعض . عيوننا المجهولة. كنت أحس كيف أن وجهي يشحب. ذهبت الحياة الى مكان ما ثم رجعت مع ضربات القلب المتسارعة. كان الجو هادئا والشمعة تهتز.. الشمعة الصغيرة التي ذكرتني بسيف معقوف . سالتها : هل أنت خائفة ؟
ارتعش الذقن الشاحب ولكن عينيها ظلتا ساكنتين تتطلعان اليّ دون ان تطرفا , ورايت الان فقط كم كانت هاتان العينان مجهولتين ورهيبتين . منذ عشر سنوات وأنا أنظر اليهما وكنت أعرفهما أفضل مما أعرف عيني , غير أني أكتشفت فيهما الان شيئا لا أجد له أسما , كنت سأسميه الكبرياء. ولكن كان ثمة شيء آخر جديد تماما.
أخذت يدها بين يدي. كانت باردة ,فأخذت تضغط على يدي بقوة على نحو لم أعهده منها قط , وكان في هذا الضغط أيضاً شيء جديد تماما . سألتها : هل مضى عليهم وقت طويل هنا .
– ساعة واحدة . تسلل أخي في هدوء , ربما خشي ان لا تسمح له بالذهاب .
نهضت ودون سبب ما اغتسلت طويلا ، مثلما كنت أفعل في صبيحة كل يوم في العادة ، حينما كنت اتوجه الى عملي ,فتقف على مقربة مني والشمعة في يدها لتضيء لي المكان .ثم أطفأنا الشمعة واقتربنا من النافذة المطلة على الشارع . كان ذلك في شهر ايار ، في أوج الربيع , فأندفع عبر النافذة المفتوحة هواء لم يكن له من قبل وجود في المدينة الكبيرة القديمة . .
كانت المعامل والمصانع والقطارات متوقفة عن العمل منذ أيام , والهواء الخالي من الدخان مشبعا برائحة الحقول والبساتين اليانعة وربما الندى , لست أدري من أين تهب هذه الرائحة الشذية في الليل الربيعي ، عندما تتوغل بعيدا ..بعيدا في ضواحي المدينة ، وليس ثمة فنار أوعربة أو أي صوت من اصوات المدن فوق السطح الحجري اللامتناهي . اذا أغمضت عينيك ، خيل اليك انك في أحدى القرى . ثمة كلب ينبح. لم أسمع في حياتي قط نباح كلب في المدينة . ضحكت من فرط سعادتي …
–– هل تسمعين ؟ ثمة كلب ينبح ؟
عانقتني وهي تقول : انهم هناك في ناصية الشارع !
أطللنا من النافذة ورأينا حركة ما , لم نر أحداً،  بل حركة مراوغة كالظل. وعلى حين غرة سمعنا ضربات شيء ما : فأس أو مطرقة ، ضربات رنانة ،مرحة- كالتي تسمع في النهر أو في الغابة حين يصلّح قارب أو يشيد سد .
عانقت زوجتي بقوة وأنا أحس باقتراب موعد عمل مرح منغم ، بينما كانت هي في هذا الوقت تتطلع من فوق البناياات الى القمر الفتي ,المدبب القرن، المائل نحو الافول . قمر فتي ومضحك , مثل صبية تخشى ان تبوح لأحد بأسرارها وتبدو مشرقة في ضياء احلامها . قلت : ترى متى يستحيل القمر بدراً ؟
– – لا داعي…لا داعي .. ينبغي أن لا تتكلم عن الذي سيأتي
– – لماذا ؟
لأنه يخشى الكلمات , لنذهب من هنا . –
كانت الغرفة غارقة في الظلام ولم نكن نرى بعضنا البعض ، ولكننا كنا نفكر في الشيء ذاته . وعندما نطقت خيل الي ان الذي فعل ذلك هو شخص أخر . لم أكن مرتعبا ولكن صوت ذلك الانسان كان مبحوحا , كما لو كان يختنق من العطش
– ما العمل اذن ؟ … والأطفال !
– سوف تظلين معهم , يكفيهم وجودك معهم , أما أنا فلا أستطيع البقاء
– وهل أنا قادرة على ذلك؟
اعرف انها لم تتحرك من مكانها , بيد اني احسست بوضوح أنها ذاهبة وبعيدة , ثم اصيح الجو باردا للغاية فمددت يديّ ولكنها أبعدتهما . قالت : للناس عيد كل مائة عام وها أنت تريد أن تحرمني منه ولا أدري لماذا؟
.- ولكن ربما ستقتلين ويفنى أطفالنا
ستكون الحياة رحيمة بهم ، وحتى لو ماتوا فانهم …
تلك التي نطقت بهذه الكلمات هي زوجتي , المرأة التي عشت وأياها عشر سنوات .بالامس فقط لم تكن تعرف شيئا سوى أطفالها , وتخشى بكل كيانها وجوانحها أن يصيبهم أي مكروه ..بالامس فقط كانت تتصيد البوادر الرهيبة للمستقبل . ما الذي حدث لها ؟ بالامس ! ولكنني , انا أيضا نسيت ما كان بالامس.
– اتريدين الذهاب معي؟
– لاتغضب- كانت تظن أنكلامها سيسوؤني – لا تغضب , اليوم حين شرعوا بالطرق هناك , كنت ما تزال نائماً , فأدركت فجأة ان الزوج والاطفال والاشياء الاخرى بأسرها زائلة …أنا احبك جدا – وجرت يدي في الظلام وشدت عليها بتلك الطريقة الجديدة المبهمة بالنسبة لي – ولكن الا تسمع , أنهم يطرقون..يطرقون كأن ثمة جدرانا تتهاوى , يالها من رحابة ، يالها من حرية.! الوقت الآن ليل ولكن يخيل اليّ ان الشمس ساطعة . كم بلغت من العمر ؟ ثلاثين عاما، أي أنني عجوز , ولكنني احس أنني مازلت فتاة في السابعة عشرة, تعرف الحب لأول مرة, وتحب رجلا ما حبا هائلا لا حدود له . :
قلت – يالها من ليلة .كأن المدينة أختفت . حقا لقد نسيت كم أبلغ من العمر.
– انهم ما يزالون هناك يواصلون الطرق ,وهذا شيء كالموسيقى ، كاللحن الذي حلمت به طوال عمري .لم أكن أدري من هو هذا الشخص الذي أحبه ، هذا الحب اللامتناهي الذي يود الانسان معه أن يبكي ويضحك ويغني – حب رحب وهائل , لاتحرمني من السعادة . دعني أموت مع الذين يعملون هناك، ويدعون ببسالة الى المستقبل ، ويبعثون الحياة في الجثث الهامدة.
– ليس ثمة وقت
– أتظن ذلك
أجل ، ولكن من أنت ، لم أعرفك من قبل قط . أأنت إنسان ؟
ضحكت ضحكة رنانة وكأنها في السابعة عشرة .
– وأنا أيضاً لم أكن أعرف هذا . ولكن قل لي أانت إنسان ؟
الأنسان ، يا له من كائن غريب وجميل . هذا الذي أرويه الآن حدث منذ زمن بعيد . ولن صدقني ، أولئك الذين يلوكون حياتهم الباهتة ويموتون دون أن يستيقظوا ! في ذلك الوقت لم يكن ثمة وقت . كانت الشمس تشرق وتغيب ، وعقرب الساعة يدور ولكن لم يكن ثمة وقت .وحدثت أشياء عظيمة ورائعة كثيرة آنذاك .لن يصدقني اولئك الذين ينلمون الآن حياتهم الباهتة نوماً ثقيلاً ، ويموتون دون أن يستيقظوا .
– ينبغي أن أذهب.
مهلاً .. سأطعمك . فأنت لم تتناول العشاء بعد … ها أنت ترى كم أنا حصيفة ! غداً سأرتب مكاناً أميناً للأطفال وسأجدك.
– صحت : يا رفيق
.– نعم يا رفيق
–   من  خلال النافذة هبّ هواء الحقول ، وأحياناً كانت تسمع ضربات الفأس المرحة . كنت جالساً الى طاولتي ، أتطلع عبر النافذة وأرهف السمع . كان كل شيء جديداً ، غامضاً يثير البهجة في قلب الأنسان . تطلعت الى الجدران فبدت لي شفافة ، وكأنني أحتوي الأزل بنظرة واحدة . رأيت الجدران تتداعى .انا الوحيد الذي كنت وسوف ابقى الى الابد . كل شيء سيزول ,ما عداي. وبدت لي الاشياء من حولي غريبة ومضحكة , ليس لها وجود حقيقي : الطاولة والطعام وكل الاشياء خارج ذاتي .سألتني زوجتي : لم لا تأكل ؟  .
–           .- الخبز ! يا للغرابة
تطلعت الى الخبز الصلب الجاف ،  ولسبب ما أصبح وجهها حزينا . كانت ما تزال تتطلع الى الخبز ، ثم عدلت مريلتها والتفتت قليلا الى ذلك الجانب حيث ينام الاطفال . سألتها : .
– أتشعرين بالشفقة نحوهم؟ . هزت رأسها دون أن تحوّل نظرها عن الخبز .
– – كلا ,ولكني فكرت في الحياة فيما مضى, لكم هي غامضة , وهذا هو كل مافي الامر – دهشت كشخص أستيقظ من نوم طويل وأجالت عينيها في الغرفة- كل شيء غامض . وكنا نعيش هنا. .
– كنت زوجتي
– وهناك أطفالنا
– – هنا وراء الجدار توفى والدك
– أجل ، مات ، مات ، مات دون أن يستيقظ
بكت أصغر البنات سناً ،  ارتعبت من شيء ما . لكم بدا هذا الصراخ البرئ الساذج غريبا , هذا الصراخ الذي كان يطلب بأصرار ما يخصه وسط هذه الجدران الشفافة في وقت كانوا فيه هناك في الاسفل يقيمون المتاريس . قالت هامسة : .
– اذهب .
– أود لو قبلتهم
– أخشى أن توقظهم !
– كلا سأكون حذرا.
وتبين أن أكبرهم لم يكن نائما . سمع كل شيء وأدرك كل شيء . كان في التاسعة من العمر ، بيد أنه أدرك كل شيء . رمقني بنظرة عميقة صارمة . سألني بلهجة جادة رمقتني بنظرة عميقة صارمة . وسأتني بلهجة جادة وهو يفكر :
– هل ستأخذ سلاحك ؟
– أجل سأفعل
– – انه تحت المدفأة
كيف عرفت ؟ قبلني .هل ستذكرني؟
قفز من فراشه وهو في ردائه الليلي القصير , ساخناً كله من أثر النوم . وطوق عنقي بيدين دافئتين وناعمتين ورقيقتين . رفعت خصلات شعره ، وقبلته من عنقه الدقيق المتقد. قال : هل سيقتلونك ؟  . .
– كلا سأعود
ولكن لم يكن يبكي؟ كان يبكي أحيانا حين أخرج من البيت في الاحوال الاعتيادية . هل مسه أيضا ذلك الشيء ؟ من يدري ؟ يالضخامة ما حدث في تلك الايام من أحداث عظيمة .نظرت الى الجدران والخبز والشمعة التي كانت شعلتها ترتعش . وأمسكت بيد زوجتي . الى اللقاء. .
– هذا هو كل ما في الامر
ثم غادرت البيت .كان الظلام يخيم على السلم وتفوح منه رائحة عفنة . حاصرتني الأحجار والعتمة من كل الجهات .تلمست طريقي وشعرت بذلك الجديد اللامرئي البهيج الذي أمضي اليه في سرور عارم لا حد له

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة