آلهة من ورق

اراء حرة (:::)
بقلم : حامد الاطير – مصر (:::)
يولد العربي وفي يمينه سيفه الذي سيُقتل به وفي يساره صك عبوديته ، وفي رقبته أغلاله التي يقبض عليها أسياده ، يرخونها له أو يجذبونه منها حسب مشيئتهم ، يولد وهو مستعبد لبشر مثله ، يتحكمون فيه ويتلاعبون بحياته ومصيره ، يولد وهو مملوك لحكامه بكل ما تُعنيه المِلكية من معنى ، فهو لا يعدو إلا كونه عبدا أو متاعا أو رقيقا لهم كما كان حال آباؤه وأجداده ، هؤلاء الحكام يتنوعون ، ما بين حكام ديكتاتوريين يتبؤون عرش الحكم ويتولون شئون البلاد والعباد –عبيدهم- وليسوا عبيد الله ، وما بين أمراء وقادة فرق دينية أشد ديكتاتورية من الجالسين على العرش .
الحكام يتجبرون كيفما شاءوا ويتسلطون كيفما شاءوا ويستبدون كيفما شاءوا ويطغوّن كيفما شاءوا ويجوروّن ويقهروّن كيفما شاءوا ، يغتصبوّن وينهبوّن من الخيرات كيفما شاءوا ، ويستبيحوّن الحرمات ويقطعوّن الرقاب كيفما شاءوا ، يظنوّن أن الأرض وما عليها ومن عليها ملكا لهم وإقطاعيه أورثها الله لهم إياها ، لا رد لمشيئتهم ولا معارضة لأوامرهم وقضائهم ولا مراجعة لشطحاتهم وسياساتهم المأفونة ، وكيف هذا وهم لا ينطقوّن عن الهوى !  كل منهم سيدا وحصورا ، هم فقط العقلاء وسكان ممالكهم حمقى وبُلهاء ، هم الأقوياء والأمناء ، فلا قوي غيرهم ولا أمين سواهم ، هم الفجر والضياء لممالكهم ومملوكيهم ومن دونهم الظلام والعتمة ، عجزت النساء أن تلد مثلهم وعقمت الرجال أن يكون لهم مثل نطفة آبائهم ، هم المبتدا والمنتهى ، لا يقيمون للناس وزناً ولا يعرفون للعدل طريقا ، لا يلتزمون بدستور أو قانون ولا يعيرون الرأي والمشورة اهتماما ، يزدرون المجالس النيابية الشكلية التي ما أُنشأت وأُسست إلا وجاهة لتزين تاج ملكهم وتوشى حدود ممالكهم ، طاعة الرعية لهم أمر حتمي حتى لو عاثوا في البلاد فسادا وسقوا الناس الظلم والذل والهوان كئوسا ، من دار في فلكهم وأحنى الرأس ذلاً فهو من المُقربين المكرمين المنعمين ، ومن تجرأ ورفع هامته وانفك لسانه بقولة حق فقد هوى في أتون وجحيم لا مستقر له ولا قاع ، في ممالكهم عصيان الرعية لله من المسموحات أما عصيانهم لحكامهم فمن المهلكات .
أما الحكام الآخرون الذين يتبوءون عرش الدين ، أمراء وسدنة وكهنة ، فهم أشد بطشا وأذى وإيلاما للناس ، لأنهم انتزعوا من الله إلوهيته وربوبيته ونسبوها لأنفسهم ، نصبوا أنفسهم آلهة تمشي على الأرض ، بل لقد علوّ على الله وعلوّ على إرادته ، فأقاموا للناس الميزان والحساب في الدنيا والله يقيمه في الآخرة ، أضاعوا على الناس دينهم وفرقوهم شيعا وحيروهم بضلالتهم وتأويلاتهم الباطلة وحادوا عن مراد الله من رسالاته السماوية ، افترقوا وانقسموا إلى فرق عدة ، وكل فرقة تدعي الحق المطلق وترجم وتُسفه وتُحقر وتُكفر باقى الفرق وأتباعها ، يصبون في عقول الخلق الضلالات والخزعبلات والظلاميات ويحكمون بإيمان هذا وإلحاد وكفر هذا ، يسفكون دم هذا ويقتلون هذا ، يفرقون بين  المرء وأبيه وأخيه وزوجه وبنيه ، وتمتد أيديهم لما يملكه الناس فيسلبوهم مالهم بدعوى التبرع للجهاد والكفاح ، وما كافحوا عدوا ولا قاتلوا مُستعمِرا ، يفتشون في ضمائر الناس ونفوسهم رغم أن البواطن لله ، ينفرون الناس من الحياة الدنيا وزخرفها ويحيون فيها كالأباطرة ، يودون لو ارتدّوا بنا ألف علم لنبقى كائنات متحفية يُشاهدها العالم ويتندر عليها ، يودون هدم هذا العالم فوق رؤوس ساكنيه ، وكأن الله أرسل نبينا الكريم برسالته لإفناء العالم وتدميره ، وكأن نبينا الكريم منحهم تفويض لإبادة البشر وقتلهم وسبيهم وأسرهم ، تلك الآلهة البشرية الباطلة الظالمة لا تملك عقلا يفقه من الأمر شيئا ولا قلبا يدرك حكمة الله ومراده لخلقه ، ولا يعوّن الخير الذي ينطوي عليه دينهم ، ويظنون أن مهمتهم المقدسة هي إخضاع وإجبار وإكراه البشر جميعا ليكونوا مسلمين ومؤمنين ، رغم أن الله خلق البشر ومنحهم المشيئة وترك لهم الحرية في الاختيار ، فكان منهم المؤمن وكان منهم العاصي وكان منهم الكافر ، وأبدا لم يُكلف الله أنبيائه بقهر البشر ولا بجبرهم على الإسلام والإيمان كما تفعل تلك الآلهة الضالة ، وما أرسل الله رُسله إلا مُبشرين ومُنذرين ولم يرسلهم قتلة ولا سفاحين ولا بمُجبِرين أو مكرهين الناس على الإيمان ، ولم يجعلهم أوصياء على خلقه فقال لهم (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وقال تعالى لرسوله الكريم (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وقال أيضا (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر)  وقال تعالى)  إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) وقال تعالى (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) وقال تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)
ولم يأمر الله أنبيائه ولم يوكل لهم حساب البشر وإقامة الميزان لهم في الدنيا فقال تعالى (إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم) وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) وقال تعالى) أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا)
لكن هؤلاء الكهنة المرتزقة أعداء الله يفعلون ما لم يفعله الأنبياء فأوَّلَوا ولوّوْا  عنق الآيات وحرفوا النصوص عن معناها وأحكامها ومفهومها ومرادها لكي تخدم خططهم الدنيئة وأهدافهم الخبيثة التي يسعون أليها وهي القفز على سرير الحُكم والمُلك ، هم طلاب حُكم ومُلك وجاه وسُلطان وليسوا طلاب جنة ، والجنة لا يدخلها مثل هؤلاء الظالمون السفاحون المُحرفون الذين قبحوا الدين في عيون ونفوس الخلق ونفروهم منه ، وما كان الدين قبيحا ، لكنهم هم القَبْحَى ، إن الشهوة والشراهة العارمة في الوثب على الحكم تتملكهم وتتلبسهم وتسيطر عليهم مهما حاولوا خداع الناس وإظهار عكس ما يبطنون ومهما ارتدوا ثياب الواعظين .
وبالطبع فإن الحكام من الصنفين لهم كتائب تُخدم عليهم ، كتائب شريرة فاسدة وصولية انتهازية مستغلة لا تعرف إلا نهب الثروات وتحقيق المنافع والمكاسب الحرام ، تستولى عليها خارج نطاق القانون أو بقانون يُسن لإضفاء الشرعية والقانونية على تلك المنافع المُحرمة والمُجرمة ، لذا فلا عجب أنهم يناصرون ويؤيدون من يحكم بصرف النظر عن توجهاته وأيديولوجيته ، فهم المُطبلون المهللون المزيفون الكذابون المدلسون الأفاقون المدافعون المؤيدون الداعمون المُخرجون المداحون لكل دجال وديكتاتور ، وهم دائما الجاهزون لارتداء القناع المناسب لكل عصر ، يبدلون ويغيرون الأقنعة في لمح البصر .
الشعوب العربية محاصرة بحكام العرش وأمراء الدين وكتائبهم المُضلة الضالة المتغلغلة في الإعلام والثقافة والسياسة والكهوف المظلمة ، والتي لا همّ لها سوى التعلق بأعتاب الحكام ولعق أحذيتهم وتمجيدهم وتنزيههم عن بشريتهم ورفعهم لمقام الإلوهية ، يتغزلون فيهم ويعظمون كل كلمة وكل سفرة وكل زيارة وكل مقابلة وكل اجتماع وكل قرار وكل بسمة وكل ضحكة وكل همسة وكل صرخة ، يمجدون حتى طريقتهم في قضاء حاجتهم – وهل كل من قضى حاجته يستطيع ان يقضيها كما يقضيها الزعماء – أقصد كما قضاها الآلهة .
سيظل العربي عبدا إما لأسرة حاكمة أو لديكتاتور تسانده مؤسسة قوية فاعلة أو لأمير من أمراء الدين مهما طلعت على بلاده شموس وأقمار ومهما تعاقبت عليه فصول ومهما قامت في بلاده ثورات وانتفاضات ، فالثورات العربية لم تكن سوى تململ العبيد في مخادعهم ، وهل للعربي أن يثور وهل للعربي أن يحطم قيوده وهل للعربي أن يحرر نفسه المُستعبدة وهي تعتنق ما فرضه عليه سادته الطغاة من أفكار ومعتقدات تُحببه وتدفعه لقبول الذل والعبودية والاضطهاد وتجعله لهم سجينا

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة