المضحكات (6)

فن وثقافة (:::)
بقلم : عبد الرحيم الماسخ – مصر (:::)
{23}   : مناطحة
اشترى أحدهم سيارة حديثة , دخل بها القرية ,انفلتت إليه نظرات الفلاحين البُسطاء كالسهام النارية , إنها نظرات إعجاب مشوبة بالحسد , فرأى نفسه كأنه قارون إذ خرج على قومه في زينته , لكنه نسي مصير قارون المعروف , لذلك ظل يتمتع بالدوران حول سيارته التي أوقفها في مكان بارز وراح يرفع عنها الغطاء ثم يعيده شيئا شيئا كي تنعكس عليها أشعة الشمس قطعة قطعة فتزيد انكسار العيون المنبهرة في نثار الوميض الحارق, الناس يتهامسون: يا لها من سيارة , من أين أتى بها ؟ إنه لم يتغرب كثيرا , هكذا الدنيا ترفع ناسا وتخفض آخرين , أخيرا تجرأ بعضهم فاقتربوا منه مستمسكين بحبل القرابة أو الصداقة القديمة , لم يجدوا من جانبه الكبرياء والجفاء المتوقع بل وجدوا لِينا وحبا ووعودا بمساعدتهم وقضاء حوائجهم الضرورية بسيارته , لقد أبدى صاحبهم استعداده لتوصيل أبنائهم إلى المدارس ونقل المرضى والمصابين منهم إلى المستشفى بالمِجان ………… إلخ . لكن ذلك الرجل مع كل ما أبدى لهم من مرونة وحب وجد نفسه بينهم محاطا بسياج من العزلة والكراهية , فكلما قاد سيارته وسار بها تكلَّست نظرات حاقدة بلهاء كثيرة على جبهته وأصابته ببرودة ترتعش لها أطرافه , فكان لا يستطيع إلقاء التحية عليهم وهو في سيارته وهم جالسون على الطريق في مواجهته فرادى وجماعات , فكان يدَّعي انشغاله بعجلة القيادة ومن حين لآخر يومئ إليهم من الشبّاك برأسه مُحيِّيا , بالطبع كان معظمهم لا يرد على تلك الإيماءات الخفيفة , لكن بعضهم كان يشير إليه بإصبعه قاذفا إياه بعلامة النفي رداً على إيماءته , فكان هو لا يعرف معنى لذلك النفي حتى فاضت به الحيرة , وذات يوم قابل بعضهم فعاتبهم على رفضهم لتحيته لهم بهذه الطريقة , فقال له أحدهم : أنت ما حييتنا كي نرد تحيتك وإنما تشير إلينا برأسك : سأنطحكم , ونحن لا نستطيع أن نناطحك حرصا على هاماتنا ؟ لذلك قلنا لك ونقول دائما لالالا !

24 }  تغلُّب }
أثناء سهرة شتائية على ألسنة اللهب المتصاعد من أخشاب السنط ومن بين الشكاوى الكثيرة من شدة برد هذا الشتاء خرج على الساهرين أحدهم بقوله: أنا أستطيع الآن السباحة في الترعة الكبيرة التي تشق القرية والغوص وإحضار الحصى من قرارها في المنتصف تماما عشر مرات , فتعجّب الساهرون من جرأته التي اعتبروها كذبة , وراهنه أحدهم على أن يفعل ما قال مقابل مائة جنيه فإذا لم يفعل دفع هو للحضور مائة جنيه مثلها , فقام الرجل من فوره و دخل بيته ثم عاد , فسار الناس وراءه يزفُّونه إلى الترعة و عندما وصل إلى الشاطئ خلع ملابسه بسرعة ولم يهتم بالبرد الذي يضرب كل شيء من حوله , وقفز في الماء الساري العميق الذي يرعِش القمر المكتمل بدرا على صفحته الرائقة فلا يجعله يكمل ضحكة واحدة بدون خوف وبكاء كثير, سبح الرجل إلى منتصف الترعة وصاح : سأغوص الآن فانتبهوا , وغاص ثم طفا على الماء وقذف القوم بكثير من الحصى المختلط بالصدَف وكرر الغوص والطفو وقذْف الشهود بالحصى عشر مرات , لم يرتعش له جفن ولم يتهاون ولم يتكاسل , بعد ذلك خرج من الماء في جوف الليل الشتوي سليما مُعافًا يصيح : أين الجنيهات المائة ؟ لكن خصمه استكثر عليه المائة جنيه فأراد أن يتراجع عن الرهان فقال : أنا أيضا أستطيع السباحة الآن في هذه الترعة والغوص في منتصفها تماما وإحضار الحصى من قاعها عشر مرات , فقال له الجمهور إذا فعلت ما تقول بلا تقصير ولا تباطؤ صرت حِلاّ من الرهان فلا شيء عليك , فخلع ملابسه فارتعدت أطرافه من شدة البرد والخوف, ولكنه أصر على المضي قدُما فقفز في الماء فتيبَّستْ أطرافه فصرخ : أنقذوني أنقذو…. وساح مع الموج يُغالب الغرق ولا يستطيع , فأسرع إليه خصمه فأنقذه بعد عناء , وحمله القوم بينهم إلى النار , أخيرا سرى الدفء في جسده فتمكّن من سؤال خصمه عن حاله بعدما سبح في ذلك الماء المُثلَّج وغاص عشر مرات وو ………. وكيف أنه لم يخف من لمس القاع المظلم المليء بالحيوانات النهرية والأسماك ………. إلخ وقد أتم كل ذلك في منتصف ليل الشتاء مما أكسبه الرهان , لكن خصمه الذي هو صاحبه في الواقع قال له : هذا سر لا يجب الإفصاح لك عنه
!

25} الضرة }
الزواج رباط مقدّس لأنه أساس الحياة المستمرة لعمار الكون , فيجب أن يُبنى على المحبّة والمُصارحة والمشورة , ولا يجوز أبدا أن يستبدّ أحد الزوجين برأيه دون الآخر في كل الأمور وخاصة ما يتعلق منها بمصير الاستقرار الأسري ومصلحة الأبناء , وبناء أسرة سعيدة ليس بالموضوع الهيِّن الذي يعطي نفسه بلا مقابل وإنما الحياة أخذ ورد , فإذا دخل ذلك الحرم القدسي المُسمَّى أسْرة شيء من العبث وان كان من ضمن الدعائم المطلوبة للترويح عن النفوس يجب أن يراعِي الحِسَّ العام للأسرة جمعاء كبيرها وصغيرها , فقد حضر إلينا ذات يوم ابن لزميل لنا يسال عن أبيه فرحَّبنا به وأعطيناه نقودا ففرح وانبسطت أساريره وسألنا عن والده قائلا : أريد أبي ولا أجده هنا في مقر عمله رغم أنه خرج من البيت قاصدا هذا المكان منذ أكثر من ساعة , فقال له أحد الزملاء مازحا : نعم هو خرج من بيته لكن ليس إلى هنا لأنه عادة يذهب إلى زوجته الثانية في البندر ليرى مطالبها قبل الحضور إلينا , فذهب الولد إلى والدته وأخبرها بما سمع من زميلنا, فكان منها مع زوجها ما كان , وقد تكرر هذا الحدث مع زملاء لنا مرّات نذكر منها حدثين كان لهما صدى خطير لدى أسرتين مستقرَّتين وبلا أساس من الصحة : الحدث الأول تم عندما ذهب أحد زملائنا إلى آخر يريده في مصلحة ما فلم يجده وعندما هم بالذهاب قال له ابن صاحبه : عندما يأتي أبي ماذا نقول له عنك ؟ فقال له الرجل على سبيل العبث : قل له صهرك الذي خطبتَ أخته لنفسك يطلبك للاتفاق على تفاصيل الزواج . أما الحدث الثاني فقد تم عندما أحضر زميل لنا ابنه معه وكنا نلبي دعوة للغداء عند صديق لنا , وعندما دعا صديقنا أهل بيته لإحضار الطعام جاءت ابنة له في ريعان الشباب ذات رونق وجمال تحمل الطعام على رأسها ,فهمس زميل لنا في أذن الابن القاصر الحاضر مع أبيه قائلا له : هذه الفتاة هي خطيبة والدك!!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة