المضحكات (9)

فن وثقافة (:::)
بقلم : عبد الرحيم الماسخ – مصر (:::)
33} ادعاء }
للناس في محاولة تغيير واقعهم للأحسن طرائق كثيرة منها ما هو ذهني كمحاولة قرض الشعر والرواية والأدب الشعبي , ومنها ماهو نفسي كالشطحات الصوفية التي عرفها الناس على تباين اتجاهاتهم ,,وفن اليوجا وجلسات التأمل والسحر أيضا تعتبرمن المحاولات التي تنسج خيالا يُساكن الواقع ويطغى عليه أحيانا فيُخفف من وطأته بفتوحاته الضبابية , فإذا بالإنسان يتبع واقعه من مُدرَّج المتفرجين فكأنه خارج زمنه وكأن واقعه لا يخصه بكل أطروحاته الكاسبة و الخاسرة , ورغم كل ما سمعنا عن كرامات الأولياء وإنجازات الصوفيين التي تشتبك أساطيرها في بعض الأحيان صانعة شِباكا لصيد الواقع وتشتيته بين ظلال وهمية, فإننا رأينا رجلا من زماننا كان يدَّعي صعوده في درجات علم الحقيقة واختراقه حُجب الغيب , وكان مُولعا بالأذكار الغنائية التي تنتشر في ربوع مصر , وكانت آية ُ بلوغه درجة الصفاء أن يحمل النار المُوقدة في بردته القطنية عيانا جهارا ولا يحترق , فإذا هام الذاكرون على تجليات المدّاح الذي يُفصِّل شعر ابن الفارض ثوبا شفّافا للآلات الموسيقية القديمة كالناي والرق والكمان والعود ويسحب النغمات الراقصة من أغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ………….. إلخ ليلَيِّن أجساد الرجال المُتمايلين إلى آخر الدوران المتقاطع أفقيا ورأسيا , وإذا صفا الجو فكأن السماء تقترب من الأرض , وجاء رجل البخور بمَجْمرته النحاسية العتيقة وألقى العود والند على صفحة الجمر المتأجج , فتطاير العبق الروحاني الحنون الساحر , وبدأ ذلك الرجل الطواف حول الذاكرين , هجم عليه ذلك الدعي فاتحا طرف بردته يصيح : أنا القطب الجبار الذي لا يخاف النار , وأفرغ المجمرة في طرف بردته وسط نظرات الإعجاب والريبة أحيانا وطاف بها يصيح : أنا هنا فأين أنتم ؟ , الناس يتأملونه متعجبين ويهتف له بعضهم : شهدنا لك أنت قطب الأقطاب , ظل ذلك الرجل يفعل تلك الفعلة في كل حلقات الذكر القريبة منه بثقة لم تنكسر إلى أن جاء يوم وتنبّه بعض الناس له وهو يدخل الظلام أولاً قبل كل فعلة يفعلها من تلك الأفاعيل ثم يخرج من الظلام ليستقبل الجمر في بردته بثبات , فتتبَّعُوه , وإذ ترك الذِكرَ ودخل الظلام دخلوا وراءه متلصصين فرأوه ـ ولم يرهم ـ وهو يبُلُّ طرف بُردته بالماء , ثم أسرع لاستقبال الجمر الملتهب وهو يصيح كالعادة , فصاحوا به : إن كنت قطبا حقيقيا افتح حِجرك واحملْ فيه النار , وفتحوا حجره عنوة وأفرغوا فيه المجمرة فصاح : النار النار ثم اشتعل !
********
34} كشف }
لم نر بأعيننا كثيرا من الأحداث التي أثّرت فينا بدرجات متفاوتة , وقد اختلط صدقها وخيالها في نسيج واحد يوحي باقتراب البعيد ويُسر العسير , وقد كان لحكايات الصوفيين المشهورين بالزهد في الدنيا والرضا باليسير من مباهجها مع السعي الدائم لتنظيم حلقات الذكر والسياحة ما بين المقامات المتناثرة في ربوع البلاد أثر كبير في إثراء الذاكرة وتنشيط الخيال بقطوف من الحكمة والمواساة مع فتوحات عظمى لأبواب الأمل ومطاردات مُثيرة لفلول اليأس إلى آخر أركان الدنيا , و هناك من النوادر التي اشتهرت في ذلك المجال وأثارت الاستغراب والشك أحيانا كمحاورات رجال الطرق الصوفية المختلفة ومبارزاتهم التي يحاول كل واحد منهم من خلالها إثبات أحقِّيته بالرياسة الصوفية مما لا نعلم صدقه من كذبه , نذكر هنا واحدة من تلك المبارزات فقد حكوا قالوا : التقى رجلان من رجال الطرق الصوفية لا يعرف الشهودُ سِرّهما , ويُقال أن سر الصوفي العظيم إذا انكشف عنه هلك في الحال , فقدَّم أحدهما للآخر إناءً به ماء , وإذ رفع الآخر الإناء إلى فمه انقلب الماء الذي فيه لبنا خالصا , وقال له صاحبه اشرب اللبن يا بُني فقد ظن أنه بفعلته تلك غلبه , فقذف الرجل الصوفي الآخر عصاه في الهواء فارتفعت ثم وقفت مصلوبة بين السماء والأرض ونظر إليها ثم قال لصاحبه : إن كنتَ أبي حقاً أنزلها لي فأنا لا أستطيع استرجاعها لأني صغير , ثم مات الصوفيان في الحال بين تصديق الشهود وتكذيبهم !
*******
35} ذكاء }
الذكاء كالسكِّين يُستعمل في النفع كما قد يستعمل في الضرر , والأذكياء كما أنهم يطرحون على المجتمع من خوارق أفكارهم ما فيه النفاذ إلى الفائدة منهم من يمدُّ لغيره حبائل الخداع بلا وازع من ضمير , ومن درجات الذكاء {1} الذكاء اللمَّاح وهو الذي يفرض على صاحبه حلا مناسبا للمشكلة فور وقوعها , لقد كان لنا زميل دراسة بالجامعة لم يستطع دفع المصروفات المقررة , ولحظة دخولنا الامتحان إذا بحرس الجامعة بالباب , ولم يسمحوا بدخول من لا يحمل الكرنيه وكان ذلك الكرنيه لا يتم استخراجه إلا بعد دفع المصروفات , لذلك لم يتمكن هذا الزميل من دخول الامتحان من لحظته , فذهب إلى حديقة الجامعة ثم عاد وفي يده إيصاد سداد وهو يصيح : دفعت المصروفات وهذا هو الإيصال , فقال له الحرس ولم يطالعوا الإيصال الذي في يده : ادخلْ وفَّقك الله , وبعد خروجنا من الامتحان سألنا ذلك الزميل : من أين أتيت بكل المصروفات المقررة عليك فدفعتها في لحظة ؟ فقال ضاحكا : إن الإيصال الذي دخلت به الامتحان هو إيصال دفع فاتورة المياه وقد كنت محتفظا به احتياطا لمثل هذا الطارق . {2} الذكاء الخارق : وهو الذي يخترق بصاحبه أستار الأشياء الظاهرية ليقرأ ما وراءها , لقد حدّثوا قالوا : أن قاضيا شكا إليه أحدهم صاحبا له اقترض منه قرضا ثم لم يعترف له به ولم يكن بينهما شاهد إلا شجرة تم الاقتراض بينهما في ظلها , فسأل القاضي الرجل المقترض عن مدى صدق صاحبه في شكواه ضده , فأنكر أسباب الشكوى بالمرة , فأمر القاضي الرجل الشاكي أن يذهب إلى تلك الشجرة التي أقرض صاحبه في ظلها لعله يجد نقوده هناك إذ أنها ربما تكون قد سقطت من صاحبه أو منه لحظة إجراء عملية الاقراض , , وأبقى ذلك القاضي الرجل المقترض بجانبه , وطال الوقت والقاضي يحكم بين الناس , حتى أحس أن الرجل نسي ما أُحضِر من أجله ففاجأه قائلا له : تأخّرُ صاحبك أتُرَى الشجرة بعيدة إلى هذا الحد , فقال الرجل بتلقائية : نعم هي بعيدة جدا , وبذلك اعترف المُقترض بتمام عملية الإقراض بالكيفية التي ذكرها صاحبه .
{3}الذكاء القاتل : هو الذي يُدخل صاحبه فتوحات فكرية سابقة لعصره ربما تجلب عليه الشقاء وقد تهلكه دون أن يعرف الناس له قدرا , ثم يتم اكتشاف خطره بعد فوات الأوان وهو مفيد للبشرية بقدر ما هو ضار لنفسه , مثل جرهام بل الذي اخترع الهاتف بعدما أنفق كل ماله على ذلك الاختراع ثم اضطر لاقتراض عشرة آلاف دولار حتى أكمل اختراعه , وعندما نفذّت إحدى الشركات ذلك الاختراع بنجاح أرسلت مندوبها إليه برسالة شكر ومائة دولار مكافأة

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة