يحسبون كل صيحة عليهم

اراء حرة (:::)
تميم منصور – فلسطين المحتلة (:::)
ليس من السهل حصر وضبط وربط وشبك الكلمات من فوق السطور ، لأنها تندفع من فوضى الاحداث بصورة فوضوية أكثر ، تخرج ساخنة من الذهن المضطرب والعيون النافرة من شدة المتابعة ، نعم تتطاير مع الأحداث وحمم العنصرية الاسرائيلية .
الدلائل والمؤشرات لهذه الهبة الشعبية التي كانت متوقعة ، والتي لا يعرف أحد كيف سيكون مصيرها ، وهل نتائجها سوف تكون بمستوى وقيمة وقدسية غزارة الدماء التي سفكت خلالها ، وهل ستؤدي الى اوسلو جديد ؟ ووادي عربة وكامب ديفيد مع بقية الأقطار العربية ، كما طالب السيسي في خطابه قبل أقل من اسبوعين ، لقد أصبحت هذه الهبة أو هذه الانتفاضة اذا جاز تسميتها أمراً واقعياً ، كل يوم تتدحرج مثل كرة الثلج ، فيزداد حجمها ، وضخامة وازدياد حجمها ، يعني ارتفاع شعلة نيرانها ، ويعني أكثر المزيد من سفك الدماء وسقوط الضحايا من قبل الطرفين ، ويعني أكثر وأكثر انسداد كافة مسامات كل أمل بالانفراج والتحدث عن حلول سلمية .
في رأيي انه يوجد حتى الآن عدد من المميزات تنفرد بها هذه الهبة الشعبية .
أولها : غياب أي تضامن عربي مع هذه الهبة الشعبية المباركة ، رغم ان الانتهاكات للحرم القدسي الشريف من قبل قوات الاحتلال كانت السبب المباشر لإشعال فتيل هذه الهبة ، حتى الآن الأنظمة العربية وشعوبها تتحاشى زج نفسها من خلال بيانات الاستنكار ومن خلال تحرك شعبي جماهيري ، خاصة في القاهرة وعمان والرياض وبقية العواصم العربية ، وهذا يؤكد بأن فلسطين لم تعد تحتل أية زاوية من زوايا الاهتمام في الأقطار العربية ، والأسباب معروفة أهمها ، ان اسرائيل لم تعد تشكل خطراً على الأمن القومي العربي ، بل أصبحت حليفاً استراتيجياً للعديد من هذه الأنظمة في مقدمتها السعودية ودول الخليج والاردن ومصر والمغرب وعصابات 14 آذار في لبنان .
الميزة الثانية : هذا التضامن السريع الغريزي من قبل عرب الداخل مع اخوانهم داخل الأرض المحتلة ، وهذا التضامن الشعبي الواسع لم ينحصر بالعناصر والقوى والحركات الاسلامية التي تاجرت بالأقصى ، بل هو تضامن شامل ، يكاد أن يصل الى درجة الالتحام ، لأنه نابع وصادر عن قناعة وايمان قاطع بأننا شعب واحد ، يعيش تحت سقف جغرافية سياسية واحدة ، وجسم واحد اسمه فلسطين ، واذا اشتكى عضو منه في الخليل ، اشتكى مقابله عضوين في الناصرة وكفر كنا ، واذا نزف هذا الجسم في جنين ، نزف أيضاً في راهط ، واذا صرخ في طولكم يصل صداه الى مدينة يافا .
الميزة الثالثة : أن هذه الهبة او الانتفاضة تسللت ، بل انطلقت قوية من بين أصابع السلطة – كما ذكرت في مقالي السابق – لم تستأذن أحداً ، حطمت القيود التي كانت سلطة رام الله تستخدمها لتكبيل أيادي الشباب الذين كانوا مطاردين ومحاصرين ، حاولت السلطة دائماً الوقوف في وجه التيار وكسر قوانين الطبيعة ، التي تقول بأن الوجه الآخر للاحتلال هو المقاومة ، وهذا حق شرعي فرضه المنطق عبر التاريخ .
هذه الانتفاضة لها طابعها ولونها الخاص ، ولها جيلها الخاص من أبطالها وشهدائها ، يقودها الشباب من الجيل الذي حاولت سلطة رام الله تدجينه ، من الشباب الذين ولدوا في أزقة المخيمات المحاصرة ، الذين عانوا من سياط الاحتلال وقهره وغزوات المستوطنين ، اعتقدت اسرائيل أن اطالة عمر الاحتلال سوف يكون المقبرة التي يُدفن تحت ترابها الابداع في تواصل النضال والوعي الحقيقي ، لقد اطمأن الاحتلال بأن الانقسام الفلسطيني الفلسطيني سيصبح تيهاً يمنع اللحمة الوطنية ، وطمأن هذا الاحتلال أكثر عندما أيقن بأن الجسد العربي فقد حواسه ومجساته التي كانت مرتبطة مع فلسطين ، ولم يعد يحس بالآف المسامير التي تغرز داخله ، ولم تعد سياط المهانة تؤلمه ، لأنه كالأسماك التي وضعت في الأفريز .
كشفت هذه الهبة حتى الآن أن غالبية الفلسطينيين يندفعون نحو الاستشهاد من أجل توفير حياة كريمة للأجيال الحالية والاجيال القادمة ، لقد ضربت هذه الانتفاضة حتى الآن المثل الأعلى بالاندفاع والحماس الوطني وطلب الشهادة ، يجب على كل اسرائيلي أن يفكر طويلاً بالطفل الفلسطيني الذي لم يتجاوز عمره ثلاثة عشرة عاماً ولم يتردد بالتضحية بنفسه لأنه يؤمن بعدالة قضيته ، وهل هذا امتداد لأطفال الار بي جي ، لو فعلها طفل اسرائيلي أو بريطاني لأصبح مقدساً وبطلاً خارقاً .
كشفت هذه الانتفاضة حتى الآن أن القدس عاصمة دولة فلسطين وقراها ، كانت وستبقى قلب فلسطين النابض الذي اندفع كي يجدد دماء الثورة في عروق كل الفلسطينيين .
الميزة الرابعة : زادت من تعرية اسرائيل أمام شعبها وامام العالم ، وأنه ينطبق على قادتها ، وغالبية شعبها طرف الآية القرآنية التي تقول ( يحسبون كل صيحة عليهم ) والمثل الشعبي الذي يقول ( المقروص يخاف من جرة الحبل ) فالقادة الاسرائيليون يتسترون وراء اثارة حالات الخوف والهلع في قلوب ونفوس مواطنيهم ، وضعوا هؤلاء المواطنين أمام خيارين ، إما القتل لمجرد حركة أو صيحة وإما النجاة ، صيحة الله أكبر بالنسبة لهم الحكم بالإعدام الفوري على صائحها ، الاشتراك في حادث سير يعني عملاً ارهابياً يستحق الاعدام ، التلويح باليدين أو بالمحفظة يعني عملاً ارهابياً يستحق الاعدام الفوري حكومة الاحتلال حولت غالبية مواطنيها الى عصابات من القتلة .
لقد جندت هذه الحكومة الاعلام فدخل المعركة وبدأ يشارك في تنفيذ حالات الاعدام من خلال التزييف والتحريض ، الكلمات التي أصبحت متداولة على شاشات هذا الاعلام ” اقتلوهم ” في اليوم يردد كلمة ارهاب وقتل ودماء مئات المرات ، ساهم هذا الاعلام بخلق جيل اسرائيلي جديد يعاني من تخمة لون ورائحة الدماء ، يتمتع بمشاهدة جثث الضحايا ملقاة في شوارع القدس وغيرها من المدن ، الاعلام هو المسؤول الأول عن هذا الانفلات من قبل عصابات اليمين التي باشرت بالاعتداء على المواطنين العرب كما حدث في مدينة نتانيا وعراد وغيرها ، أصبح اعدام أي فلسطيني لا يكلف شيئاً سوى حالات الشك ، فيتم الضغط على الزناد دون تردد .
الغريب أنهم كلما مارسوا حالات الاعدام أكثر ازداد رعبهم وخوفهم أكثر ، منذ بداية هذه الانتفاضة أختفى شيء اسمه القانون والقضاء في ظل حكومة نتنياهو ، هذه الانتفاضة حتى الآن خلقت مافيا جديدة من قوات الأمن ، افرادها أصبحوا خارج القانون ، أصبح القانون يؤخذ باليد ، ها هو رئيس بلدية كريات بيالك يقرر وحده اقامة الحواجز لإذلال المواطنين العرب ، وعندما استفسر أحد الاعلامين عن هذا العمل أجاب : نحن أسياد هذه البلاد .
أما رئيس الدولة فقد سارع هو الآخر الانضمام لجوقة المحرضين الذين يثيرون الغرائز البهيمية ، لسفك المزيد من الدماء ، فقد أعلن في خطابه في الكنيست بأن شعب اسرائيل بكامله يحارب ارهاباً اسلامياً ، بهذا القول يحاول اخراج الصراع من مضمونه التاريخي واعتباره صراعاً دينياً وليس قومياً يهدف الى كنس الاحتلال .
أما رئيس الوزراء نتنياهو فقد استثمر مع بداية الانتفاضة كل قدراته واحترافه في تزييف الحقائق ، فقد انتقل من الحديث عن الخطر الايراني الى خطر الارهاب الفلسطيني ، مع أنه وحده المسؤول عن كل قطرة من الدماء تسيل من قبل ضحايا الطرفيين ، أنه يتصرف كما تتصرف عصابات الكاوبوي ، لم يعد يفهم سوى لغة السلاح ، عندما وقف أمام أعضاء الكنيست في مطلع الاسبوع الحالي عرى نفسه وحكومته أكثر ، لقد فضح نفسه من خلال ارتجافه واضطرابه وتصبب عرقه ، القى خطاباً فارغاً عشوائياً لا ينم الا عن التحريض ، لم يطرح أية حلول لهذا الصراع الدامي ، لم تكن هناك لمحة واحدة قادرة على زرع بارقة أمل ، لقد عبر عن أحقاده بعد أن كشف عن حالة اليأس التي يعاني منها ، أصر على التشبث بسياسته الدموية ، وهذا يؤكد بأن الأيام القادمة ستكون أكثر ظلمة من غيرها .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة