الحملة الروسية على ” الدولة الإسلامية ” : أمل للجميع؟

دراسات (:)
د. الطيب بيتي العلوي – باريس (:)
لا بد للشعوب من الإختيار الصعب لتحقيق إنسانيتها ،ولا يمكن للدول النامية المهمشة والمستضعفة أن تعيش كريمة،إلا بكشف حكامها الفاسدين ، ووضع حد لتحقيرالغربيين المستعمرين،وفضح النخب الثقافية والسياسية المحلية التابعة لكليهما،ولا يمكنها ذلك ،إلا إذا شدت هذه الشعوب نفسها إلى العلاء بأشرطة أحذيتها…،ومن السهل أن يلج الجمل في ثقب إبرة من أن تنتصح الشعوب المتطلعة للعلا بنصائح مستعمريها السابقين…، هذامستحيل …”المناضل الإفريقي الراحل:الرئيس الغيني الأسبق”الدكتورفرانسيس كوامي نكروما”من كتابه “نحو التحررمن الإستعماروالتبعية”
المقدمة”  ”
تتلاحق الأحداث الخطيرة على الجغرافية العربية منذ”مابعد الربيع العربي”،فتتهاطل بشكل متسارع يشد بعضها بتلابيب بعض،ويستحيل ملاحقتها،أومحاصرتها موضوعيا،ويصعب الفصل في ما بينها بسبب تشابكها وتداخلها،وبالتحديد في:”سوريا ،والعراق،والأراضي المحتلة بفلسطين ،
وتزايدت الأمورتعقيدا-عقب الظهورالروسي الفجائي على المسرح الدولي المصطخب- بسبب تفاقم المعضلة السورية التي لا يريد لها الغرب وحلفاؤه العرب أن تجد الأزمة بصيص أمل،سوى في إسقاط النظام السوري الحالي أوالطوفان
وأفرزت الحملة الروسية”العملاتية”على ما يسمى ب”الدولة الإسلامية”نتائج ميدانية مفاجئة مبهرة،خلطت الأوراق (الجيو-سياسية) الغربية ،أعقبها إتخاذ المواقف المرتجلة والمشوشة –، وتكاثرت التصريحات المتناقضة والمضحكة أحيانا ،ما بين التصريح والتصريح المضاد قبل غروب الشمس،وأربكت الآراء العربية التي عيل صبرها من إستمرار النظام السوري،وعدم  القدرة على التخلص من بشار-بالرغم من رصد ملايين الدولارات لذلك-،ولو بالإغتيال على طريقة القدافي –وذلك هو الكابوس المرعب ” للعرب المعتدلين”
،وإستمطرت هذه الحملة الروسية غزيرالتساؤلات الدولية والمحلية والإقليمية،ما بين مدافع عنها ورافض لها،مما يعيق إستصدارأحكام مسبقة عليها،أوتقييمها تقييما موضوعيا،بسبب تضارب المعطيات الميدانية على الأرض،وتزئبق المعلومات الصادرة عن كل الأطراف المتصارعة مباشرة،أوالمتنافسةعن بعد بالوكالة أوبالسمسرة.
حيثيات التدخل الروسي لمقارعة ” الدولة الإسلامية” :
تخبرنا بعض المصادرالغربية الجادة–على نذرتها-الخارجة عن السياج المحكم للإعلام الغربي المسيرسياسيا،وغيرالمأجورة لأبناك روتشيلد،فتخبرناالجريدة الفرنسية”لوكانارأونشيني Le Canard enchaîné–على سبيل المثال-في عددها الصادرفي 6من أكتوبرالماضي-عن المسوغات الموضوعية للحملة الروسية على ما يسمى ب”الدولةالإسلامية”–نوردهنا ترجمة حرفية للفقرات المقتطفة من النص الأصلي الواردة في صدرالصحيفة:
-“الطيارون الأمريكيون وطيارودول ما يسمى ب”التحالف الدولي”المكلفة بإنجازالعمليات العسكرية في سوريا والعراق ضد”الدولة الإسلامية”قد تلقوا الأوامرمن”واشنطن”بعدم ضرب أهداف ورثة”أسامة بن لادن”وهم”جبهة النصرة–”القاعدة”في سوريا.
-تركيا(العضو في الأطلسي) والسعودية وقطر(الزبونتان والحليفتان الأبديتان لواشنطن وباريس ولندن) تكلفت جميعها بتسليح وتمويل ما يسمى ب”الجيش الحر”التابع لقيادة جبهة النصرة في سوريا وتيسيرمهماته .
-وتابعت الصحيفة الفرنسية في سردها لبعض الحقائق الميدانية الأولية الجاريةعلى الأرض بأن:”جيش بشار”تمكن من الحيلولة دون رفرفة أعلام الدواعش السوداء،على أسواردمشق”بالمساعدة العسكرية الروسية وإيران وحزب الله .
– وتضيف الجريدة بأن حصاد العمليات العسكرية لمايسمى ب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدةضد الإرهاب،لم تظهرنتائجهاعلى الأ رض منذ إنطلاقاتها في الأجواء السورية والعراقية بنحوأكثرمن عام،ولم تتمكن من تقليص أعداد مرتزقة الإرهابيين الذين يبلغ تعدادهم حوالي 30.000 مقاتل في سوريا،حسب مصادرالمخابرات الأمريكية(ويزدادون كل يوم عدة وعددا حسب مصادر أخرى غربية موثقة- إضافة من كاتب المقال)،
ويتم تموين هذه الفصائل الإرهابية-غربيا-بدون إنقطاع عبرتركيا والأردن بالعتاد الحربي(وأحدث الطويوطات تقليعة وجودة ومتانة الذي يجود بها الكفار-إضافة-) والمال(المحرم شرعا من الأموال المنهوبة من الموصل في العراق و”وزكاة وصدقات أموال أبناك روتشيلد اليهودية-) والرجال(من الشواذ عقيدة وعقلا،وتوفيرمالذ من شبقات الطريات الأوروبيات،من العاهرات والمتأسلمات،إشباعا للفانتزمات الشبقية”الإستشراقية”لهؤلاء،وإستجلاب”المجاهدات”المتغنجات العربيات المغفلات،اللاتي تقاطرن على سوريا من بلدان عربية،وخاصة من ليبيا وتونس والمغرب،متحفزات لممارسة الرفث والقصف والخنا”الشرعي”-في سبيل الله-،شرعنته فتاوى”جهاد النكاح”الفقهية الوهابية-،وما طاب من أنواع المخدرات وأشدها فتكا بفصوص الدماغ،تيسيرا لتخيل حورالعين،والخلود في الجنة-حسب فتاوى شيوخ الديارالنجدية وأتباعهم في البلدان العربية،تحفيزا لقبول العمليات الإنتحارية “بذهنية جهادية” والإستبسال في  المعارك الضارية –في سوريا والعراق- بروح قتالية، من أجل محاربة “المشركين “الراوافض والعلويين والدروز والنصاري من العرب  -إضافة من الكاتب-)
هاجم الرئيس الروسي فلاديميربوتين-في 28 من سيبتمبرالأخير- في خطابه الرسمي،علنا،الولايات المتحدة،وحلفائها من أوروبا الغربية والعرب،وحمّلهم مسؤوليتهم الكاملة والمطلقة،في ما تسببوا فيه من فوضى وخراب في كل من ليبيا وسوريا والعراق،عبرإستخدام الفصائل الإرهابية الإسلامية…،
ويضيف الصحفي الفرنسي:(ونعني بما يسمى ب”الدولة الإسلامية”:ذلك”الكيان المخيالي  الإفتراضي”،الذي يحارب من أجل حمايته عشرات الآلاف من”المجاهدين-السلفيين-التكفيريين”- ـأوتي بهم من كل البلدان والآفاق-من بينهم جنود وقادة كبارعراقيين،تم تسريحهم وتهميشهم بعد الإحتلال الأمريكي عام 2003–(أوبسبب خيانة بعضهم،أوفقدان البعض الآخرللحوافزالوطنية،أوالحقد الأعمى الطائفي،أوالغباء السياسي أوالجشع المالي،أوالعاطفانية الهوجاء المؤدلجة،أوالخلط ما بين الآني والآتي،أولعله بسبب كل هذه العوامل،وتلك منقبة يشترك فيها معظم العرب الجدد-إضافة من كاتب المقال)
-الكثيرمن المجندين الإرهابيين،يأتون من ليبيا التي خربها ما يسمى ب”الحملة العسكرية الإنسانية”بخرق الحلف الأطلسي،ورؤساء الدول المنضوية تحت لوائه،لقرارالأمم المتحدة ،الصادربإجماع دولي عام 1973،حيث أن هذا الخرق المفضوح للقرارالدولي،يعتبرجريمة إنسانية  في حق دولة سيادية وعضو في الأمم المتحدة وهيئاتها،(وهوما يتكررفي سوريا اليوم أمام التجاهل المفضوح، والصمت المكشوف للمجتمع الدولي ومنظماته الإنسانية والحقوقية- إضافة من كاتب المقال)
– يلتحق هؤلاء “المعارضون  السوريون المعتدلون”كلهم لا حقا ب”الدولة الإسلامية”،فتذهب سدى فترات التدريبات والتمويلات الأمريكية التي تم إنفاق الآلاف من الدولارات على هؤلاء
ويختتم مديرتحريرالجريدة، هذا التحليل الصحفي السياسي بمخاطبته لبعض المستغفلين من السياسيين والمتحزبين في فرنسا أومن الفرنسيين المتأسلمين”الجهاديين”الملتحقين بهؤلاء”الثورانيين الجهاديين “بهذه الإختتامية”:
أود أن أقول الآتي: لهؤلاء الذين زجوا بأنفسهم في هذا الوحل الذي لامخرج له-من حكومتنا وباقي الحكومات الغربية التابعة للقرار الأمريكي والإسرائيلي- وشعوبها المستغفلة -:
“أيها السادة والسيدات العقلاء الأفاضل،إن الذين تساندونهم ماديا وعمليا أوتشاركونهم،وجدانيا ومبدئيا في توجهاتهم الإيديولوجية أوالسياسية أوالأخلاقية،أو تصمتون عنهم إستخفافا أو لللا مبالاة،هم طينة متوحشة من البشر،(يقصد مديرالصحيفة،متخذي القرارات السياسية في الغرب،وما يسمى ب”الجيش الوطني الحر”والدولة الإسلامية”)إذ تجمعهم أهداف موحدة،ولكنهم ليسو بأغبياء،وربما يكونون أكثر ذكاء منكم.
والسؤال الوجيه –إذن- المخاطب لعقولكم:من يستغل من؟ ومن يحرك من؟
غير أن الإجابة –يضيف مدير الصحيفة-قد نجدها طي الحدث الذي عاينا فيه كيف تنتقل الأسلحة التي جهزبها السياسيون الغربيون-وكيف تنتق وخاصة الأمريكيون-  بكل بسرعة وبكل سهولة من أيادي “المعارضة السورية المعتدلة”، إلى أيادي” الدولة الإسلامية”،فكأن هؤلاء ” المعارضين المعتدلين”، تحولوا إلى”موظفي بريد””أيادي أمينة”تقتصرمهمتهم فقط، على نقل الأسلحة الجديدة النوعية،و”تبليغ”جديد المعلومات التاكتية والفنية والمخابراتية التي تقتضيها تطورات الأحداث،وتعقد”الصراع” وغياب الحلول وفقدان الأمل  لدي ” المعارضة الخارجية ” –إضافة من الكاتب-)…،وهذا  مثال صارخ –يقول مدير الصحيفة-يدل على قذارة هذه اللعبة السياسية الدنيئةالتي يمارسها ساساتنا الغربيين بإستغفالنا، وإستغلال أموال الضرائب ندفعها لهلاء اللصوص،و”نُفقًر”من أجل رغد عيش ” النخبة” الصهيونية، ومصاصي دماء البشرية من الأوليغارشية العالمية
وأضيف إلى ترجمة هذا التحليل الصحفي السريع “”:  أن المضحك خاصة ، في هذه  الفذلكة الملغوزة ما بين ” المعارضة السورية الخارجية” والأنظمة الغربية ، هو ما تجسده  على الأرض عبر مشهدين عبثيين مضحكين ”
الأول” هو ، مهزلة إطلالة  رئيس الولايات المتحدة في كل مرة منذ ” الحملة الروسية على الدواعش على  مغفلي العالم من منبره بالكابيتول مصرحا بأن”المعارضة المعتدلة”السورية، ليست سوى” فانتازيا سياسية”وأنه لم يعد يؤمن بها،ثم تعقد الجلسات السياسية  المغلقة ،تشترك فيها كل القوى السياسية الأمريكية  الفاعلة في إتخاذ  القرارات ، بغية  التوصل إلى إتخاذ قرار”حكيم”  حول جدوى إستمرار التعامل مع كل فئات المعارضات  السورية  التي أصبحت مثل  مجموعات ” الكومبارس” من الدرجة الرابعة  المتنقلين في العواصم الغربية  يعرضون خدماتهم ” الجلى والقيمة والناجعة” للإطاحة بالنظام السوري” مستهدين   بوصايا عراب الثورات العربية ” ليفي”، ثم يعلن من جديد عن “ضرورة “مساعدتها بعد تبديل بيدق معارض ما ،فيعادمراجعة الخطة من جديد، وإعاة طرح تساؤلات حول من هم”هؤلاء ؟ وهكذا  ، ( ويعني ذلك في مصطلح العلوم السياسية  والسوسيولوجيا،أنه لا وجود لهذه المعارضة ،فلماذا الحديث عنها  وإشغال العالم بها  وترهيب شعوب المنطقة بها في كل نشرة خبر في الإعلام الدولي والعربي؟
في حين يعترف ” طوني بلير”- الملقب في الأوساط الثقافية المثقفة  الفرنسية المعارضة لسياسات بلدانها في الشرق الأوسط- ب ” توتو” البيت  الأبيض  le toutou americain) بمعنى “كُليب الزينة الأمريكي”- بأن قرار المشاركة في الهجمة الثانية على العراق،كانت بسبب أخطاء مخابراتية وإستعلاماتية-منتهى التحقير للعقول– وكأن العالم اليوم ،يشاهد مسرحية هزلية سمجة لكل من”شو”و”كافكا”و” بيكيت”  ، تثير فينا ذلك الضحك الثقيل المرير: أبطالها أحفاد نابولوين،فولتير،روسو ،ديدرو،ديكارت ،مونتيسكيو وكليمنصو، والملكة فيكتوريا وشكسبير ودافيد هيوم وسبنسرو”سايكس بيكو”و” بلفور”وتشرشل،-وكل يساريهم ويمينييهم ومحافظيهم ومتطرفيهم ، حيث يلعبون على خشبة المسرح الهزلي نفس اللعبة مع تغيير الخشبات والالبسة والممثلين   والحواروالديكور- وإضافة من كاتب المقال؟  وهذا جانب تفصيلي يحتاج إلى مبحث  خصوصي)
——————-
هوامش”
(1) ” مشروع  الهيمنة الأمريكية ” –وهو تاريخيا -مشروع كل الحضارات السابقة بدون إستثناء،يبدأبدعم قوة الفكر وتطعيم الإيديولوجيا ب”منهجولوجيا” التنظير، قبل قوة المال  وإعداد  العسكر ) وتعود أصول مشروع الهيمنة  الأمريكية على العالم  إلى الأصول ( المذهبية-العقدية)  للأنظومة السياسية الخارجية  للولايات المتحدة، التي حددها الدستور الأمريكي في عام 1767بأنها: “أرض الميعاد” و”إسرائيل الجديدة” و”الارض الصليبية” المهاجمة ، وشعبها :”شعب الله المختار”،قادة البشرية ومحررو الشعوب ….،وهوالأصل الدستوري”الذي أفرزهوس قواعد وأصول نظرية المصيرالواضح”أو”المستقبل المبين”(التوراتية المصدروالمضمون ،والسياسية المنهج والسلوك السياسي الخارجي) كخارطة طريق أبدية للولايات المتحدة ،التى طورها كل من”بين”و”جيفرسون”: تلك النظرية التي أفرد لها والفيلسوف والمؤرخ الأمريكي”جون فيسك “1842 – 1901″-– وهومن أحد أهم مؤسسي أصول لفلسفة البراغماتية الأمريكية – وضحها في : كتاب إسمه”المصير المبين”- كنظرية مخولة للتوسع في الآفاق التي تحدد موقع الولايات المتحدة  على خريطة العالم ،على أنها “بلاد الرب” التى يحدها القطب الشمالى شمالا، والقطب المتجمد جنوبا، وشروق الشمس شرقا،وغروبها غربا.” و تقدم الاعتداليين جنوبا (أي غرب أوروبا) والعماء البدائى شرقا ( آسيا وافريقيا) ويوم الدين غربا (أي قارة أمريكا الشمالية ) والتي أسس على هديها-الرئيس الأمريكي الخامس من الحزب الجمهوري وآخر آباء الأمة الأمريكية  الأصوليين  البيوريتانيين :”جيمس مونرو”James Monroe (1758-1831، إيديولوجية الدولة و”إنجيلها الجديد” في السياسة الخارجية، في ما يسمى ب”مبدأمونرو”–الذي أصبح تقليدا مقدسا وبمثابة الدستور الثاني للولايات المتحدة في ترشيد السياسات الخارجية القاضية بإستعمال القوة ضد الدول المارقة،والمسوغ للحروب الخارجية لحماية المصالح الأمريكية أينما كانت ولو ضد الأم الرؤوم- أوروبا العجوز-ووصلت هذه النظرية الى حد الهوس مع الرئيس الأمريكي السابع”جاكسون” أكثر الرؤساء إثارة للجدل والتساؤلات،بسبب تناقضاته وأصوله الفقيرة–ولد في كوخ- وإنتصاراته العسكرية على البريطانيين،ودفاعه عن الفقراء وإبادته للهنود الحمروملكيته للعبيد- ثم عادت”نظرية مونورو”في الظهورمن جديد مع نهاية الحرب العالمية الأولى مع الرئيس الأمريكي الثامن والعشرين:”وودرو ويلسون”  1856 – 1924)-الحائزعلى جائزة نوبل للسلام بسبب نقاطه الأربعة- عشرالمشهورة-واللامجدية- المؤسسة لعصبة الامم الفاشلة “عام 1916

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة