زَفَافُ الرُّوحِ : لِلشَّهِيدِ: مَاجِد أَبُوشَرَار

الشعر (:::)
شِعْرُ: ابْتِسَام أَبُوشَرَار (:::)
حِينَ تَفَتَّحَتِ الشَّمْسُ، وَلَفَّتْ رُبَى الْأَرْضِ بِأَسْدَالِهَا الشَّفِيفَةِ الزَّاهِيَةْ،
سَارَا إِلَى الْأُفْقِ، يَنْثُرَانِ خَطْوَهُمَا الْمُسَدَّدَا
لِلرِّيحْ،
يُجَمِّعَانِ جَدَائِلَ النَّسِيمِ الشَّذِيّْ،
وَيَرْتُقَانِ أَخَادِيدَ الْجَوَى فِي الْمَدَى،
وَفِي فَضَاءَاتِ الْبُعْدِ السَّحِيقَةِ، يَذْرِفَانِ هَوْلَ النَّوَى،
وَيَلْقُطَانِ الْغَيْمَ مِنْ مَنَابِتِهِ،
وَيَرْصُفَانِه فِي دَرْبِهِمَا.

حَلَّقَا، وَالْبُعْدُ يَطْوِيهِمَا…
قَالَ لِصَاحِبِهِ، وَهْوَ يُحَاوِرُهُ:
الْأُفْقُ يَا صَاحِبِي رَأَيْتُهُ مُدْنَفًا فِي الْقَيْدِ، يَنْتَحِبُ.
وَالدَّرْبُ يَا صَاحِبِي أَهْوَجُ يَسْتَأْرِبُ.
وَالْحُوتُ يَتَّخِذُ اللَّيْلَ لَهُ مَسْرَبَا،
وَفِي الْمَنَافِي نمْضِي حِقَبَا،
فِيهَا نَحْصُدُ نَارَ الْعَذَابِ، نَمْتَطِي النَّصَبَا.

رُومَا تُعَلِّقُ رُوحِي فِي مَقَاصِلِهَا،
وَنَبْضُ جَفْنِي مِنَ الْأَوْطَانِ يَقْتَرِبُ.
وَأَرْتَقِي فِي فَضَاءِ الرُّوحِ، أَنْتَصِبُ.
وَالدَمْعُ يَغْسِلُ نَزْفِي، وَبِهِ تَغْرَقُ الْأَنْجُمُ وَالسُّحُبُ.
وَالطَّيْرُ تَحْمِلُ لِلْغَيْمِ تَرَاتِيلَ الْجُرْحِ بِأَشْوَاقِنَا،
وَالْجُرْحُ فِي الْغَيْمِ يَشْتُو رُطَبَا،
يَرْمِيهَا الْجَمْرُ وَالْحَصَبُ.
وَالْفَجْرُ فِي مَسْمَعِي يَتْلُو نَشِيدَ الْهَوَى،
وَبِي يَطِيرُ حِصَانُ الْعَائِدِينَ لِلَحْنِ أُغْنِيَاتِ الصَّدَى.
رَأَيْتُ أَحْلَامِي نَقْشًا مُفَاخِرًا الدَّمْعَ بِأَيْدِي النَّدَى.
رَأَيْتُنِي، أَضْلُعِي تَهُزُّهَا أَظْلَالُ مَوْجَةٍ صَارِدَةْ.
رَأَيْتُنِي، بِيَدِي أَعْصِرُ خَمْرَا،
وَالطُّيُورُ تَأْكُلُ فَوْقَ رَأْسِيَ الْخُبْزَا.
رُومَا سَبَتْنِي، وَأَهْدَتْ حُلُمِي لِلرَّدَى.

رُومَا تُحَمِّلُنِي انْكِسَارَ ذَاتِي كَعُودٍ سَقِمٍ مِنْ ثِقَابْ.
رُومَا تُعَلِّقُ لَحْمِي فِي مَتَاحِفِهَا قُرْبَانَ مَنْفِيِّينْ.
رُومَا رَمَتْ لِلْمُسَافِرِينَ فِي رَكْبِهَا تَقَرُّحَاتِ الْحَنِينْ.
رُومَا الْعَذَابُ الْأَلِيمْ.
وَهْيَ طَرِيقُ الْهَاوِيَةْ،
إِلَى بَلَدِ اللهِ الصَّفِيِّ الْأَمِينْ.

قَالَ لَهُ صَاحِبُهْ،
وَهْوَ يُحَاوِرُهُ:
أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ، كَيْفَ تَرُدُّ بِكَ الصَّبْوَةَ وَالْأَمَلَا؟
خِصَالُ مَجْدِكَ فِي مَآثِرِ اسْمِكَ لِلْعُرْبِ وَطَنْ.
مَاجِدٌ،
اسْمٌ مُحِلٌّ فِي دَقِيقِ وَصْفِكَ فِي تَحَدِّيَاتِ الشَّجَنْ.
وِعَاؤُكَ السَّمْحُ النَّاضِحُ مَجْدًا، يَعْلُو زُحَلَا.
مَاجِدٌ،
شِيمَتُكَ الشَّرَفُ الرَّفِيعُ يَأْبَى أَنْ يُسَاوِمَ الْجَدَلَا.
وَالرِّيحُ إِنْ أَبْرَزَتْ أَنْيَابَها خِسَّةً لَنْ تَبْلُغَ السَّتَلَا.
وَأَقْبَحُ الْإِنْسِ قَوْلًا وَفِعَالًا مَا مِنْ عَجَبٍ إِنْ خَزُّوا الرَّتِلَا.
مَاجِدٌ،
وَالحُسْنُ فِيكُمْ قَوْلٌ طَابَقَ الْعَمَلَا،
وَفِي أَوَاصِرِهِ وَحَّدْتُمِ الْوَطَنَا.

وَحِينَ حَطَّتْ أَحْلَامُهُمَا فِي رُومَا صَدَقَتْ رُؤْيَاهْ…
وَكَانَ أَنْصَارُ “نَيْرُونَ” يَعُدُّونَ خَطْوَ الْمُبْعَدِ الْوَاثِقْ.
“نَيْرُونَ” أَشْعَلَ فِي الْمِهَادِ نَارَ الْمَنُونْ.
وَضُرِّيَتْ فِي حُلْمِ الْمُغْتَرِبْ،
“نَيْرُونُ” عَبَّ كَأْسًا دِهَاقًا، وَأُصِيبَ بِنَشْوَةِ الْجُنُونْ
ظَلَّتْ نِيرَانُ رُومَا تَقْتَاتُ سَنَابِلَنَا.
وَالْحَقُّ نُورٌ لَا يُخْفِيهِ وَهْيُ الظَّنُونْ.

خَطَا الْمُرَابِطُ خُطْوَتَيْنِ، مَدَّ الْخُطَى الْحُرَّةَ لِلْجَوِّ فِي فَضَائِهِ الْأَبَدِيّْ.
أَطْلَقَ أَحْلَامَهُ حُرًّا بِلَا قَيْدٍ.
أَسْكَنَهُ حُلْمُهُ مَغْنَى النُّجُومِ، وَظَلَّ شَامِخًا فِي عُلَاهْ.

أُصِيبَ صَاحِبُهُ بِالانْكِسَارِ بِلُجَّةِ الذُّهُولْ،
وَالْهَلَاكْ.
سَمَّرَ أَنْظَارَهُ فِي زَحْمَةِ الْأَشْيَاءْ.
تَهَدَّجَتْ كَلِمَاتُهُ أَسًى حِينَ قَالْ:
أَزُفُّ رُوحَكَ يَا صَدِيقِيَ الْمُتَجِلِّي فِي مَرَاقِي الْفَضَاءْ.
أَجْهَزْتَ فِي بَلَدِ الْعَبِيدِ سَابِلَةَ الرُّوحِ إِلَى الْمُنْتَهَى.
مَالِي أَرَاكَ مُضَرَّجًا بِلَوْنِ الْمَوْتْ؟
مَالِي أَرَاكَ مُجَدَّلًا، تُظِلُّكَ فِي الْعَرَاءِ بِضْعُ نُجَيْمَاتٍ، وَلَيْلُ السَّمَاءْ؟

وَظَلَّ صَاحِبُهُ، يُخَاطِبُ اللَّيْلَ، وَالنَّجْمَ، وَضَوْءَ، الْقَمَرْ:

فِي لَيْلِهِ سَارَ سَارِبًا، يَلُفُّ الْمَسَافَاتِ الطَّوِيلَةَ تَحْتَ أَضْلُعِهْ،
طَاوِيًا مُرْتَفَعَاتِ السَّرَابْ.
صُوَيْحِبِي رَوَّى الْأَرْضَ بِدَمْعِ السَّحَابْ.
وَبِالْمُنَى أَسْكَنُوهُ الرَّمْسَ، بِالْأُمْنِيَاتِ فِيهِ حُرًّا سَكَنْ.
وَظَلَّ صَاحِبُهُ يُخَاطِبُ اللَّيْلَ، وَالْغُرْبَةَ، وَالْمَنْفَى؛ إِذْ صَدَّقَ الرُّؤْيَا:
رُومَا جِرَاحُ الْوُجُودْ.
رُومَا انْكِسَارُ الْعُهُودْ.
رُومَا اصْفِرَارُ الْأَمَلْ.
هَذَا جَفَافُ الْوَطَنْ.
هَذَا لَهِيبُ الشَّجَنْ.
هَذَا عِنَادُ الْمِحَنْ.
رُومَا الْمَصِيرُ الْقَصِيرْ.
هَذَا سَرَابُ النَّجَاةْ.
هَذا احْتِضَارُ الْحَيَاةْ.

تَصَلَّبَتْ عَيْنَاهُ فِي فَضَاءِ الرَّحِيلِ، مُمْعِنًا فِي الذُّهُولْ:

بَيْرُوتُ نَضَّدَتِ الطَّيْرَ جُمَانًا، يَطُوفُ فَوْقَ أَغْصَانِ أَرْزِها،
وَمَدَّتْهُ مَوْكِبًا، يَسِيرُ إِلَيْكَ حِينَ تَهْبِطُ مِنْ سَمَائِكَ الْوَرْدِيَّة.
وَفِلَسْطِينُ تَسْمُو لِبُرُوجِكَ، تَرْفَعُ التُّرَابَ الَّذِي فَارَقْتَهُ مَهْدًا،
تَخْضَرُّ فِيهِ السّنَابِلْ،
تَنْتَشِي بِاخْضِرَارِهَا الدُّرُوبْ.
وَالْخُبْزُ المُرُّ يَحْلُو مَذَاقُهُ،
وَمُرًّا يَظَلُّ الدّمُ فِي شَأْوِهِ.

دُورَا تُضِيءُ مَصَابِيحَ احْتِرَاقِكَ فِي مَسِيرَةِ الظُّلُمَاتْ.
دُورَا تَرُدُّ الصَّدَى، مُحَمَّلًا بِأَنَاشِيدِ البُكَى الْحَارِقَاتْ.
تَنْثُرُ أَضْفَارَهَا بَاقَاتِ حُزْنٍ فِي صُرُوفِها الْكَالِحَاتْ.
دُورَا تُحَمِّلُ أَسْجَاعَ بُكَاءِ كُرُومِها السَّجُومَاتِ، لِلنَّوَارِسِ السَّاجِيَاتْ.
تَضُمُّ طَيْفَكَ رَابِضًا بِكَفَّيْهَا.
دُورَا تَشُقُّ جُيُوبَهَا، وَتَلْطِمُ خَدَّيْهَا،
وَقَدْ هَبَّتْ،وَأَسْرَجَتْ لَيْلًا حِصَانَكَ الْمَنْسِيَّ فِي فُصُولِ الْهَجْرْ،
وَغَابِرِ الذِّكْرَيَاتْ.
تَسَرْبَلَتْ بُرْدَ الْحِدَادِ، وَانْتَفَضَتْ جِبَالُهَا،
وَتَأَهَّبَتْ مُلَوَّعَةً أَزْنَادُهَا الْقَادِحَاتْ.
دُورَا تَقَلَّدَتِ اْلبَنَادِقَ الشَّاكِيَاتْ.
وَأُمُّكَ الزَّهْرَاءُ تَضْرِبُ الْحُزْنَ السَّادِرَ فِي صَدْرِهَا بِنَارِ قَبْضَتِهَا،
تَهِيمُ بَحْثًا عَنْ بَلَاغِ صَوْتِكَ فِي غَيَابَةِ الطُّرُقَاتْ،
يُعَفِّرُ الْقَهْرُ وَالْأَسَى مُحَيَّاهَا،
تَتِيهُ فِي وَجَعِ انْدِثَارِهَا،
فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ
تَغْسِلُ الشُّجُونَ بِالصَّلَوَات.

يَا أَيُّهَا الصَّوْتُ السَّابِحُ فِي الْيَمِّ، الصَّادِحُ فِي الْفُلْكِ،
النَّازِلُ فِي أَحْشَاءِ الْأَرْضِ، فِينَا تَمَدَّدْ، وَتَوَحَّدْ،
مُرَتِّلًا حُرُوفَ الصَّمْتِ، تَالِيًا سُورَةَ اخْشَعْ.
يَا بْنَ ذَاكَ الْجَبَلْ،
مَا هُنْتَ فِي وَطَنٍ مُكَبَّلٍ بِالْقُيُودْ،
مُرَصَّعٍ بِالْعُهُودْ.
وَهَلْ يَهُونُ الْبَطَلْ؟
لَا، لَنْ تَهُونَ بِمَنْفَاكَ، فَحَرْبُ الْبَسُوسِ تَسْتَعِرْ
كُلَّ عَامٍ أَلْفَ عَامٍ.
وَيَضْطرمْ
أُوَارُ الْخِصَامْ.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة