سقراط في الفصول الدراسية وقاعة الجامعة*

دراسات (:::)
بقلم: الدكتور يوسف بن مئير – المغرب \ نيويورك (:::)
أتصوّر سقراط وقد وجد نفسه في وطنه في اجتماع ٍ للجماعة في العصر الحديث، وقد أخذ خلال الإجتماع السكان المحليّون يناقشون التحديات الإجتماعية والإقتصادية والبيئية التي يواجهونها وتحديد الحلول لتلبية إحتياجاتهم، وذلك حسب ترتيب الأولويات.

بدلاً من نقل تقليد راسخ، قام الفيلسوف الإغريقي الأثيني (حوالي 470-399 قبل الميلاد) بإشراك طلابه في جدلية حفّزت التفكير النقدي والفكر المستقل وسهّلت ويسّرت أيضاً تبنّي معظم الفرضيات منطقيّا َ من عدة فرضيات أولية. ويتضمّن هذا النهج الإقتناع بأن الحقيقة تكمن داخل كل فرد، في انتظار أن يتم التعبير عنها.

يمكّن نهج تعاوني ومستدام للتنمية البشرية المجتمعات المحلية، بمساعدة الميسرين المدربين، لتخطيط مشاريعهم الخاصة، وبالتالي خلق فرص العمل وإيجاد فوائد في الصحة والتعليم. ويتم تشجيع المشاركين في العملية لتبادل خبراتهم وأفكارهم من أجل التغيير وبناء توافق على خطط العمل. وهذا النهج التشاركي لتنمية المجتمع المحلي هو، في جوهره، تطبيق منهجية سقراط من قبل المجتمعات في عصرنا الحاضر.

وعلاوة على ذلك، هناك سمات مشتركة في التنمية المجتمعية الناجحة والخبرات التعليمية – التي تُحدث بثبات تأثيراً قويّا ً على المشاركين – والتي تتمّ عن طريق بناء المهارات التطبيقية والتحليلية، وتوسيع الآفاق على المجتمعات وتعزيز الرضا البشري. وبصفتي أستاذ جامعي وفي نفس الوقت أيضا ًممارس التنمية التشاركية في المغرب، أجد متعة كبيرة ومعنى في معاملة فصولي الدراسية كاجتماع مجتمع مفعم بالتفاعل، وخلق البيانات والتحليل الجماعي وبناء توافق الآراء.  وبنفس “المكيال” أستمد الرضا والغرض من معاملة اللقاءات المجتمعية كبيئات للتعلم حيث يتبادل المشاركون المعرفة، ويقومون بتقييم ظروف الحياة بشكل ٍ إنتقادي ويسعون وراء الابتكار والتجديد.

ولتحقيق هذه الأهداف، يجب على الفصول الدراسية واللقاءات المجتمعية أن تعمل في ظلّ ظروف محددة.

أولا وبشكل أساسي، يجب تشجيع الناس على التواصل. يجب أن يكون الأفراد أحرار تماماً لتبادل وجهات نظرهم والرد على بعضهم البعض، بل وتحدّي بعضهم البعض. فمن أهداف مثل هذه المناقشة الشاملة هو أن نعترف بكل احترام بالإختلافات وبالتالي تطوير وجهات نظر متعددة الأبعاد.

وجزء لا يتجزأ من الحوار حول المصالح والأجندات الإنتاجية هو قبول الصراع كشيء فطري متأصّل، وفي الواقع كشيء منتج، حيث من الممكن أن يؤدي وجوده إلى حلّ ناجح. ومن الناحية العملية، فإن عملية التغلّب على الخلافات تشمل التعبير عن الملاحظات الشخصية وأحياناً تقديم إعتذار،هذا مع تعميق علاقات المشاركين كنتيجة هامة.

وإعطاء فرص رسمية وغير رسمية للكتابة قد يحفز التأمل الفكري. وفي بيئة تعلّم وتخطيط قد يرتبط ذلك مع جانب الحوار، معزّزا ً بذلك العملية برمتها ومسلّطا ً الضوء عليها.

التفكير النقدي هو أيضاً مركزي في التنمية المجتمعية المستدامة والتعلم التحويلي. فالسماح ب – وحتى التسهيل والتيسير بشكل ٍ إيجابي – للتحديات التي تواجه أفكارنا المسبقة وذكر الروابط ما بين الإجراءات وعواقبها (عموديا وأفقيا في المجتمع) هو أمر ضروري للفهم الجماعي للظواهر الاجتماعية المتعددة الأبعاد.

وأخيراً، يجب أيضا تيسير التعلم التعاوني التجريبي في سياق التعليم القوي والتنمية المستدامة. هذه الطريقة التربوية تخلق نموذجاً مصغراً لدينامية تنمية مستدامة ذات مجال ٍ أوسع ، حيث ينظر إلى مساهمات ومواهب الأفراد كأمر حيويّ لمساعي المجموعة، هذا مع كل عضو يلعب دورا ً معيّنا ً في تحقيق المبادرة الشاملة. ويبني الطلاب قدرات معرفية حرجة وهامّة عندما تنعكس الخبرات العملية إلى النظرية الاجتماعية. يشحذ جميع المشاركين مهاراتهم وقدراتهم في جلسات جماعيّة حيث يأخذون بعين الإعتبار الظروف الاجتماعية وتقييم وايجاد حلول للمشاكل الاجتماعية وتنفيذ التغيير الذي يسعون إليه.

ستكون نتيجة هذا كله، إذا طُبقت على نحوٍ  فعال – وخاصة الإعتراف بالفرد داخل المجموعة – التشكيل الجماعي للحلول التعليمية والتنموية التي تلبي الأهداف الفردية والجماعية.

وهكذا، وفي حين أن الفلاسفة منذ عصر التنوير قد افترضوا أن المصالح الفردية والجماعية تعارض بطبيعتها بعضها البعض، فإن التنمية المستدامة وغيرها من الأساليب التربوية التعاونية، في المقابل، تعرض هذه المصالح كتعزيزات متبادلة.

والأمثلة على نجاح هذه الأخيرة هي واضحة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في المغرب، حيث إدارات المنتزهات الوطنية والمجتمعات المجاورة منشغلة في الحوار التشاركي والتفكير النقدي المتطوّر كشرط أساسي للعمل في شراكة لتطوير كل من التنمية البشرية والحفاظ على الموارد.

وبالتالي، في الفصول الدراسية أو في الميدان، من الضروري أن يقوم المعلمون بنصرة ودعم هذه العملية ويتبنّى ميسرو اللقاءات المجتمعية التشاركية نهجا ً مشتركا ً. عليهم – مثل سقراط – أن يسعوا وراء إستخلاص المعرفة التي يمتلكها المشاركون وتمكين دمج أفكار المجموعة إلى كيان أكبر من مجموع أجزائه. يجب عليهم تحفيز ودعم عمليات التفكير الناقد، وعلاوة على ذلك، التأكد من أنّ  العملية برمتها قد تشرّبت بالتعلم التجريبي، وهو ما ثبت أنه تحويلي من حيث التربية والتنمية البشرية.

قد تحدث التنمية عبر “الإخصاب التهجيني” ومنهجية التعليم فوائد في جميع المجالات. قد تكون المجتمعات في وضع يمكنها من إنشاء المشاريع التي تكون مناسبة في ضوء العوامل الاجتماعية والبيئية المحددة والموجودة. وسوف يشكّل الطلاب أطر مرجعية لعمليات تحديد وإنشاء وتقييم التدخلات الاجتماعية الفعالة، وخاصة تلك التي تبني من المستوى المحلي باتجاه فوق. وسيجد معلمو وميسرو المجتمع منزلهم الطبيعي في الساحات الخلفية لمنازل بعضهم البعض ويقومون بدمج منهجياتهم ذات الصلّة لتشكيل شراب سقراطي مثري بشكل ٍ واضح.

* ترجمة المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي – بيت ساحور- www.pcpo.org
_________________________________________________________________
الدكتور يوسف بن مئير أستاذ وخبير في علم الاجتماع، ومتطوع سابق في فيلق السلام في المغرب ومؤسس مشارك، في عام 2000، لمؤسسة الأطلس الكبير التي يرأسها حاليّا ً.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة