– دِرَاسَة ٌ لروَايةِ ” رائحةِ الزَّمَن العاري ” للكاتبةِ والشاعرةِ ” هيام مصطفى قبلان “

اصدارات ونقد (:::)-
بقلم : حاتم  جوعيه – فلسطين المحتلة (:::)
مقدّمَة ٌ :الكاتبة ُ والأديبة ُ والشَّاعرة ُ “هيام مصطفى قبلان ” من الشَّاعراتِ والكاتباتِ الأوائل في البلاد  معروفة ٌ ومشهورة ٌ منذ أكثر من عشرين سنة  محليًّا  وخارج  البلاد … أصدرت  العديدَ   من  الدواوين  الشعريَّة  والكتبِ الأدبيَّةِ  والخواطر والمقالاتِ المتنوّعةِ  ونشرت  إنتاجَهَا  في معظم  وسائل الإعلام  محليًّا  وخارج  البلاد  وكتبَ عنها  العديدُ  من  النقادِ  المعروفين ، وشاركت  في الكثير من المهرجاناتِ  والندواتِ الثقافيَّةِ  والأدبيَّةِ ، وخاصة خارج البلاد  .   وأمَّا هذا الرواية  التي  بين  أيدينا  الآن  فهي  أوَّلُ  روايةٍ تصدرُها الكاتبة ُ، وأنا بدوري  لم  أتفاجأ  لأنَّ الكاتبة َ مخضرمة ٌ ومحترفة ٌ ولها سنين طويلة في الكتابةِ الإبداعيَّةِ على مختلفِ أنواعها (شعرا ونثرا)  .
مدخل :    تقعُ  هذه الرواية ُ ( رائحة الزمن العاري )  في  228 صفحة من الحجم للمتوسط  ( الطبعة الاولى  منها في دار التلاقي للكتاب – القاهرة – مصر عام 2010 ، والطبعة الثانية  في مدينة  نابلس – فلسطين 2012 )   وتحلي الكتابَ  صورة ٌ ولوحة جميلة  ومعبِّرة  على  الغلافِ  من  الوجهين  بالإضافةِ إلى مقدمةٍ صغيرة على الغلاف من  الخلف بقلم  الشاعر والأديب الفلسطيني: “محمد حلمي الريشة “.. وقد أشادَ  بدورهِ لأهميَّةِ  ومستوى هذه الرواية  حيث يقول : ( “بلغتِهَا التي  ترشقُ الحياة َ بأسباب جنوحها العارمة وَمُسَبِّبات  تناقضاتِها  الفاضحةِ ،  تنسجُ  الأديبة ُ  ” هيام  مصطفى قبلان ” روايتها العصيَّة على النقض “رائحة الزمن  العاري”، كأنها  فراشة  أتقنت  حريرَهَا  الجارح ، بعد  دورانها حول  نفسها  بنفسها السِّاخن ، الذي  يضجُّ  سُخطا في  كوامن الألم  الإنساني ، وحول الحياةِ وفيها، والتي ملأها  إنسانُ الشَّرّ مكائدَ يغتالُ  بحدَّتها  براءات طفليَّة، ويثقبُ بقسوتِهَا  بكارات أنثويَّة  ،  حتى انهُ  لا  يُبقي  قلبين عاشقين عل  فنن  روحيهما ، بل  ويطفىءُ  سراجَ  الجمال الكلي لأنهُ يكشفُ  قبحَ  وجههِ المبثور بعينين مشروختين ، وسلاطة  لسانهِ المسطور  بأبجديَّةِ النقص ،  وصدرَهُ المريض  بالفراغ المعتم ! ” ) . ويقول أيضا : ( ” في هذه الروايةِ ، التي  تضجُّ  برائحةِ نون  النسوةِ ، وتاء التأنيث، وهاءِ الآهة ،  تضخُّ   “شهرزاد ُ”هَا ، التأكيد  بعد الليلةِ المِليار، أن  لم  تزلْ حياةُ المرأة هنا تُكرّرُ حياتها..إنها ترويها في حالةِ الطفلةِ المغتصبةِ ، والمُراهقةِ  المقهورةِ ، والزَّوجةِ  المَسلوبةِ، والمُطلَّقة المَشبوهة، والأرملة الشَّقيَّة…كما هُوَ هُنا الوطنُ المنهوب  كُلاًّ، والخيانة ُ التي باتت وجهة َ نظر، والرَّجلُ العضويُّ  الذي يُشهرُ شهامتهُ  من  بين  ساقيهِ ! .. إنَّ هذه  الرواية   مُغايرة ٌعن  كثير ممَّا  قرأنا.. إنها  تستحقُّ الحياة َ في حياةٍ  لم  تزل  تُسحقُ فيها  الحياة ُ !  ” ) .
..وإنها لمقدِّمة ٌجميلة ٌ وَمُعبِّرة ٌ لمكانةِ وأهميَّةِ وجماليَّةِ هذه الرواية وأبعادِها الإنسانيَّةِ  والفنيَّة  .
سأتناولُ  في ،هذه المقالةِ، الرواية َمن خلال الإستعراض وبعدها  سأدخلُ  في الدراسةِ  والتحليل .
تتحدَّثُ هذه الرواية ُ “رائحة الزَّمن العاري” عن  فتاةٍ  متعلِّمةٍ  ومحترمةٍ  ومكافحة  لها طموحاتٌ  كثيرة  وأحلامٌ  رائعة ومثلى ( إسمها  هزار) وهي  مثقفة وواعية  سياسيًّا  وتتحلى  وتتمتعُ  بالحسِّ الوطني الجيَّاش  ومتسربلة ٌ بالمبادىء والقيم  المُثلى .. والوطنُ  دائما يسكنُ  فيها  ويحتلُّ  كلَّ  ذرةٍ  من  كيانِهَا ولواعِجهَا ووجدانِها..وقد أحبَّت شابًّا رائعا مثاليًّا  وعصاميًّا  وشاعرا  وفنانا ووطنيًّا مُتحَمِّسًا للذودِ عن قضايا  شعبِهِ إسمهُ ( نبيل )..وتبادلا  سويَّة   الحُبَّ  الشريفَ  والصَّادق  ونسَجَا   ورَسمَا  أحلامَهُمَا  الورديَّة   وفجرَهُمَا  المنشود  واتفقا على الزواج، ولكن أهل هزار ( والدها وعمها والعائلة )  لم  يوافقوا على هذا الزواج  وكانوا في نهجهم  وتوجُّههم ومنطلقِهم الآيديلوجي والفكري على  عكسها  وعكس  حبيبها  نبيل… أي  كانوا عملاءً   متعاونين  مع  السُّلطةِ… فأرغمُوهَا  بالقوَّةِ  على الزواج  من  شخص  إسمه ” كريم ” وهو  ابن عمها  ويشاطرُ  ويشاركُ  العائلة َ ( الوالد  والعم  وأخاها الأصغر نزار) في مواقفهم السياسيَّةِ السَّلبيَّةِ  وفي  عمالتِهم  واذدنابهم … وأمَّا  والدة هزار فكانت مغلوبة ًعلى أمرها ومحكومة كالدجاجةِ ( كما تصفها الكاتبة).. وليسَ  لها  أيَّة ُ  كلمةٍ  في البيتِ  ووالدُهَا هو الأمِرُ الناهي … وكان لها  أخٌ أصغرُ منها  إسمه  ” نزار”  وكان  وقتها  صغيرًا ( عندما  أرغموها  على الزواج  من ذلك الكريم  الذي لا تريدهُ )، وقد  اتبعَ   طريقَ  والدِهِ  والعائلة   في  التفكير  الرَّجعي  والتمسُّك  بالعاداِت والتقاليد الباليةِ  والمهلهلة وخاصة  في إضطهاد المرأة  والفتاة  وأنَّ  البنتَ  ضلعٌ  قاصر… وعندما  كبرَ  نزار أصبحَ من كبار المُخبرين المتعاونين  مع  السلطةِ  في القريةِ  ومن عملائِها المعروفين المُشَار إليهم  بالبنان الذين  اشتغلوا ضدَّ  قضايا  شعبهم  وأمَّتِهم، مثل: مصادرة الأراضي،  وكما كان  والدهُ  وعمُّهُ  والعديدُ من أفراد العائلةِ وكريم الذي تزوَّجَ  من إختِهِ . وتستمرُّ القصَّة ُ  فيموتُ الزوجُ ( كريم ) بعد عدَّةِ  سنوات  من  زواجهِ  وقد  أنجبت  منهُ   هزار  بنتا  قبل  وفاتهِ  إسمها ” سمر”… وتبقى هزارُ أرملة ً في  عزِّ  شبابها  وصباها  وترفضُ  الزواجَ   من  كلِّ شخص يتقدَّمُ  إليها وتنذرُ وتكرسُ حياتهَا لتربيةِ ابنتِها … وأمَّا  نبيل العاشق  فبعد  زواج هزارحبيبتهُ  يسافرُ إلى خارج  البلاد…وكان قبلَ سفرهِ ملاحقا ومراقبا من قبل السلطةِ لمواقفِهِ الوطنيَّةِ..ويرجعُ بعدَ حوالي عشرين  سنة إلى الوطن، وكان في الغربةِ  قد  تزوَّجَ  من  فتاةٍ  أجنبيَّة  وأنجبَ  منها  أطفالا وبنى هناك  في الغربةِ  مستقبَلهُ  وَكوَّنَ عائلة ً..ولكنهُ مَلَّ  وَسَئِمَ البُعدَ وحياةَ الإغتراب فحُبُّهُ وعشقهُ  القديم  بقيَ  كما هو ملتهبا..والحنينُ  ما  زالَ يشدُّهُ  إلى أرض الوطن  ولرؤيةِ  أصدقائِهِ  وأحِبَّائِهِ… وعندما  يرجعُ  يلتقي  بهزار وتعود ُ العلاقة ُ التي كانت  بينهما  والغرامُ  المتأجِّجُ  أكثرَ  ممَّا  كان ( بعد  عشرين  سنة ) …ويرجعُ  ويرى  بيتهُ  القديمَ  ولكنهُ يسكنُ في غرفةٍ  بالأجرةِ  مع  زوجتِهِ الأجنبيَّة وأبنائهِِ في منزل تملكهُ أمرأة ٌ تدعى ( جميله)  لفترةٍ قصيرةٍ وبعدها تسافرُ زوجتهُ وأبناؤُهُ وأمَّا هو فيُقرِّرُ البقاءَ والإستقرارَ في الوطن والزَّواج والإقتران من هزار . ويعودُ إلى نشاطِهِ الأدبي والثقافي والسياسي كما كان  قبل عشرين  عاما   فيعملُ على تأسيس  وإقامةِ مُؤَسَّسَةٍ  ثقافيَّةٍ  لدعم المثقفين والفنانين  والأدباءِ .. وكانت  هزارُ فتاة  أحلامه  وحبه الأول والوحيد رسَّامة ً وفنانة تشكيليَّة  فشجَّعهَاعلى عرض ونشر رسوماتِهَا ولوحاتها  وأن تتفرَّغ َ وتكرِّسَ حياتها  للفنِّ  والإبداع …فبدأت  تشاركُ  في  المعارض المحليَّة وبدأ  يلمعُ اسمُهَا كفنانةٍ  تشكيليَّة مبدعة.. وفي هذه الفترةِ  وقبلها  أيضا  كان  يأتيها الكثيرُ  من العروض  للزواج  أو  لإقامة  علاقاتٍ خارجَ  إطار الزواج  وكانت  بدورها  ترفض ..وقد  اقامت علاقة ً قصيرة ً مع شخص إسمه( أدهم ) ولكنهُ كان  ينظرُ إليها كجسدٍ للمتعةِ  ولأجل إطفاءِ شهوتهِ  وليس  لحبٍّ  وارتباطٍ  وانتماءٍ  ولكيان  مشترك .  وفي هذه  الفترةِ ازدادت مراقبة وملاحقة أخوها  نزار لها  ولإبنتِها التي تدرسُ  في الجامعةِ لأنهُ  كان  يعملُ  مع الشرطةِ  مخبرًا  وفسادا  ويراقبُ الطلابَ  في الجامعةِ ومن  بينهم   إبنتها  ” سمر” …  وكان   يَِشِي  ويفسدُ  على  الطلابِ  الذين   يشاركون  وينخرطون  في  أيِّ عمل  ونشاطٍ  سياسيٍّ ويتسبَّبُ لهم  بزَجِّهم وإدخالهم للسِّجن  . وصارَ  يتدخَّلُ في  كلِّ  كبيرةٍ  وصغيرةٍ  في حياةِ  إختِهِ  وابنتِها  لدرجةٍ  أنه  منعَ هزارَ  من الإلتقاء  بنبيل  حيث  كان  يعرفُ  قصَّة الحبِّ التي  كانت  تجمعهما في السابق ( قبل سفره)  وعلمَ  برجوعِهِ  للبلاد  وبرجوع  العلاقةِ  العاطفيةِ  وبلقاءاتِهما  المتكررةِ  وبنشاطِهِ  السياسي  كما  كان  قبل مغادرتِهِ  الوطن.. واستطاعَ  أن يدخلهُ السجنَ لأيام .. ولكن  أفرجَ عنهُ  وخرجَ  لأنه  لم  تكن هنالك أدلة ٌ تُدينهُ…وقامَ  أيضًا  بإرسال أشخاص من  قبلِهِ متعاونين مع  السلطةِ  فاعتدوا عليهِ  جسديًّا  لترهيبهِ  وترحيله … وكان نبيل  ناشطا  سياسيًّا  ومن العاملين  ضدَّ  سياسةِ  مصادرةِ  الأراضي  وضدّ  قانون التجنيد  الإجباري .. وغيرها  من  القضايا  الوطنيَّة … وكانت هنالك مظاهرة ٌ كبيرة ستقامُ  في (مدينة الناصرة) وكان  نبيل من المُنظمين لها..  والكثيرُ من  الطلاب  الجامعيِّين الوطنيين الذين  سمعوا  في  تنظيمها شاركوا  فيها  ومنهم ” سمر”  إبنة   هزار  وصديقتها  ” نوال “…  وعندما  علمت  هزار أنَّ   نبيل  سيقودُ  المظاهرة َ سافرت  بسيارتِهَا  إلى  الناصرةِ  وشاركت فيها..وفي هذه المُظاهرةِ تدخلت عناصرُالشرطة وفرقٌ من الجنودِ المدججين بالسلاح  وأطلقوا  الرَّصاصَ الحيََّ على المُتجَمِّعين  والمتحمسين فيها وأصيبَ العديدُ  برصاص الشرطة  وَقُتِلَ  بعضُ الأشخاص ومن  بينهم حبيبيها نبيل..وتنتهي القصَّة ُبموتِ البطل “نبيل” نهاية ً تراجيديَّة ً مأساويَّة ً …  وهذا عرضٌ سريعٌ  وخاطفٌ لأحداثِ القصَّة .
تحليلُ الرِّواية : هذه  الرواية ُ واسعة ٌ وعريضة ٌ وعميقة ٌ في  أبعادِهَا  وأهدافِها  ومواضيعِهَا  وفلسفتها، تتناولُ عدَّة َ مواضيع وقضايا  :
إنسانيَّة ، وطنيَّة ، سياسيَّة ، عاطفيَّة ، إجتماعيَّة ،  ثقافيَّة  وأدبيَّة  وفكريَّة ..  وكُتِبَت  الرواية ُ وَنُسِجَتْ  فصولها وَمشَاهِدُهَا  بلغةٍ  وبأسلوبٍ  أدبيٍّ  جميل  مُنمَّق ساحر قريبٍ إلى لغةِ الشِّعر، وفيها الإعجازُ والسِّحرُ البلاغي  وجمالُ وموسيقى الكلماتِ  المتألقةِ  والمترعة  بعمقِها  الهادف … فالكاتبة ُ  القديرة ُ هيام  مصطفى قبلان تذكرنا بروائع جبران خليل جيران في أسلوبهِ الكتابي الذي قد يستعصي على كبار الكتاب، فهذا الأسلوبُ وهذه اللغة التي  نسجت  وصاغت  فيها  الرواية َ  تكفي  لأن  تعطيها  النجاحَ  والتألقَ  وتضعَها  في  مصافِ  الرواياتِ  العالميَّة  .
والفتاة “هزار”  بطلة ُ الروايةِ  هنا  تَُمثلُ  وتجسِّدُ  الفتاة َ والمرأة َ العربيَّة  المظلومة والمغلوبة  على  أمرها والتي  ترضخُ  للعاداتِ والتقاليد  الرَّجعيَّةِ  وتتقيَّدُ وتلتزمُ  بمشيئةِ وإرادةِ  الأهل والعائلةِ  وبمفاهيمهم الرَّجعيَّةِ  المتخلِّفةِ  سواء كانت إجتماعيَّة أو سياسيَّة  فتُرغمُ على الزواج  قسرًا  من  شخص لا   تحبُّهُ  ولا  تطيقهُ  يدعى ( كريم )  كانَ  عميلا  ومتعاونا  مع  السلطةِ  ضدَّ  شعبهِ  مثل والدها وعمِّها وأخيها نزار فيما بعد … وكان  لهزار أخت إسمها ” دلال” تصرَّفت عكسَ هزار فلم  تخضعْ  وترضخ  وتنحني  لأرادةِ الأهل ورفضت  أن   يرسموا  ويخططوا  ويقرِّرُوا مصيرَهَا   ومستقبلهَا  ففضلت الإنتحارَ  والموتَ  بيدها  ولا أن  تتزوَّج من  شخص لا  تريدهُ  وقد رفضوا زوَاجَهَا  مِمَّن  تحب ( وتذكرنا دلال إخت هزار بطلة  القصَّة بوصال أخت الشاعر الكبير نزار قبَّاني  التي انتحرت  لأنَّ أهلهَا رفضوا أن  تتزوَّجَ  من  الشَّخص الذي  كانت  تُحبُّهُ ..  وكان  لهذا  الإنتحار  تأثيرٌ  ودورٌ  كبيرٌ  في حياةِ  نزار قبَّاني  فيما  بعد  في صدِد  كتاباتِهِ وأشعارهِ  الغزليَّة )  .
وأمَّا  هزار فبعد أن  تلدَ  بنتا  ويموتَ زوجُها  وهي  شابَّة  تقرِّرُ وبعدَ عدَّةِ  سنوات  أن  تثورَ على كلِّ  العاداتِ والتقاليد الرَّجعيَّةِ البالية  وتعيشَ حياتها  وترسُمَهَا  كما  تريدُ  رغم  وقوفِ  أخيها  نزار في  دربها وأن  تتزوََّجَ  من  حبيبها  نبيل بعدَ عودتهِ إلى أرض الوطن  وتشاركَ  أحرارَ وشرفاء  شعبهَا  في  نضالِهِم  مع حبيبها نبيل ..فهي تمثلُ  أيضا التحرُّّرَ والتمَرُّدَ على  سلطةِ الأهل  وعلى  الرَّواسبِ  والقيودِ  الإجتماعيَّة … وهزار  قد  ترمزُ  في هذهِ الروايةِ  إلى  الوطن وإلى الأرض المُغتصبة  والمحتلَّة والتي  تشوَّهَ  جمالُها ( بعد أن  زُوِّجَّتْ  مِمَّن لا  تحبُّهُ  وعلاقتها الجسديَّة  الحسيَّة معهُ  كانت عن غير اقتناع ولا  يوجد  أيَّ  تناغم ).. وأمَّا نبيل بطل القصَّة  فهو يرمزُ  لكلُّ  شيىءٍ  جميل وإيجابي مثل هزار..إنهُ يمثلُ ويجسِّدُ الإنسانَ المثالي  والشاب الرائع الطموح والمناضل صاحب القيم  والمبادىء المثلى والوطني  الغيور على  مصالح وقضايا شعبه المصيريَّة ومن  كرَّسَ حياتهُ وشبابَهُ  لأجل هذه المبادىء  ودفعَ لأجلها  مستقبَلهُ  حيث  شُرِّدَ  وَهُجِّرَ  من  وطنهِ .. أي غادرَ البلادَ قسرا وليسَ بإرادتهِ  بعدَ أن سُدَّت كلُّ الطرق أمامَهُ وَحُرمَ من  حبيبتهِ لأنَّ أهلهَا العملاءَ المتعاونين مع السلطةِ  رفضوا زواجَهَا من إنسان  وطنيٍّ   شريفٍ  ونظيفٍ  وزوَّجوها  من  خائن  عميل  متآمر  متواطىءٍ  مثلهم  .   (( وبالمناسبة إنَّ شخصية بطل الرواية  “نبيل ” تنطبق عليَّ أنا  مئة  بالمئة  فالكلُّ  يعرفُ جيِّدًا  أنني ضحَّيتُ كثيرا وكرَّستُ كلَّ طاقاتي  ووهبتُ حياتي وزهرة َ شبابي لأجل  خدمةِ  قضايا  شعبي المصيريَّة  وعانيتُ   كثيرا  من  أجل هذا الموقف ورغم  كلّ مؤهلاتي وطاقاتي الفكريَّة والثقافيَّة والشهادات العالية  التي أحملها  لم أوظفْ  في  أيَّةِ  وظيفة حكوميَّة  أو  في المعارف ، مثل : مدرس ، محاضر جامعي ، مدير  مدرسة  أو مفتش  أو  إعلامي  في  الإذاعة   والتلفزيون   وغيرها  من المرافق  والوظائف التي  بشكل  مباشر أو غير مباشر  تابعة   ومرتبطة  بالسلطة ، ورغم  كل  هذا الحصار حَققتُ  نجاحًا وشهرة ً في  جيل  مبكر لم  يحققها أشخاصٌ  وصلوا لجيل الشيخوخةِ … وفي  نفس الوقت  نرى  العملاءَ  والأذنابَ  والمأجورين  أعداءَ  وطنهم  وشعبهم  في  الداخل ( عرب  ال  48 )  يتبَّوَّءُون  الوظائفَ  السلطوية  في شتَّى المرافق، مثل : في الإذاعة والتلفزيون  ومدراء ومفتشون  ومسؤولون عن مراكز ومرافق  وأطر ثقافيَّة  وتربويَّة  وإعلامية  وفنيَّة .. وغيرها  .. وهؤلاء مصيرُهم  سيكون بالتأكيد إلى مزبلةِ التاريخ ). ولكنني  أختلف عن نبيل هذا بطل هذه الروايةِ  لكوني لم أترك البلادَ وأرحل من تلقاءِ نفسي كما  فعل هو هروبًا من الواقع الصَّعب، بل بقيت  وما  زلتُ  في أرضي ووطني وتحدَّيتُ جميعَ الصِّعاب والعراقيل وكلَّ  أذنابِ السُّلطةِ وعملائِها وكلَّ قوى  الغدر والظلام  الذين عملوا ضدِّي علنا  وفي الخفاء  ولم أخشَ  وأخفْ  من أحدٍ  ولم أعمل لأيِّ مخلوق حساب سوى لخالقي  وما  زلت على مبادئي ) .
وهذا  المشهدُ  ما  زالَ  يتكرَّرُ  كثيرا الآن  في  الداخل ( حيث  نرى داخل  الطوائف العربيّة العديدَ من العائلاتِ العميلةِ والمتآمرة التي ترفضُ  تزويجَ  بناتِها  من أشخاص  وطنيين  شرفاء ، بل  يزوِّجُونهنَّ  من  عملاءٍ  وأذناب  سلطة، وخاصَّة  إذا  كان  لديهم  رتبة  عسكريَّة  عالية  كضابط  في الجيش المحتل أو يتبوَّءُون  وظائف حكومية عالية  في المجالاتِ الثقافيةِ والتربويَّةِ والأدرايةِ حصلواعليها  ليس بكفاءاتِهم وشهاداتِهم، بل بإنحطاطِهم الأخلاقي  وبعمالتِهم  واذدِنابهم  وفسادِهم  وخيانتِهم  لقضايا شعبهم وأمتهم العربيَّة )..
ومن الشَّخصيَّاتِ الهامَّةِ والمركزيَّةِ  في الروايةِ ( سمر) إبنة هزار وهي فتاة ٌ جامعيَّة ٌ مثقفة ٌ وواعية ٌ وصورة ٌ طبق الأصل عن  أمِّهَا   شكلا وقالبا   ومترعة بالمشاعرالوطنيَّةِ الجيَّاشة.. وكانت دائما تُحبُّ أن تشاركَ زملاءَهَا في الجامعةِ  في  كلِّ  نشاطٍ  سياسيٍّ  ووطنيٍّ  لأجل  شعبها  برفقةِ  زميلتها  نوال التي تسكنُ في إحدى القرى في شمال البلاد ( كما  ذكرتها الكاتبة )  .
وهنالك  شخصيَّة ” أم  فراس” وهي إمرأة أرملة  نشيطة  تسافرُ كثيرا إلى المدينةِ ( ربما حيفا على الساحل) وتشتري كلَّ  ما  تحتاجُهُ النساءُ  والفتياتُ في القريةِ  من  ملابس  وعطور ومواد  تجميل وتحف .. إلخ .  وهي  قارئة بالفنجان  تأتي إليها  فتياتُ  ونساءُ الحارة ِ يوميًّا  لقراءَةِ  طالعهنَّ  وللحديثِ  معها  أو لشراءِ بعض الحاجاتِ.. وكانت  تعرفُ  كلَّ  أسرار وأخبار القريةِ  ورَبطتهَا  صداقة ٌ حميمة مع  هزار فالإثنتان  أرامل ، وشجَّعت  هزارَ على الزواج من  نبيل  أو  بإقامةِ علاقةٍ  معهُ خارجَ إطار الزواج مؤقتا حتى  يتمَّ الزواجُ … لأنهُ  كانت  هنالك  معارضة ٌ  شديدة  وملاحقة ٌ من  نزار أخيها عميل السلطة  الذي  حاولَ  بكلِّ  الطرق  التفريقَ  بينهما  وإبعاد َ نبيل  كليًّا وتهجيرَهُ وتسفيرَهُ إلى خارج  البلاد  والوطن أو  تلبيسَهُ  تُهمَة ً أمنيَّة ً  للزَّجِّ  به ِ في السِّجن  فترة  طويلة  .  ونزار أخوها  هو  يُمَثلُ   فرخَ  وذكرَ  الوَزِّ المنفوخ  من دون  وعي وَيتبَاهَا وَيتبَجَََّحُ  برجولتِهِ الكاذبةِ أمامَ أختهِ  وإبنتها وهو  يُجَسِّدُ  الرَّجعيَّة َ والفكرَ  الذكوري  المتخلف  والمعفن  ويمثلُ  ويجسِّدُ  العمالة َ والنذالة والإنحطاط الأخلاقي فهوعميلٌ يخدمُ  السُّلطة َ والمخابرات  ويفسدُ على  الناس الشرفاء ( وأمثاله  كثيرون  في  مجتمعا  اليوم  وللأسف  ومنهم الذين يتظاهرون بالوطنيَّة وهم أذناب سلطة) .وهنالك شخصيَّة السيِّدة “جميلة ” وهي امرأة  طيِّبة  القلب  تحبُّ المساعدة َ وتقديمَ  كلِّ ما هو حسن  وفيه خير للناس . وكان  نبيل قد  استأجرَ غرفة ً في منزلها  مع زوجتهِ عندَ  رجوعهِ لأرض الوطن وقد  قدَّمَت الكثيرَ من المساعدات والنصائح لهزار .
وهنالك بعضُ الشخصيَّاتِ الهامشيَّةِ  والثانويَّة في  الروايةِ ..
هذه الرواية كُتِبَت  وَنُسِجَتْ أجزاءٌ من  لوحاتِها وفصولها  بأسلوبٍ  سردي  رومانسيٍّ  شاعريٍّ ، وأجواؤُهَا  ولغتها جميعها  شاعريَّة.. تبدأ  القصة ُ بعد رجوع نبيل البطل والتقائه بهزار في إحدى المكتباتِ في القريةِ.وفي الروايةِ عنصرُ الحوار (ديالوج )…أي  تتركُ الكاتبة ُالأبطالَ  يتحدَّثون مع  بعضهم ..وفي  الكثير من  المشاهد  واللوحاتِ   تتحدَّثُ  الكاتبة ُ بلسان البطلةِ حيث تتركُ الكاتبة ُ بطلة َ  القصَّة  تتحدَّثُ عن نفسها  وعن  ذكرياتِهَا  وتستعرضُ  أشرطة ً عديدة ً من  مسرح  حياتها  سابقا  ، مثل : زواجها  بالقوَّةِ  ممَّن  لا  تريدهُ وكيف خبَّأت طرحة َ العروس تحت التينةِ عندما كانت متفقة سابقا مع نبيل على  الزواج  وحاولت  الهروبَ  مَعهُ  ليلة َ زفافِهَا  من  كريم  الذي لا تريدهُ ولكنَّ أخاها  نزار إعترضَ طريقَهَا ومنعهَا  منَ الهرب.. وتمَّ  زواجُهَا المشؤوم …ويرحلُ نبيل  بعد ذلك  إلى الخارج …وتستعرضُ حادثَ  إنتحار إختها دلال  ثمَّ  الفترة القصيرة التي عاشتها مع زوجها  وحياتها  بعد  موتِ زوجها ..إلخ..   وفي  هذه  الأشرطةِ  والذكرياتِ  التي  تعرضُهَا الكثيرُ من الحوار مع شخصيَّاتِ  الرواية .  وأحداثُ  وفصولُ  هذه  الروايةِ  ولوحاتها غيرُ منتظمةٍ  من  ناحيةِ  التسلسل الزمني  للأحداث، فقد  تكونُ  الكاتبة  في عرض لمشهد عن  فترةٍ  معيَّنة  وتنتقلُ  لمشهدٍ  ولفترةٍ  قبلها وهكذا وبشكل جميل جذاب ومتقن وشيق  فينقلُ القارىء  من  حالةٍ  إلى حالةٍ  ومشهدٍ آخر مُختلفٍ  كليًّا  حتى في  موضوعهِ وأجوائهِ .. قد  يكونُ مشهدا سعيدا ثمَّ  إلى مشهدٍ  حزين أو مشهد عاطفي  ومثير.. ثمَّ إلى  شريطٍ  ومشهدٍ  آخر يختلفُ كليًّا.. وهكذا  وبشكلٍّ   تكتيكيٍّ   فنيٍّ  لبق  على غرار  القصص  والروايات العالميَّة .   والشيىءُ  اللامعُ  والبارزُ  في هذه  الروايةِ  هو عنصرُ التشويق  والإثارةِ  حيث القارىء ..كلّ  قارىء  مهما  كانت  نوعيتهُ  ومستوى ثقافتِهِِ  وتفكيرهِ  يقرأ الرواية َعلى نفس واحدٍ دون إنقطاع ( كما حدث معي فقرأتها حتى نهايتها )  والكاتبة ُ  مُتمَكِّنة ٌ ومتمرِّسة ٌ في  أساليب  الوصفِ  والسَّردِ  فعندما تتحدَّثُ عن أيِّ  موضوع  تصوغهُ وتنصًّهُ بشكل رائع وكامل ومتقن ومثير،  مثل علاقة  (هزار) الجسديَّة  التقليدية  مع  زوجها  كريم  فلم  تكن  تستمتع  معهُ كما يجب لأنها علاقة جسدية  فقط  من دون مشاعر وعواطف  وحب  كالكثير من العلاقاتِ الجسديَّةِ  بين  المتزوجين  في مجتمعنا  العربي غير  المبنيَّة  على  الحبِّ  والإنسجام  الكامل  .  ومثل علاقة  أمها الجسديَّة ( الجنسيَّة التقليديَّة) مع أبيها التي كانت مجرَّدَ  تفريغ  لشحنةِ الأب  ولقضاءِ وطرهِ ويخرجُ بعدهَا مباشرة ً ولا يكونُ  بين الطرفين  أيُّ  نوع  من  الحبِّ والحنان والحرارةِ  والإنتشاء الروحي ..وهذا الأمرُ والوضعُ  ما زالَ يحدثُ وينطبق على الكثير من العلاقاتِ  بين الأزواج   في مجتمعنا العربي  سابقا  وحاليًّا .. فالقسمُ  الكبير  من  المجتمع العربي العلاقات الزوجيَّة  فيه  يكونُ  هدفها لأجل  للجنس فقط وإنجابِ الأطفال وليس للحبِّ  والتفاهم  والإنسجام  الكامل  ( العقلي  والفكري  والروحي  والعاطفي … وبعده  الجنس  والمتعة الجسديَّة وإنجاب الأطفال )..هذا الأمر ما زالَ موجودا ومنتشرا في مجتمعنا العربي والشرقي بكثرةٍ  وللأسف حتى  بين المتعلمين وأصحاب الشهادات .      ولهذا نرى قسما  كبيرا من الفنانين  والكتاب المبدعين وخاصَّة الرومانسيِّين  والروحانيِّين  يرفضون  الزواجَ  أو  يتزوَّجون  متأخرين  لأنهم  لا  يجدون الشريكَ  المناسبَ الذي  يُجَسِّدُهُم روحيًّا وعاطفيًّا ونفسيًّا  وليس جسديًّا  فقط ..لأنَّ الجانب الجسدي ( الجنس) دائما موجدودٌ  ومتوفرٌ لديهم .
وتتحدَّثُ  الكاتبة ُ عن قضيَّةِ  التجنيدِ الإجباري ..وكلُّ  قارىءٍ  سيظنُّ  في البدايةِ  أنَّ  بطلَ وبطلة َالقصَّةِ ينتميان للطائفةِ العربيَّةِ  الدرزيَّةِ  التي فرضَ على أبنائِها قانون التجنيد الإجباري من قبل السلطةِ الإسرائيليَّةِ..(وبالمناسبة  الكاتبة هيام  قبلان هي من  أصل  درزي  وتسكنُ  في  قرية عسفا –  قضاء حيفا )… ولكن  بعد الإنتقال إلى مشاهد  ولوحاتٍ  عديدة   وبتسلسل  أحداث  القصَّة  تتحدَّثُ  الكاتبة ُعن قضايا  وأمور  أخرى   كقضيَّةِ  الإنتماء القومي  وسفر البطل ( نبيل )  للخارج  ورجوعهِ  ومشاركاتهِ  في  المظاهراتِ  في  الناصرة  وغيرها ونصرتهِ للقضيَّة  الفلسطينيَّة  … وشربه  النبيذ مع   فتاته هزار  وسفر هزار واشتراكها في المعارض الفنيَّة  للرسوم … وزواج نبيل من أجنبيَّة  ومشاركة  هزار في المظاهرةِ  بالناصرةِ  مع  نبيل .. لأنه  حتى الآن لا  توجدُ  أيَّة ُ فتاة  أو أمرأة  درزية  في الداخل  تشاركُ  في  مظاهرةٍ  تقامُ  في  الناصرة …  أما  بالنسبةِ   للشبان  والرجال  عند  الدروز  فهنالك  الوطنيُّون منهم  والذين منذ  قيام  الدولة  إلى الآن  يشاركون  في  مثل  هذه  المظاهرات وفي كل نشاطٍ  سياسيٍّ  عربي مناوءٍ  ومعارض لسياسةِ الدولةِ الغاشمةِ والمحتلَّة .. فمن خلال هذا الأشياء  يشعرُ القارىءُ أنَّ  نبيل  وهزار ينتميان لطائفةٍ أخرى ربما  المسيحيَّة  أو  الإسلاميَّة  .. ولا  يُعرف بالتحديد  فكأنَّ  الكاتبة َ تريدُ أن تقولَ للجميع  بشكل لا مباشر : كلنا هنا عرب  بجميع  طوائفنا  وحمائِلنا  (  دروز  وإسلام  ومسيحيون ) ويربطنا  ويجمعُنا  نفسُ المصير ونتكلم نفس اللغة ولنا نفسُ العاداتِ والتقاليد والتراث ..ولهذا  يجب أن نكونَ  موحدين  فالسِّياسة ُ السُّلطويَّة ُ الغاشمة   تستهدفنا  جميعا … وكما  قال أميرُ الشعراء أحمد شوقي : ( ولكن كلنا في الهَمِّ  شرقُ )  .
وممَّا  يُمَيِّزُ هذه الرواية أيضا : أنها تنتهي عكسَ ما  كان  يتوقعهُ  القارىءُ  حيث  تنتهي  نهاية ً  مأساويَّة ً  تراجيديَّة  بموتِ  البطل  وهو  يقودُ  ويُوَجِّهُ مظاهرة ً كبيرة ً في  مدينةِ  الناصرةِ  وتكون  بقربهِ  حبيبته هزار .. والقليلُ من القصص والرواياتِ العربيَّةِ  تنتهي  نهاية ً مأساويَّة  تراجيديَّة  على هذا النمط  .  وفي  نهايةِ  الروايةِ  تُصَوِّرُ الكاتبة ُ مشهدَ ( موت البطل) تصويرًا رائعا مثيرا حيث تقول: ( “إستمرَّت تتسَاقطُ  الجثثُ واستمرَّ ركامُ  الجرحى ، وحطام من تأوهات المتضرِّرين  بالغاز المسيل للدموع ! أكوام من  البشر حول ” نبيل “! بصعوبةٍ  تحشرُ جسدَها بينهم جميعا ، و”نبيل” يزحفُ على  ركبتيهِ  ويمسكُ  بيدِهَا  الممدودةِ ، وأخيرا تستطيعُ الوصولَ إليهِ !  .  إلتقطت  يَدَهُ  المُمَرَّغة  بدمائِهِ وهبطت  أرضا  تتلقفهُ  بين  يديها  العاشقتين  لِتُسندَ رأسَهُ المنازفَ حبّه على صدرها… يغمضُ جفنيه  ويفتحهما  ويحاولُ إلتقاط َ أنفاسه ، ودماؤُه  تتناثرُ على ملابسها، وشعرُها  المبعثرُ يسقطُ  على   وجههِ ! ..عيناهُ  تستغيثان  بعينيها .. وفمهُ  يُزبدُ ويرغي وتتحشرجُ أنفاسهُ :
–  “هزار” .. أنتِ   وطني .. أغفري  لي ..
على صدر هزار  كانت  شهقتهُ الأخيرة .. وأسلمها روحَهُ !
ناحت السماءُ  باكية ً، وَجفَّ الدَّمعُ  والمطر ! ” ))  .
في هذه الروايةِ  نجدُ العديدَ من الجوانب  والمواضيع  والأبعاد الهامَّة التي ركَّزت عليها الكاتبة ُ، مثل :
1 – الجانب العاطفي  (  قصة  الحب بين  نبيل  وهزار  ) .
2 – الجانب الإجتماعي  والعادات  والتقاليد التي  كانت  وما  زالت  مالوفة ومتبعة .
3 –  الجانب والبُعد الوطني  والقومي
4 –  الجانب والبُعد الجسدي  والجنسي  .
5 –  الجانب  الفلسفي  وحكمة الحياة  .
6 – الحانب والعنصر الفني والجمالي في القصَّة
تستعملُ وتدخلُ الكاتبة ُ في  هذه الروايةِ  الكثيرَ من  المشاهد  والصور الجنسيَّةِ  المثيرةِ  والمترعةِ  بالأجواءِ  الرومانسيَّةِ  وتمزجُ  فيها  بين الحبُّ الروحي   والحبِّ  الجسدي … بين الدفءِ  والإنسجام   والمشاعر  والتناغم الروحي والفكري والعاطفي والتوهج والجسدي..وتصوِّرُ بريشتِهَا الإبداعيَّة  تألُّقَ  وتوَهُّجَ الجسد وتأجُّجَ  الإثارةِ  بعدَ  المغازلاتِ  والملاطفاتِ  والتناغم  العاطفي وبلغةٍ شاعريَّةٍ جذابةٍ أخَّاذة .. وهي  قريبة ٌ كثيرا إلى  نمطِ  الكاتبةِ  الجزائريَّة  الكبيرة  ” أحلام مستغانمي”  في هذا  الصَّددِ، ولكنَّ هيام  تمتازُ  عنها وتتفوقُ عليها  في ببراعتِهَا وتفننها ولباقتِهَا ورشاقةِ أسلوبها الأدبي في الكتابةِ ، وبإضافتِهَا  للوحَاتٍ  ولصور  شاعريَّةٍ  رومانسيَّة  خلابةٍ  لمجرى الأحداث ..( فبإختصار إن هيام  قبل أن  تكون روائيَّة ً وقاصَّة  هي شاعرة  كبيرة   ومحترفة    فتضيفُ  وتدخل   لروايتها   وقصصها  الطابعَ   والجوَّ الشاعري واللغة َ الشِّعريَّة ).. وأما أحلام مستغانمي  فكاتبة ٌ  كبيرة  ومميَّزة  ومعروفة ٌ عالميًّا  ولكنها  ليست شاعرة .. فالنفسُ والحِسُّ الشاعري الجيَّاش واللونُ والطابعُ الرومانسي دائما يُضيفُ  للعمل الإبداعي  وللَّوحةِ  والمشهدِ الدرامي  جماليَّة ً وسحرًا  ورونقا  أخر  كما  نراهُ  عند  هيام … وكما  أنني  أجدُ هيامَ أعمقَ وأشملَ وأوسعَ منها في طرحِهَا  لكلِّ  فكرةٍ  وموضوع وفي مداخلاتِهَا وفي مشاهدِهَا الدراميَّة ِ وفي  تفسيرها وتحليلِهَا  للأمور والقضايا   من  خلال  الحسِّ الدرامي القصصي- الروائي .  فهي  بعيدة ٌ عن السطحيَّةِ  والركاكةِ والتكرار والكلام المستهلك لتعبئةِ السطور والصفحاتِ  كما  يفعلُ  بعضُ  الروائيِّين  وكتابِ  القصص .. فروايتها هذه  كاملة ٌ متناغمة، سلسة، متماسكة،  قويَّة  في  بنائِها  ونسجها وتنسيقها  وتسلسل أحداثها ، وفيها  كلُّ  مقوِّماتِ  العمل  الرّوائي  الإبداعي العالمي المميَّز .  وهي قد  تُضاهي  في  مستواها الكثيرَ من الرواياتِ المشهورةِ لكتابٍ عالميِّين وتستحقُّ هذه الرواية  أن  تترجمَ  للعديدِ من اللغاتِ وأن توظَّفَ أيضا  لعمل تمثيليٍّ دراميٍّ  كبير.. لفيلم أو مسلسل  تلفزيوني … وهذه الرواية ُ( رائحة الزمن  العاري) إنسانيَّة بكلِّ معنى الكلمة، إجتماعيَّة ، فلسفيَّة ( فيها  فلسفة  الحياة  والوجود  والبقاء وفلسفة  النضال لأجل غدٍ  جميل  مشرق…وللتحرير )…أي  لأجل التحرير الإنساني والإجتماعي أوَّلا والتَّحرُّر من الإحتلال).  والرواية أدبيَّة ٌ ووطنيَّة  وسياسيَّة  أيضا   حيث   تمزجُ   كلَّ   هذه   العناصر  والمواضيع  المختلفة  والمتداخلة  مع  بعضها  البعض… وقلما  نجدُ  روايات   وقصص  في  هذا المستوى  والبعد والعمق  والإلمام  والإلتحَام  والإجماع الشامل لكلِّ الأمور والقضايا  المذكورة  .
ومن المشاهد الشاعريَّةِ  الرومانسيَّةِ تقول الكاتبة ُ:( ” لكن.. أنفاسها الباهتة بُغتت  فجأة ً ، فاستغاثت  بهمس خائفٍ  مجروح : ” نبيل ” ..” أينك ”   ؟ .  خطوة فقط ، وتعتكف  خاصراتها بمحراب أحضانهِ ، وبرفق العاشق  يحيط  بمرفقها ، ويحتضنُ حسَدَها  الذي وقفَ عاتبا على محطاتِ العمر ،  فتميسُ بخصرها الضَّاج  بأنوثةٍ  ناضجةٍ ، وتتلوَّى  بين  يديهِ  نشوة ً وحياءً ! .. لم تتردَّدْ يداهُ  بمفاجأتِها، حينَ تلمَّسَتا  ذبالة َ الشَّمعةِ المُضيئةِ، لتحترقَ أناملهُ ، ليصدِّقَ أنهُ  بكامل صحوتِهِ ، وأنهُ يحتفلُ  بقدومِها .. ) إلخ .
وهنالك العديدُ من اللوحاتِ الشعريَّةِ نظمتهَا الكاتبة ُعلى لسان  بطل وبطلةِ القصة  ( الفنان والشاعر ” نبيل ”  وحبيبته ” هزار ” ) حيث  تقولُ  الكاتبة على لسانهما : ( – كنتُ أهيِّىءُ  لقدومِكِ ..أردتُ أن أحتفي  بأصابعكِ اللاتي اشتقتُ  لتقبيلها .
–  مفاجأة ؟ هل تحتفل ؟
–  دعيني أعلنكِ   الليلة َ ” عروسَ  البحر ” و “عروس حيفا ” القادمة  من  وراءِ  تلال  كنعان !
أيتها الممشوقة ُ بورد  من  إكليل  جبليّ  !
تعالي إليَّ  ولا تنهري  الوقتَ ، ولا   تعدِّي الدقائق !
كوني كما  تشائين !   //  أنا  لك  وبك  أكونْ !   //                            يا  رجلَ المساماتِ كم  انتظرتكَ !
دع المساءَ   يحتفل  بكلينا ..
منذ  عشرين عاما  وأنا  أضيىءُ الشُّموع ..
واليوم  أضيئُني  شمعة ً منذورة  لك !
” كل عام وأنتَ  الغدُ  والامل ” !                                               كل عام  وأنتَ أنا
وكلّ  لحظةٍ وأنتِ  شمعتي  التي  تضيئني  ، وكلّ  عام  وأنت  لي  برباطنا المقدَّس  ”  )
وتتابع الكاتبة ُ هذا المشهد العاطفي الرومانسي بين  بطليِّ القصَّة :
( ”  أخرجَ  من  جيبهِ  علبة  صغيرة ..  فتحها وهو يديرُ جسدَهَا  المحفوف  باللهفةِ  إليهِ ..
هاتي  يدَكِ ..  //
–  ماذا   ؟
أيُّ إصبع  تُحبِّين ؟
ما ..  ماذا  ؟  //
–  أعلنكِ  زوجة ً  لي أمامَ  اللهِ ،  وأمام  البحر .. أمام  السَّماء ، وأمام  الليل  والنجوم  والقمر .. وأمام  الشموع المبتهجة بلقائِكِ .. هل  تقبليني  زوجا  يا  ” هزار ” ؟ !
خاتم  من أوراق  النرجس  الجبليّ ؟
إهتزَّ إصبعُهَا وعزَفَ رعشة ً على وتر  ولون، وضاعت  شهقتها في رفيف لمسة،وأصابعها تهاوت، فزعقَ الفراغ ومائت شفتاها بقبلةٍ خجولةٍ، فامتصَّ  رحيقهما الأرجوانيّ !
علبة أخرى  تقافزت لوعة، فيها خاتم آخر..ناولها إيَّاه  لتضعَهُ  في إصبعِهِ !
–  أعلنُ  نفسي   زوجا وحبيبا  وعشيقا .. فهل  تقبليني ؟
–  وأعلنُ نفسي  زوحة ً وحبيبة ً وعشيقة ً.. فهل  تقبلني ؟
مباركٌ لنا هذا الرباط  المقدس يا زوجتي الحبيبة ! دون مأذون ودون  كاهن أو  أوراق ! فقط  قليل من نبيذ الآلهة  نحتسيه حُبًّا ، دون  ترتيل في كنسسةٍ  ولا زغرودة  في زفة، ودون راقصةٍ على بابِ  الفرح! فقط ، وفقط أجراس قلبينا  تقرعُ  جسدَينا  بروحَيْنا ، فتطوِّبُنا  بالحبِّ الأزليِّ ! .. إلخ  ) .
وتتابع الكاتبة ُ هذا المشهد  العاطفي واللقاء الجسدي بين البطلين (  صفحة 180  –  181 )  :
(” كلُّ ما في المكان  يتهاوى، ويتساقطُ  كأوراق التينةِ، كأعشاش العصافير  وحوريَّات البحر، وكصوت  ” شهرزاد ” يشهق  لونُ الرماد، ليعلنَ  الزمن العاري رائحتهُ، رائحة الحقيقة  !
.. وها  هي الأنثى التي صفعَهَا  الدهرُ  دهرًا من الحرمان  ، عادت  تمتشقُ  لونَ العشق على جسدِ حبيبها الثائر بالشَّهوةِ  والرجولةِ ، والسَّاخن  بالدَّهشةِ    والذكورة !عادَا  معًا  يتصبَّبان عطرًا ، ولم  تلبث الأشياءُ  في الغرفةِ  تغبِّطُ  روحين  تتمرَّغان  بجسدين امتطيَا  سريرَ الدَّهشةِ الملوَّعة، وغابا في سباتٍ  عميق عن المكان  والزَّمان !  .  لفَّهُمَا غطاءُ السَّرير بحنانِهِِِ ، وغابَ  ضوءُ الأنين بلذةِ الجسد، فكانت الرُّوحُ  تنادي نزفَ ليل  بعد ليل من أغنيات البُعدِ  والشَّوق ، وتناغي عزفَ  ليل بعد  ليلٍ  من  موشَّحات الغُربةِ  والرَّحيل ! .
وتقول : (” كان العمرُ  يُعرَِّشُ على الجدران ، ويتعمشقُ على النوافذ  كأنما يتأرجحُ  بين الآهةِ والأخرى بمجنونين في زمن الغفلةِ، وما  بين  الصَّحوةِ  وبين النشوةِ ، كانت  الكؤوسُ الفارغة ُ على الطاولةِ  تهتزُّ  لائمة ً، وتحملقُ في وجهيهما تستحثهما، وتنظرُ عَطشَى  لنبيذِ  الوقت ! ” ) .
وهنالك الكثيرُ من  اللوحاتِ  والصور الشاعريَّةِ  الجميلةِ  المترعةِ  بالحسِّ   الوطني  والإنساني الجيَّاش ، مثال على ذلك ( صفحة 202 ) :
( ”  تعالي يا  غاليتي، فالوقتُ يتلوَّى، بعد أن  نبتت زعانفُ  الليل المتطاول في  أرحام  أحلامِنا المغتصبة ، فماذا  تغيَّرَ  في هذا العالم  يا ” هزار ” ؟   …  حيفا  هي حيفا ، وملحنا  الذي   سُلبَ  واغتيلَ   يوما ، ما  زالَ  مُستلبًا  مُغتالا ، والنساء  الحوامل  لا  يلدنَ  إلاّ  ضحايا ، والترابُ الممزوجُ  بدماءِ  الذين  رحلوا ،  لا  يُنبتُ  سوى الرَّماد ، والرمادُ  لا  يُشبهُ  إلاَّ  الرَّماد !  ..  رمادٌ  برائحةِ  الغسق  والموت ، برائحة  الفجر  والبحر ، وبرائحةِ  أنفاسِكِ  فوق  الثرَى ! رمادٌ بنحيب القبور في طرف القريةِ، ورمادٌ  بعيون تطلُّ من  وراء الأسلاك عبرَ الحدود !  .
هل ستغادرنا الأرضُ أم  نغادرها ؟ هل سيحمينا الوطن أم  نحميه ؟ ” )  .

تتطرَّقُ الكاتبة ُ بإسهاب إلى موضوع الجنس بشكل عام  والكبت والجوع الجنسي  عند   النساء   والفتيات  العربيَّات ، وخاصة  عند  النساء  الأرامل والمطلقات اللواتي لا يسمحُ لهنَّ المجتمعُ في إقامةِ علاقاتٍ  مَحذورةٍ  خارج إطار الزواج فالبعضُ منهنَّ  يعملها بالسر، والكثيراتُ يحترقنَ من الحرمان وتأجُّج  نيران الشهوةِ .. وهذه  مشكلة ُ الكثيرين  في المجتمع العربي  وليس فقط النساء إذ  تشملُ  قسمًا لا بأس به  من الرجال أيضا .. وتتحدَّث  الكاتبة ُ أيضا عن الثقافة الجنسية وأهميَّتها وأن  شريحة  كبيرة  من المجتمع العربي  تفتقرُ إلى هذه الثقافةِ ( حسب  مجرى القصة عندما  اشترت هزار كتابا عن الجنس والعلاقة مع الجسد  فيه شرحٌ وتفسيرٌ لكل النقاط الحسَّاسةِ  والمثيرةِ التي فيهِ وأهمية هذا الجسد وكيفيَّة الإعتناء به ..وكيف عندما حاولت تطبيقَ ما  قرأتهُ مع الأرملةِ أم  فراس أثارتهَا وأهاجتهَا جنسيًّا بشكل  كبير لخبرتِهَا النظريةِ التي اكتسبتها من مطالعة  هذا الكتاب .. وهذا نتيجة  لحرمانِهَا  مُدَّةً طويلة ( أم  فراس) ولعدم  خبرتها بمواقع  وأجزاء الجسم  جميعه  وخاصة  الحساسة منه  والأماكن  والنقاط التي  فيهِ  تثيرُ  وَتُؤَجِّجُ  نارَ الشهوة ..
وتطرَّقت بإسهابٍ  إلى  موضوع الرجل  والمجتمع الذكوري ( العربي  والشرقي ) وشهوةِ السيطرة  وحبِّ  التملكِ  والإستغلال عند الرجل الشرقي للمرأةِ التي كانت وما زالت  مضطهدة إلى الآن ، فالرجلُ الشَّرقي ينطرُ إلى المرأةِ  كجسدٍ  ومتاع  ومصدر  للذةِ  والمتعةِ  ولأجل إشباع  رغبتِهِ وتفريغ  طاقتهِ  المخزونةِ  والمكبوتةِ  ولإطفاءِ  شبقة  ونيران  شهوتهِ  الجامحة .. ولا ينظرُ إلى المرأةِ  كروح وكيان وعواطف ومشاعر  وإحاسيس وكإنسانةٍ  وشريكةِ حياةٍ  ومصير وكحبيبةٍ ورفيقةِ درب وأنَّ الجنسَ والجانبَ الجسدي مع أهميتِهِ  يأتي  فيما  بعد  وهو  يكملُ الأشياءَ التي  ذكرت  وليسَ  الجنس لوحدهِ  يبقى في  سلَّم  الأوَّليَّات  وهو كل  شيء .
تتحدَّثُ الكاتبة ُعن الأرملةِ  والمطلقةِ  في  المجتمع العربي  وكيف  تصبحُ محَطَّ  أنظار الناس  والعيونُ  دائما  ترمُقهَا وتراقبُهَا  إلى أين  ذهبت وكيف خرجت  وماذا  لبستْ وماذا أكلت وكيف سَرَّحَتْ  شعرَهَا.. وحتى إلى أبسط  الأمور التافهة..وتصبحُ مطمَعًا وهدفا وكأنها صيدٌ سهلٌ للرجال ..فالكثيرون يفكرون فيها  ويحاولون  إقامة َ علاقةٍ  مُحَرَّمةٍ  معهَا  خارجَ  إطار  الزواج  نظرا لكونِها لا يوجدُ  لها زوجٌ  وأنها محرومة وبحاجةٍ  إلى جنس  فأنوثتها    متعطشة  وتحتاجُ  لمن  يُلبّي رغبتهَا ويطفِىءُ  شهوتهَا  ويخرجُهَا من  كبتِهَا  وحرمانِها  ويسدُّ الفراغ َالجسدي ( الجنسي) والعاطفي والنفسي الذي  تعاني منهُ ..هكذا  يفكرُ الكثيرون  في مجتمعِنا  العربي بأسره.. مثال على ذلك في هذه الرواية 🙁 عندما حاولَ البستانيُّ إقامة َعلاقة مع هزار عن طريق القوةِ  والإغتصاب عندما  كانت تغتسلُ  في الحمام وقد  انقذهَا من  براثنِهِ  صوتُ  ابنةِ  الجيران عندما  جاءت بالصدفةِ  فولَّى البستانيُّ هاربا )  وأيضا قصتها مع  ” أدهم ” الشاب المتعلم  الذي فكرَ  فيها  كعلاقةٍ  جسديَّة لا  أكثر وليس علاقة  حبٍّ واحترام  ولمصير مشترك..وقد غيَّرت رأيهَا  فيهِ  بعدما  كانت  بانية أحلاما عليهِ  وأنه  سيكونُ عشيقهَا وحبيبَهَا  ورفيقَ دربها وسَندَها  في السَّرَّاءِ  والضراء ، وعرفت  مؤخرًا أنه  في علاقةٍ  مع   فتاةٍ  أخرى  يريدُ الزواجَ  منها  فتركتهُ  ورجعت وتعلَّقت  بحبِّهَا  الأول والحقيقي والصادق ، بحبيبها “نبيل ” الذي  يختلفُ عن كلِّ الرجال فوجدت فيهِ ضالتها  المنشودة وكلَّ ما  تتمناهُ  وتريدهُ : الإنسان المحبِّ الصادق المخلص والوفي  والأمين  والشاعرالرومانسي والفنان المبدع الذي يُجسَِّدُهَا  فكرًا وروحا وعقلا  وقلبا  ونفسا .. إنهُ رجلٌ  ولا كلّ الرجال… ولكنَّ القدرَ لم  يحقق أمنيتهَا مع حبيبها ..وتنتهي القصة بشكل مأساويٍّ حيث  يموتُ  نبيل  في المظاهرةِ  برصاص رجال الشرطة…وللأسف أيضا أقولها: إنَّ الكثيرَ من قصص الحبِّ الحقيقيَّةِ  الصادقةِ   والشريفةِ  والمُتوَهِّجَةِ  في  مجتمعنا  العربي  سابقا  وحتى الآن – في القرن الواحد  والعشرين عصرالعولمة والكومبيوتر – لا  تنتهي  وتتكللُ بالزواج  بين المُحِبِّين والعاشقين  فيكون الأهلُ  والمجتمعُ  بفكرهم  الرجعي عائقا  وحَجرَ عثرةٍ أمامَ  إلتقاءِ  واجتماع  قلبين وروحين طاهرين وطائرين  بريئين  في رباطٍ  مقدس  يباركهُ ربُّ  الكون والوجود   .
وأحبُّ أن أضيفَ : إنَّ عنوان هذه  الرِّواية  ( رائحة الحزن  العادي )  لهُ  عدَّة ُ دلالاتٍ  ورموز ومعان… وكلمة ُ( الرائحة ) كما هو  واضحٌ  بمعناها  في الرِّوايةِ  تجسِّدُ رائحة َ الجسدِ  المحروق  والشّواء واختلاط  الدم  بتراب الوطن  ورائحة  الشواء البشري ( وهي نقطة هامَّة ) .. وتدلُّ على استغلال  العمالة وانتهاكهم  حرمة الأرض والعرض وبيع  الجسد والضَّمير الإنساني  والإحتفاء بولادةِ ( الذكر)  وإطلاق  الرَّصاص لولادتهِ وإقامةِ الولائم  وذبح  الذبائح …  وأمَّا  البنت  ( الأنثى )  فتعتبرُ  رقمًا  من  الأرقام  التي  تضافُ  لأفرادِ  الأسرةِ  .
وأخيرا أتمنى  للكاتبة والشاعرة الكبيرة  المبدعة “هيام مصطفى قبلان ” العمرَ المديدَ  والمزيدَ  من الإصدارات الإبداعيَّة – شعرا  ونثرا…وأشكرُهَا  جزيلَ  الشكر  لإهدائِها  لي  نسخة ً من  هذه  الروايةِ  القيِّمة .          …مبروك لهذا الإصدارالرائع وإلى الأمام دائما  في طريق النور والإبداع .

بقلم  : حاتم  جوعيه  – المغار – الجليل  – فلسطين

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة