ثمن الإحتلال

سياسة واخبار (::)
قلم : د . ناجي شراب – فلسطين المحتلة (::)
لم يعد الفلسطينيون يملكون خيارات كثيرة ليتحركوا فى إطارها، فقانون الإحتلال الذى حكم كل حركات التحرر الوطنى فى العالم، هو رفع ثمن الإحتلال، وجعل المحتل يدرك ان الإحتلال ثمنه اكبر بكثير من الإستمرار فى الإحتلال. هذه قاعدة أساسية لم يطبقها الفلسطينيون بشكل مستمر، ولعل هذا قد يكون اخطر النتائج التى ترتبت على إتفاقات أوسلو، انها منحت إسرائيل حالة من الإسترخاء السياسى ، وقللت من كلفة الإحتلال، ووفرت لها إطارا عاما لتثبيت سياسات الإحتلان بتبنى برامج الإستيطان، والتهويد، وحسم قضية القدس بالفصل الزمانى والمكانى ،او بعبارة أخرى تفريغها من مضمونها السيادى والحضارى. الخطأ الذى وقع فيه الفلسطينيون وعاد عليهم بنتائج عكسية أنهم إعتمدوا على خيار التفاوض لفترة طويلة ، ولم يتخلل هذه الفترة خيارات تجعل إسرائيل إحتلالها له ثمن لا تستطيع ان تتحمله. وبدلا من ان تتحمل إسرائيل تكلفة الإحتلال، تحمل ثمنه الفلسطينيون فى جوانب كثيرة من أهمها الإنقسام السياسى ، والتصارع فى الخيارات ما بين خيار التفاوض الذى بات يدور فى حلقة مفرغة ،لأنه لا يستند على القوة المطلوبة لإنجاح المفاوضات، والمقاومة التى اجهضت بفعل الإنقسام ، وتفرد إسرائيل فى التعامل معها. وهذا الذى يفسر لنا لماذا تتعامل إسرائيل بقوة مع أى إنتفاضة فلسطينية ، والهدف هنا واضح، الحيلولة دون تحول اى إنتفاضة فلسطينية إلى عملية نضال طويلة تفرض عليها ثمنا لا تتحمله من ومكوناتها الإقتصادية والإجتماعية ، ومن ناحية أخرى ممارسة سياسة الربط بين إنتفاضة الشعب الفلسطينى وحالة العنف والإرهاب التى تسود المنطقة ، وتستفيد هنا كثيرا من ألأخطاء التى تقع فيها الإنتفاضة ، ومن الخطاب الإعلامى الذى يصاحبها، وهذا كما يظهر الآن فى التعامل مع إنتفاضة الشباب الحالية ، والتى تخشى إسرائيل من إستمراراها ، وإمتدادها إلى داخل إسرئيل، وخارجها ، ولذلك سارعت لإستخدام أقصى درجات القوة ، والقوانين الصارمة ، والهدف واضح الإحتواء السريع لها ، وقد يساعدها هنا البيئة العربية والإقليمية التى تعمل ضد تطور الإنتفاضة ، والأخطر فى هذه السياسات لصق صفة الإرهاب والعنف على مسيرة نضال شعب باكمله، وهى إلى حد ما قد نجحت أن تجد آذانا صاغية لها، وكما أشرنا تستفيد كثيرا من الواقع على ألأرض ومن خطاب الإنتفاضة والخطاب الدينى العام، الذى يذهب بعيدا فى مفردات الإنتقام والقتل والكراهية ، وهذا يحتاج منا إلى مراجعة نقدية ،لأن الهدف من ألإنتفاضة جعل إسرائيل تشعر ان إحتلالها له ثمن لا تستطيع أن تدفع ثمنه، وان يشعر المواطن فى إسرائيل ان الإحتلال له ثمن ايضا يتحمله نتيجة سياسات حكومته التى تريد ان تذهب بالحرب إلى أبعد مدى. والخطأ الكبير الذى تكرره إسرائيل  الثقة المفرطة فى القوة التى تمتلكها، وقد ثبت عكس ذلك فى قانون حركات التحرر، فكلما زاد الإستخدام المفرط للقوى كلما زادت قوة حركات التحرر ، وإستعدادها لمزيد من التضحية ، والخطا الثانى الإعتماد على التحالفات الدولية ، وهذا ايضا لم يعد مضمونا فى ظل تحولات القوة ، والتحول فى مفاهيم المصلحة المشتركة التى تحكم  علاقات الدول، وهذه أمور تعمل لصلح ألإنتفاضة فى المدى الطويل لو توفرت الرؤية وألأهداف وألآليات الواضحة .ويحتاج الفلسطينيون إلى مراجعة خياراتهم ,وسياساتهم ليس بهدف إدارة علاقاتهم بإسرائيل، ولكن من منظور إنهاء الإحتلال، وهذا اساس العلاقة او منطلق العلاقة الجديدة ، إسرائيل دولة إحتلال، والفلسطينيون شعب تحت الإحتلال،إذن العلاقة علاقة إحتلال، وهذا يعنى انه لا امل فى عملية السلام، وان الفلسطينيين لم يعودوا يثقوا فى خيار التفاوض بعد أن أستنفذ كل اهدافه، ولم يقود لقيام الدولة الفلسطينية ، وإنهاء الإحتلال. ومن ثم لا بد من البحث عن خيارات اخرى أساسها إنهاء الإحتلال. وهذا يتطلب إعادة تعريف القضية الفلسطينية على انها قضية إحتلال، والشعب الفلسطينى شعب مقاوم من حقه ان يقاوم بكل الوسائل المشروعة إنسانيا، والتى يعترف بها العالم. وفى هذا السياق لا يبدو فى ألأفق خيارا آخر إلا خيار وضع إسرائيل أمام مسؤولياتها كسلطة إحتلال، وذلك بسبب عدم فعالية الخيارات ألأخرى وخصوصا خيار التفاوض، ومن ناحية أخرى أن الإحتلال سيفرض على الفلسطينيين خيار المقاومة المشروعة والمدنية والشعبية تحديدا، وثانيا بسبب كلفة ألإحتلال إسرائيليا، وإرتفاع ثمنهـا وهو الثمن الذى لن تقدر على دفعه إسرائيل لا إقتصاديا ولا سكانيا، ولا مجتمعيا، ففى النهاية أيا كان الثمن والتضحية التى يدفعها الفلسطينيون سيكون الثمن الذى ستدفعه إسرائيل اكبر. ومما قد يدعم هذا التوجه التركيبة السكانية الإسرائيلية ، وما تعانية من مشاكل كثيرة ، وطبيعة المشاكل الخاصة بالأمن والبقاء، إلى جانب المشاكل الإقتصادية والسياحية ، بإختصار شديد لا يمكن لإسرائيل كدولة لها خصوصية غير مسبوقة ان تتعايش مع الإنتفاضة لفترة طويلة ، لأن من شأنها ان تفرض على إسرائيل ثمنا سيجبرها فى النهاية على إنهاء إحتلالها.ولا يتوقف ثمن الإحتلال على الجانب الداخلى بل لا بد من توسيع هذا المفهوم إلى الدول العربية ،والتى عليها ايضا ان تساهم فى رفع ثمن الإحتلال من خلال مراجعة سياساتها ومبادراتها وبممارسة الضغط على إسرائيل، وإن كان هذا غير متاح ألآن فى ألأفق لكن إستمرار الإنتفاضة بأساليبها المدنية والشعبية قد تفرض هذا الثمن. والمستوى الثالث لرفع كلفة ألإحتلال المستوى الدولى نفسه، وهنا يبرز اكثر من خيار ، خيار تفعيل قرارات الشرعية الدولية وتفعيل دور المنظمات الدولية وعزلة إسرائيل دوليا ، وهذا من شانه ان يغير من المعادلة الدولية ، ومن جانب آخر تفعيل دور البرلمانات الأوروبية بزيادة ألإعتراف بفلسطين ، وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدنى الدولى ، ولكن هذا كله يتطلب إفشال سياسات إسرائيل فى لصق صفة ألإرهاب على حركة الإنتفاضة الفلسطينية ، وهو ما يستوجب مراعاة آساليب ألإنتفاضة وآلياتها والتركيز على الآليات المدنية السلمية الديموقراطية ، وألإستفادة من سياسات القوة المفرطة التى تعتمد عليها إسرائيل ، وإبراز الجانب اللاإنسانى فى سياسة إسرائيل، وإبتعادها عن المعايير الديموقراطية التى تتنادى بها ، والنتيجة الحتمية هى تغير صورة العالم لإسرائيل، ومن ثم ممارسة سياسات النقد والعزلة والضغط عليها ،لإنهاء إحتلالها. والمستوى الرابع لكلفة الإحتلال العلاقة مع الولايات المتحدة التى عليها ان تدرك ان الإستمرار فى سياسات دعم إسرائيل والتغطية عليها فى مجلس الأمن ، سيلحق الضرر بمصالحها الإستراتيجية فى المنطقة ، وبملفاتها الإقليمية والدولية. اخلص من كل هذا ان خيار ثمن ألإحتلال ورفع كلفته خيار شاملا ، ولا يعنى إسقاط الخيارات ألأخرى ، وان هذا الخيار يحتاج إلى مراجعة نقدية لمفهوم المقاومة وآلياتها اولا ، والتوافق الوطنى على الخيارات ثانيا، وبناء نظام سياسى فلسطينى ديموقراطى توافقى ثالثا،وبناء بنية إقتصادية ومجتمعية كفاحية ، هذا فى إطار سياسة إقليمية ودولية متوازنه ومقنعة ، تقوم على أن إسرائيل دولة وسلطة إحتلال، وان من المسؤولية الدولية إنهاء الإحتلال، خيار يتلخص فى عبارة واحدة ان إستمرار الإحتلال الإسرائيلى لن تدفع ثمنه إسرائيل فقط، بل مصالح الدول على المستوى العربى ، والدولى ،وسينعكس على امن وإستقرار العالم وان  حل الملفات الإقليمية والدولية لن يكون إلا بإنهاء الإحتلال. ويبقى السؤال هل يملك الفلسطينيون هذه الرؤية وهذه الإستراتيجية ؟
دكتور ناجى صادق شراب
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة