برلمان من ورق

اراء حرة (:::)
بقلم : تميم منصور- فلسطين المحتلة (:::)
أعتبر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الانتخابات البرلمانية التي بدأت المرحلة الأولى منها في مطلع هذا الأسبوع ، حدثاً تاريخياً هاماً في حياة وتاريخ مصر ، لأن هذه الانتخابات من وجهة نظره وحسب مخططه تعتبر تكملة لخارطة الطريق التي وضعها منذ تسلمه للسلطة من أيدي الشباب الذين وقفوا وراء ثورة الثلاثين من يونيو سنة 2013 ، والتي وضعت حداً لحكم الأخوان المسلمين .
حقيقة ان غالبية وسائل الاعلام المصري ، خاصة القنوات الفضائية الرخيصة والمأجورة ، استغلت فرصة اجراء هذه الانتخابات كي تتجاهل الاشارة الى الجرائم التي ترتكبها سلطات الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني ، والحقيقة الأكثر وضوحاً أن كافة وسائل الاعلام المصرية مصابة بالحمى لأنها فشلت بإضفاء المزيد من الأهمية على هذه الانتخابات ، تلبية لرغبات السلطة الحاكمة التي تحاول رفع سقف هذه الانتخابات السياسي باعتبارها مفترق طرق سوف تدخل من جميع دروبه الديمقراطية الى الشارع المصري .
لكن السلطة واعلامها اصيبتا بخيبة أمل بسبب غياب أي حماس واهتمام من قبل المواطنين للمشاركة في هذه التجربة الهامة ، وقد ازدادت خيبة الأمل لأن تفاعلات هذه الانتخابات اعلامياً داخل عواصم دول الشرق الأوسط كالانتخابات الايرانية مثلا  ، لكنها بقيت خافتة لم يتحدث عنها أحد سوى بعض الصحف الاسرائيلية ، ما زاد من قلق الرئاسة المصرية والحكومة التابعة لها النسبة المنخفضة جداً ممن شاركوا في انتخابات الجولة الأولى التي تستمر يومين ، كانت نسبة الناخبين في اليوم الأول تتراوح ما بين 9 – 11  % من عدد الناخبين ، باعتراف وزارة الداخلية المصرية .
المقلق أن الحوافز والمنشطات الخاصة التي وفرها المرشحون ، خاصة المستقلين منهم ، لم تحفز اصحاب حق الانتخابات القيام بواجبهم ، اما المحفزات والمنشطات التي تحدثوا عنها وكانت ظاهرة للعيان ، توفير وسائل النقل المجانية ، كما قاموا بتوفير الحلوى والمرطبات والأطعمة في النقاط التي كان يتجمع بها الناخبون قبل توجههم الى مراكز الانتخابات .
وقد أكدت ذلك قناة c.b.c  المصرية التي نقلت صوراً لسير عملية الاقتراع من خمسة عشر مركزاً من مراكز الاقتراع في اليوم الأول من منطقة الجيزة ، ظهرت فيها هذه المراكز كأنها شبه خالية ، نتيجة هذا الوضع لجأت السلطات الى سياسة الجزرة والعصا ، لحث المواطنين على المشاركة ، الجزرة التي وفروها دفع اجرة نصف يوم عمل اضافية لكل من يقدم على المشاركة في هذه الانتخابات ، أما العصا التي هددت بها السلطة التصريح الذي أعلنه المسؤول عن الانتخابات وهو القاضي أيمن عثمان ، فقد هدد بأنه كل من يتخلف عن المشاركة في التصويت ، تفرض عليه غرامة مالية قدرها 500 جنيه مصري ، أما وزير الاسكان في حكومة السيسي ، ويدعى مصطفى مدبولي ، فقد هدد وتوعد كل المتقاعسين عن المشاركة في الانتخابات قائلاً : هؤلاء لا يلومون الا أنفسهم ، كما طالبت الوزارات المختلفة في الحكومة المصرية مؤسسات القطاع الخاص دفع العاملين بها للمشاركة في هذه الانتخابات خاصة في اليوم الثاني .
السؤال لماذا هذا التقاعس عن المشاركة ، هناك أكثر من اجابة واحدة ، هل هذا التقاعس ناتج عن ردة فعل لرفض نظام السيسي نفسه ؟ أم أن هذا الرفض ناتج عن ايمان هؤلاء المواطنين بأن مشاركتهم في الانتخابات لا تخدم مصالحهم الخاصة ، بل تخدم فئات معينة تدور في تلك السلطة الحاكمة .
في رأيي أن هذه الاسباب واردة ، أو جزءاً منها على الأقل ، لكن السبب الرئيسي والمباشر هو عدم قناعة الملايين الذين فجروا ثورتين متتالتين هما ثورة 25 يناير سنة 2012 وثورة الثلاثين من يونيو سنة 2013 ، هذا الجيل الكامل من الشباب الطموح والاكاديميين العاطلين عن العمل ، كانوا بمثابة الوقود الذي اشعل نيران الثورتين ، وقدموا آلاف الضحايا ، لكن الثورة الأولى سلبت منهم واختطفها الاخوان المسلمون ، فلم يتعلموا من اخطائهم وسلبت منهم الثورة الثانية من قبل الطغمة العسكرية ، باسم محاربة الاخوان المسلمين .
نعم ان تحرير مصر من حركة الاخوان يعتبر انجازاً كبيراً ، لكن هناك متطلبات قومية ووطنية أخرى لم يشارك جيل الثورة في التخطيط لها وانجازها ، لمست وأيقنت هذه الأجيال بأن، السيسي تبع نهج مبارك في طريقة حكمه لمصر ، خاصة في خارطة الطريق التي وضعها لحكم مصر وشعبها ، أيقن هؤلاء الشباب أن الدستور الذي وضع ومنع حق التظاهر ، لا يمكن أن يفرز برلماناً أو مجلساً تشريعياً يعبر عن تطلعات أجيال الثورة في مصر لهذا السبب نجد بأن نسبة المقاطعين من بين الشباب عالية جداً ، لأن البرلمان القادم سوف يكون الأداة التي يستخدمها السيسي للانفراد  بالسلطة ، كما فعل مبارك من قبله .
أين التعددية وحرية التعبير في دستور يفرض ويقر  في آن واحد بأن 75% من اعضاء البرلمان يجب أن يمثلون قوائم مستقلة ، منها فردية وعائلية وعشائرية ، وقوائم تمثل شركات انتهازية ، غالبية المنتخبين في هذه القوائم سوف يقلقون على مصالح العناصر التي اختارتهم ، أو التي قدمت لهم الأموال ، وهم بهذا لا يمثلون قطاعات من الشعب ، بل يمثلون شرائح ضيقة فاسدة من المجتمع .
خصص الدستور ايضاً نسبة 20% من اعضاء البرلمان ليكونوا ممثلين عن الاحزاب الكبيرة ، وغالبية هذه الاحزاب تدعم السيسي ، هذا البند يمنع الاحزاب الصغيرة الوصول الى البرلمان ، الا في حالة اندماجها في الاحزاب الكبيرة ، أما الخمسة بالمائة المتبقية من عدد أعضاء البرلمان فهي حصة السيسي ، من حقه اختيارهم ، ويبلغ عددهم حوالي 30 عضو لأن العدد الكلي لهذا البرلمان 596 عضواً .
ان اجراء الانتخابات البرلمانية ضمن هذا الدستور  يمنح السيسي التحكم بإرادة اعضاء هذا البرلمان كما يريد ، وبإمكانه استغلاله لإصدار قوانين تحد من حرية المواطن ، الدستور يسمح لرئيس الجمهورية بحل هذا البرلمان متى يشاء دون الرجوع الى القضاء ، هذه هي خارطة الطريق التي وضعها الرئيس المصري ، لقد فصل وعبد دروبها على مقاسه ومقاس جماعته في السلطة ، المقاس الأول جاء مطابقا له كرئيس للجمهورية ، والمقاس الثاني جاء مطابقاً أكثر بوصفه دستور يمنحه صلاحيات استثنائية باسم محاربة الارهاب ، وحرصاً على مصلحة الشعب المصري كما يردح دائماً ، والمقاس الثالث جاء محكماً أكثر وأكثر ، بانتخاب برلمان صوري وتوأماً للبرلمانات التي فصلها مبارك في حينه .
نعترف بأن مصر تمر بظروف استثنائية بسبب الارهاب الذي يهدد الاستقرار فيها ، ولكن ثبت عبر التاريخ أن النظام الديمقراطي هو أكثر الاسلحة قوة في مواجهة الارهاب ، وكل الاخطار الداخلية والخارجية ، لأن غالبية ابناء الشعب يشاركون في هذه المواجهة ، الدستور المصري الذي صنعه السيسي لم ولن يفرز الا برلمانا من ورق .
في مسرحية ” غربة ” لدريد لحام ، الدستور موجود في الخرج  على ظهر حمار المختار ، وعندما يريد أن يقرأ المختار فقرة  من الدستور ، يطلب من مساعده أن يناوله الدستور فيقول المساعد – الحمار أكل الدستور – ودستور السيسي أكل كل الأحلام والطموحات التي وضعها الشعب المصري في ثورتين ..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة