الغربة المتألمة

القصة (:::)
بقلم : عبد القادر رالة – الجزائر (:::)
كنت دائم التعجب من عم جارنا احسان ، المغترب الذي يعيش في فرنسا … سافر الى فرنسا في نهاية السبعينات …وكل ثلاث سنوات يزور أخاه وأهله ، ويختار الاسبوعين الاخيرين من شهر جويلية … وسبب عجبي أنه يعرف جميع الناس ، واوصافهم وحياتهم !
يحب لعب الدومينو ، ومجالسة والدي …. وطالما سألت والدي كيف لهذا الكهل أن يعرف سكان مدينتنا الصغيرة ؟ويعرف جميع الجيران ، اسماءهم ، وخصائصهم وصفاتهم ، وكأنه واحد  منا ، أو أنه لم يُغادر المدينة ، ولا هو عاش في بلاد الغربة وراء البحار!
ودائما ما يغمزني والدي: اسكت ايها الغبي! وفي احد المرات ، بقينا نحن الاربع ، أنا ،صديقي احسان ، والدي والمغترب …. فقال لي المغترب:ـ أنت تتعجب يا ابن صديقي وجاري العزيز كيف أعرف جميع الجيران!  أنا ابن المدينة ، وكل هؤلاء الذين اعرفهم كانوا اصدقائي ، نلعب في الشوارع ، ندرس في المدرسة … تلاميذ ومراهقين حالمين ….وأنا قُدر لي أن أغامر وأجرب حظي ، فقادني ذلك الى فرنسا فأكملت حياتي عاملا في مصانع رونو….وكان قدرهم هم ان يكون منهم التاجر ، والفلاح ، والمعلم ،الطبيب ، والعسكري …. لكن خصائص الانسان لا تتغير بعد أن تتكون في سنين طفولته الأولى … اثنى عشر سنة الأولى هي التي تحدد طبائعنا ، وصفاتنا الجسدية والذهنية! فلا تعجب إذ قلت لك ذاك انسان هادئ ، وأخبرتك بأن لخضر عصبي  ، ومحمود مغلوُب من طرف زوجته …. ومرون الذكي الذي هو الآن رئيس معهد في جامعة تيارت !
وأنت تراني أطلب منهم أن يجاري بعضهم بوخرص الذي يعشق اكثار الشجارات ، فلأنه كان زميلي في المدرسة ! و أنت هادئ وخجول ، لأن هذا طبع والدك ، وصفتك هذه لن تتغير حتى بعد عشرين سنة! وسوف تعاني منها كثيرا ، لأن الخجل مرفوض في دنيانا هذه!
ورئيس البلدية الذي ينتقده الجميع من الجيران أو غيرهم ، ينتقدونه لأنه أمي ولا مستوى دراسي له ، فعلا كان أغبى تلميذ في قسمنا ، لكن ثقته في نفسه ، وروح المبادرة هي التي أهلته لأن يكون رئيس بلدية  ، وهو يتكلم ويُواجه ولا يخاف ، بينما أبوك و سعيد المتعلم ، أو عبدالقادر الموظف يرتعبون من رئيس الدائرة أو الوالي! …رغم انهم أكفاء ويحبون هذه المدينة كثيرا …..
ولما ولجنا البيت سألت والدي : ـ لماذا اختار عم احسان الغربة مادامت تؤلمه ، وتجعله يحن الى جلسات الشاي ورائحة خبز الفطير؟  سكت أبي قليلا ثم قال :ـ اجتهد في دراستك حتى لا تخطفك الغربة ….ثم هي مقادير …
وظروف تضطر الاسنان لكي يفر الى فرنسا أو المانيا  ، ربما هناك فعلا ….
العمل …. الأجرة الجيدة … العدل الاجتماعي …. المعاملة الحسنة ….
الثقافة العالية والانسجام الاجتماعي … .  لكن هناك شيئ  ناقص لا يحس به أحد سوي المغتربون!  أنا لا استطيع أن أصفه ، حتى جارنا المغترب لا يستطيع أن يصفه …. مثل هذا الاحساس ينفجر فجأة …. ينفجر فجأة دموعا على صوت دحمان الحراشي ….
يا الرايح وين تروح
تعي وتولي … شحال ندمو من ناس قبلك وقبلي…..
أو رابح درياسة …لما يُعدد في اغنيته ولايات الوطن وربوعه ومدنه الجميلة …..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة