التّجربة الأولى: بقلم : محمد علي طه – فلسطين المحتلة

فن وثقافة ….
يمرّ المرء في حياته بتجارب عديدة ومتنوّعة فيها الحبّ والكراهيّة،  وفيها الشّجاعة والجبن، وفيها الخوف والثّقة الزّائدة بالنّفس، وفيها النّجاح والفشل وغير ذلك، إلا أنّ التّجربة الأولى التّي تترك في النّفس مذاقًا حلوًا أو مرًّا أو مزًّا وقد تترك ندبة في الرّوح لا يستطيع أن ينساها. والتّجربة الأولى قد تكون الحبّ الأوّل(هل تذكرونه؟) أو الامتحان الأوّل أو السّفر الأوّل أو القصيدة الأولى أو المرأة الأولى(هل تذكر رائحة عطرها؟) أو اللّقاء الأوّل مع الموت أو غير ذلك ممّا عاشه وذاقه وعرفه وشاهده. وأحمد الله تعالى الذي وهبني حياة عريضة غنيّة في حلاوتها ومرارتها،   عشتها حتّى اليوم في ثلاث بلدات وخمسة بيوت،   ونهلت العلم والمعرفة في ستّ مدارس ومعاهد ودرّستُ طالباتٍ وطلابًا طيلة نيّف وثلاثة عقود، أعتزّ وأفخر بهم. وتزوّجت وأنجبت مثل الآخرين. وكتبتُ ومحوتُ والّفتُ وحاضرتُ وخطبتُ وناضلتُ. حياة عرفت فيها اللّجوء والتّشرّد والاستقرار،   وطعمت فيها الجوعَ والشّبع، وذقت القمع والحريّة ، وعانيتُ من الاضطهاد والملاحقة والتّمييز، وصمدتُ وتمرّدتُ ورفضتُ، وحافظتُ على كرامتي في سنوات الضّيق وفي أياّم الرّخاء.
لا أنسى أبدا اللّقاء الأوّل بالقارئات والقرّاء، أعني الحوار الأوّل أو المحاضرة الأولى للأديب الشّابّ الذي يحلم أن يكون كاتبا معروفا مثل الرّوائيّ المسرحيّ توفيق الحكيم أو القاصّ محمود تيمور أو الكاتب يحيى حقّي أو الأديب ميخائيل نعيمة أو أيّ كاتب أو أديب من هؤلاء الذين قرأ نتاجهم وأعجب به وشمّ رائحة الحبر والورق في مؤلّفاتهم.
كان ذلك في العام 1964 عندما صدرت مجموعتي القصصيّة الأولى “لكي تشرق الشّمس” عن مطبعة الحكيم في مدينة النّاصرة وهي من أوائل المجموعات القصصيّة التي صدرت في بلادنا بعد النّكبة،   وكنتُ النّاشر والموزّع معًا ، ودعيت لندوة حولها في “بيت الكرمة” في مدينة حيفا.
دخلت إلى القاعة في ذلك المساء الرّبيعيّ الذي لن أنساهُ وجلست متوتّرًا مع بعض الأصدقاء في الصّفّ الأوّل إلى أن دعاني مدير الأمسيّة إلى الصّعود إلى المنّصّة فلمّا جلست على مقعدي شاهدتُ النّساء والرّجال،  سيّدات وآنسات أنيقات يرتدين الملابس الجميلة وذوات تسريحات عصريّة، ورجالا يرتدون البذلات وربطات العنق. وقف الأديب الشّابّ القادم من قرية عزلاء لا تعرف بيوتها الكهرباء، ولا علاقة لرجالها بربطات العنق والبذلات الايطاليّة والأفترشيف، ولا تعرف نساؤها السّفور والعطور الفرنسيّة، وقف يتحدّث عن مجموعته القصصيّة وقصصها ومواضيعها وأسلوبها وماذا قرأ من كتب وبمن تأثّر من الكتّاب فارتعدت ساقاه وسرى الخوف في جسده وفكّر للحظة أن يعتذر وينزل عن المنصّة ويغادر القاعة.
لماذا وافقتَ يا فتى على النّدوة ولماذا وضعتَ نفسك في هذه التّجربة؟!
وكابرتُ وصبرتُ وأصررتُ على أن أكون على قدر المسؤوليّة.
وصمدتُّ.
ساندتني يومئذ الطّاولة الخشبيّة العريضة التي سترت ساقيّ،  ولجأت إليها راحتاي. ومرّت الأمسيّة على خير. وما زلت أذكرها بين حين وآخر حينما أحاضر في مدرسة أو جامعة أو مؤتمر في البلاد وفي الخارج أو حينما أخطب صائلا جائلا في اجتماع جماهيريّ.
وأبتسم ابتسامة عريضة!

 

 

 

 

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة