تعميد الوحدة الوطنية في حرب أكتوبر

فضاءات عربية (:::؛)
د. أحمد الخميسي – مصر (:::)
لم تكن حرب أكتوبر انتصارا عسكريا فقط ، ولا انتصارا فحسب للإرادة الشعبية ضد الكيان الصهيوني عدوها التاريخي، بل وكانت أيضا انتصارا جديدا للوحدة الوطنية بين أقباط مصر ومسلميها، فقد عمدت الحرب الوحدة بالدم والبسالة وعبقرية افتداء الوطن الذي خاطبه أحمد شوقي في قصيدة ” بعد المنفى” قائلا : ” ولو أني دُعيت لكنتَ ديني.. عليه أقابل الحتم المجابا .. أديرُ إليك قبل البيت وجهي.. إذا فهتُ الشهادة والمتابا”، الوطن الذي تغنى بوحدته سيد درويش وبديع خيري:” اللي الأوطان بتجمعهم عمر الأديان ما تفرقهم”. الوطن الغالي الذي لم يميز بين جرح وجرح، بين الشهقة الأخيرة لمقاتل وشهقة مقاتل آخر بجواره. وفي قائمة شهداء حرب أكتوبر وهي قائمة طويلة ستجد أسماء أخوتنا الأقباط تلازم أسماء المسلمين. خلال حرب أكتوبر 73 وقفت فلاحة مصرية لم يسجل التاريخ اسمها بجوار كوبري صغير في قرية جنيفة على الطريق بين الاسماعيلية والسويس تتابع الطائرات الإسرائيلية في السماء والجرحى من جنودنا وزملاءهم ينقلونهم من الميدان إلي أسفل الكوبري. وفي مواجهة الدم المتدفق أخذت المرأة كلما أقبل الجنود بجريح تمزق قطعة من جلبابها وتضمد بها جرحه لوقف النزيف إلي أن يصل المسعفون، جنديا بعد جندي، وقطعة من الجلباب بعد قطعة، وحينما لم يبق شيء في الجلباب مزقت آخر ما يستر بدنها تضمد به الجراح هاتفة ” الله أكبر”! وحدها من دون اسم، عارية تحت السماء الحمراء من وهج القصف، تلثم دماء المقاتلين، هذه كانت مصر التي لم تميز بين مسيحي ومسلم، ولا ذراع مبتورة وصدر مثقوب. مصر وهي تدافع عن نفسها ضد الكيان الصهيوني الذي انقضت على معاهدة السلام معه 45 سنة، لم تتخل فيها إسرائيل عن طابعها العدواني، فشنت – في سنوات السلام – ثمانية حروب على العرب:  ثلاث حروب ضد الفلسطينيين ( قمع انتفاضة 1987 – وقمع انتفاضة عام 2000 – ومحرقة غزة في 2009 ) وحربين على لبنان ( عام 1982 – وعام 2006 ) ، وشاركت في ضرب العراق وشاركت في تدريب القوات الأمريكية على حرب المدن عند غزو بغداد، وشنت غارتين على السودان، من دون أن تتخلى عن شبر من الجولان السورية، ولا عن مزارع شبعا اللبنانية، كما أنها لم تمنح الفلسطينيين شيئا أي شيء سوى المزيد من التهامها أرضهم وتهويد مدنهم وغرز المستوطنات والغزاة البرابرة فيها.  وإذا كانت إسرائيل في ظل معاهدة السلام قد شنت علينا كل تلك الحروب فما الذي تستعد لأن تفعله بنا في حالة الحرب؟. وبينما أثمر التصدي للعدوان الثلاثي العديد من الأعمال الأدبية مثل رواية يوسف إدريس” لاوقت للحب”، علاوة على ديوان ضخم متنوع من الشعر، وعدد من الأفلام، فإن بطولات حرب أكتوبر لأنها كانت بالأساس حربا نظامية لم تسجل بعد، ولا تم تدوين عشرات القصص عن أبطال تلك الحرب من جنود وضباط، ولا أدرجت قصص الشجاعة الخارقة في المناهج الدراسية، ولا تم القاء الضوء بما يكفي على أن الحرب عمدت الوحدة الوطنية بالجسارة التي تصدت للقاعدة الصهيونية العسكرية، وبالبطولة التي قفت عارية تحت الجسر تلثم جراح أبنائها هاتفة “الله أكبر”.
***
أحمد الخميسي. كاتب مصري

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة