مجيد حسيسي تسكنُهُ النزعةُ الإنسانيّة!

اصدارات ونقد (:::)
آمال عوّاد رضوان – فلسطين المحتلة  (:::)
أقام المجلس الملّيّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ– حيفا ومنتدى حيفا الثقافي أمسية شعريّة للشاعر الكرمليّ مجيد حسيسي، وذلك بتاريخ 11-9-2015 في قاعة كنيسة مار يوحنا المعمدان الأرثوذكسية، شارع الفرس 3، حيفا، وسط حضور كبير من شعراء وأدباء وأصدقاء وأقرباء، وقد رحب الأستاذ المحامي فؤاد نقارة رئيس منتدى حيفا الثقافي بالحضور، وتولى عرافة الأمسية الأستاذ إحسان حسيسي، وكانت مداخلات نقدية لكل من د. صالح عبود بعنوان حضور المرأة في شعر المجيد، تناولت قراءة الكتابَيْن “عزفٌ على جراح الصّمت” و “بيت القصيد مشرّعٌ”، ومداخلة نقدية لد. منير توما بعنوان المشاعر الانسانية المتدفقة في شعر مجيد حسيسي، تناولت الكتابين “وطني على ظهري” و”بيت القصيد مشرّعٌ”، ومداخلة الفيلسوف معين حاطوم، وقد تخللت الأمسية قراءات شعرية للمحتفى به الشاعر مجيد حسيسي، وفقرة فنية غنائية مع الفنان قفطان عيسمي بقصيدة لحنها للشاعر مجيد حسيسي بعنوان (سميح أبو وطن)، ومداخلة زجلية للشاعر الزجلي نجيب سجيم، ومداخلة باللغة المحكية بعنوان مريول حيفا للشاعر راضي مشيلح، ومداخلة الشاعر علي ابو شاهين بقصيدة بعنوان (في كفّي ملحمةٌ)، وفي النهاية شكر الشاعر الحضور والمنظمين والمشاركين، ثم تمّ التقاط الصور التذكاريّة.
*جاء في مداخلة د. صالح عبود بعنوان (حضور المرأةِ في شعرِ المجيدِ): الحضور والسّادة الكرام،                 اسمحوا لي قبلَ وُلوجيَ في قراءتي للمرأةِ في شعرِ المجيدِ، ومن خلالِ نماذجَ منتقاةٍ منسولةٍ من مجموعتيهِ “عزفٌ على جراح الصّمت” و”بيت القصيد مشرّعٌ”، وهي غايتي الثّانيةُ من حضوري بينَكُم، أن أُسفرَ عن غايتي الأولى، وأزفَّ شُكري الجَزلَ وعرفانيَ الأجَلَّ، لشاعرنا المكثرِ النَّميرِ الفذِّ المُعبّرِ الكبيرِ في كلِّ ما نَظمَ وقرضَ من شعرٍ يَتيمٍ ومقطوعاتٍ وقصائدَ تختزلُ تجربةً شعريّةً قَمِنَةً بكلِّ ثناءٍ وتقديرٍ. وأنَا من حشدٍ ممّن يُدمنونَ قراءَةَ جَديدهِ ونشيدهِ يوميًّا في صفحته المتوقّدة صباحَ مساءَ، في موقع التواصلِ الرَقْميِّ الفيسبوك، صفحةٌ خَليقةٌ بالقراءةِ والاهتمامِ والمتابعةِ، لما فيها من نصوصٍ شعريّةٍ رفيعةٍ من إبداعِ المجيد.  وها أنا باسطٌ أَصْغَرَيَّ: جَنانيَ الحافظَ وَلسانيَ اللافظَ ثناءً وعِرفانًا لكَ أبا يوسُفَ.
يعلنُ شاعرُنا في فاتحةِ مجموعته الشعريّة “بيتُ القصيدِ مشرَّعٌ” عن مجملِ ما تحتويهِ المجموعةُ برُمَّتِها، إذ يقول: “سَيبقَى بيتُ أفكاري، تُشرِّعهُ هواجسُ قلبِ إحساسي وأحلامي/ أزيّنُهُ بِحُسـنٍ جاءَ يُبدعُهُ، حـروفًا مـــن شذَا فكري بأقــلامي”.
بذلكَ، يؤكّدُ الشّاعر، بما لا يقبلُ مراءً ولا جَدَلًا، أنّ مادّةَ شعرهِ في المجموعةِ المذكورةِ تحديدًا تتّسمُ بقصائدَ ومقطوعاتٍ وَنُتَفٍ وأبياتٍ مُثنَّاةٍ ويتائِمَ، كلّها تمثّلُ هواجِسَ جَنانِهِ المرهفِ حِسًّا وأحلامًا، ينقُلها للقارئِ من خلالِ حروفِهِ المنْتظَمةِ بحُسْنٍ وتَوليفٍ ينسَجمُ معَ إيقاعِ الحياةِ وقضاياها الّتي طَرَقَها في مادّتِهِ المُقَفّاةِ. ها هوَ يُمِدُّنَا بنفسِهِ وَنظْمِهِ وقافيتِهِ، فيخبرنا عن تصوّرِهِ للبيتِ الشّعريّ، فيوجزُ فيهِ قولَهُ: “إن لم أكنْ مددًا للشّعر أنظمهُ/ بَاتت قوافي الهوى، ترثي معانيها/ فالشّعرُ قافيةٌ، إيقاعهُ شَجَنٌ/ ألفاظُهُ سهلَةٌ تسمو براويها!” (67).
الشّعرُ في عُرفِ شاعرنا المجيدِ، شعرٌ مُقَفًّى، موزونٌ، لا بأوزانٍ خليليّة أو ما بعدَ الخليلِ، بلْ وزنُهَا الماتعُ المانعُ هوَ الشّجَنُ، أي الحزنُ وَالهَمّ، ومفرداتهُ ألفاظٌ جزلةٌ سَهلةٌ لا تعيقُ القارئَ، ولا تُحجِمُهُ عنْ فَهمِهِ وإدراكِهِ، فتَجعلُ النّصَّ الشّعريَّ ساميًا في نظرهِ، دانيًا من القارئِ دُنُوَّ السّاحلِ منَ البحرِ.
تتجلّى صورة المرأة في “بيت القصيد مشرّع” عن شعورٍ صادقٍ وعاطفةٍ رقيقةٍ، وفي حضورها في حاضرةِ قصيدتِكَ وبيتِكَ شاعرَنا المجيدْ، تذكّرنا دومًا أنّها ليست مُلحقًا أو تكملةً، بل هي شِعرٌ بذاتها وَلِذاتِها، وأنَّ حضورها في البيتِ جوهرُ البيتِ وعِمادُ تبصرتِهِ وآيةُ نُبوءَتِهِ. لم يكن شاعرُنا بعيدًا في شعرهِ عن أصواتٍ شعريَّةٍ محلّيّةٍ عربيّةٍ وإنسانيَّةٍ تعتمدُ عوالمَ المشاعرِ والعواطفِ الذّاتيّةِ، بلْ تيَمّنَ سَمتَ الورودِ والرّياضِ وَغاصَ في واقِعهِ حينًا، وَارتقَى في سَناءِ خيالِهِ وَمُخَيَّلَتهِ حينًا، فبدَا في قصيدتِهِ وَبيتِهِ مُحبًّا وعاشِقًا لكلِّ جميلٍ وادِعٍ شَفيفٍ، يَسرُّ الحياةَ ويبعثُ نشوةَ الحُلُمِ والأملِ والألَمِ الخَالدةِ. المرأةُ عندَ كثيرٍ من الشّعراءِ مصدرُ إلهامٍ وعنوانُ إشراقةٍ وحنانٍ وعاطفةٍ صادقَةٍ، وشاعرُنا الكرمليّ يعشقُ الجمالَ، ويستوحي في شعره صورًا بلمساتٍ شعريّةٍ مُثخنةٍ بالصّدقِ الحقيقيّ والوجدانيّةِ المُتَّقدةِ بالرّغبةِ والطُّهرِ: “إذا كَانت بِإخلاصٍ تواعِدُني   سأبقَى العمرَ أعشقُها بإخلاصِ/ أعيشُ بها، وفيها ما تبقّى لي/ منَ الأيّامِ، سجنًا أو بأقفاصِ” (16)
هذا شاهدٌ دالٌّ على أنَّ الوصالَ بينَ الحبيبَينِ مرهونٌ بشرطٍ هامٍّ وقَبليٍّ هوَ الإخلاصُ الصّادقُ بينَهما، وقد عمدَ شاعرنا في كثيرٍ من نصوصهِ إلى تسليطِ الضّوءِ على شروطِ الحبِّ وقيَمِهِ الخالِصَةِ وفي جُؤْجُئِهَا الإخلاصُ والصّدقُ، وهمَا قِوامُ العشقِ والهُيامِ:  فلا عشقٌ إذا ما سَوَّرَتْهُ/ بوادرُ صدقٍ وإخلاصٌ يصونُ/ فإنَّ حَياتِي بغيرِ عشـــقٍ/ فَراغًا يكونُ وَلَسْتُ أكونُ.
يعترفُ شاعرنا، أنّهُ بشرٌ ولهُ- كسائر البشر- جَذوةٌ في القلبِ، وَمن مِنَّا لا تُحدِّثُهُ نفسُهُ بالشّبابِ وَصَبَابَتِهِ؟! “قالتْ أراكَ شبابًا، قَلبُكَ الأسدُ/ تُحيي فؤادًا هـــــوَى بالعشقِ يرتعدُ/ مهلاً، أجَبتُ أنا، سهامُها انطلَقتْ  فيها، أعودُ الفتى، والوصلُ مستنَدُ!” (15)
ذاكَ هوَ الوصلُ الصّادقُ الّذي يبعثُ في الرّوحِ شبابَها، وفِي نارِ العشقِ دِفئَهَا، وفِي قلوبِ البشرِ نَبضَها. حبّرتُ هذهِ الورقةَ، وزوّرتُ (زيّنتُ) فيها مقالتِي، كي أصلَ بِكُمْ إلى قصيدةٍ وَقَعَتْ في نَفسِي موقعًا حَسَنًا، فَحازَتْ في قراءَتِي للمجموعةِ حيِّزًا، فوجدتني أنقلبُ إليهَا قارئًا مرّةً ثانيةً، حتَّى استحوذَتْ على تَبصِرَتي فقَضِيَّتُها قَضِيَّتِي، وغايَتها غايَتي..
أتأمَّلُ وإيّاكُم قصيدةً رشيقةً تُثقِلُها قضيّة المرأةِ الشَّرقيّةِ، إذ يُخاطِبُ الشّاعرُ من خلالها الرّجلَ الشّرقيّ مدافعًا عنها، وناصحًا إيّاهُ، وهو يقولُ: “يَا سيّدي/ يَا حضرةَ السّي سيّدي/ إن كنتَ تعتقدُ النّساءَ مهانةً/ أو سلعةً قد تُشترى من/ سوق أسواطِ النّخاسةِ والعبيدْ/ فتكونُ من أهلٍ قضَوا../ وتَنكَّرُوا للحُلمِ يبغونَ الوئيدْ/ للمرأةِ الحقُّ الّذي تحيا بهِ/ أوْ بعضُ شيءٍ من جديدْ/ فَلَها جمالٌ قدْ صَفا/ وَلَها بنينٌ للسّلامِ وللمحبَّةِ والصّمودْ/ وَلَها جذورٌ راسخاتٌ في صخورٍ من صدودْ/ فَبرَبِّ دينكَ.. هل أتيتَ منَ العدَمْ؟/ لا تَعجبَنَّ.. فرحْمُ أُمِّكَ يستحي/ والصَّمتُ أعيَاهُ الأَلَمْ!!/ يَا سيّدِي.. يا حضرةَ السّي سيّدي../ لا فرقَ عندَ ذكورِ إنسانٍ قَزَمْ/ أن يُظلمَ الحُسْنَ الّذي وهبَ الحياةَ منَ العدمْ/ إن تقتنعْ.. صرتَ الرَّفيقَ.. وإنْ تُعارِضْ/ سوفَ تحيا ظالمًا.. وَبنفسِهِ لقدِ انظلَمْ/ ولسوفَ تحيا تائِهًا../ من غيرِ طيفٍ سابحٍ.. ومؤيّدِ!!/ يا سيّدي../ يا حضرةَ السّي سيّدي” (39-41)
قصيدةٌ تُفصحُ عن موقفِه من مكانة المرأة في مجتمعِها الشّرقيِّ، إذ يطالبُ بإطلاقِ جناحيها من قيدٍ باتَ وهمًا ميْتًا. يطالبُ لها أن تعيشَ حياتهَا حرَّةً غيرَ هيّابَةٍ، فتختارَ لنفسِها ما تشاءُ، وتُعربَ عن رأيِها دونَ وجلٍ. يخاطِبُ الشّاعرُ الرّجلَ باسمٍ يعبّر عن حالَةٍ ينبُذُها هوَ وهيَ، “السِي سيّدي”، وهي عبارةٌ تعبِّرُ بمحمولها الثّقافيِّ عن حالَةٍ ووَضْعٍ هيمنَ منذُ سنواتٍ، ولا يزالُ، في عالمِ المرأةِ المتأرجِحِ بينَ ما كَسِبَتهُ وما تطمحُ إليهِ.. اختارَ الشّاعرُ هذهِ الصّفةَ للرّجلِ الشّرقيّ، أي “السي سيّدي”، كي يُعربَ عن موقفٍ رافضٍ لها، وكَيْ ينقضَ أسبابَ وجودِ شخصيّةِ “سي السيّد” الّتي حاولَ محفوظُ في ثلاثيّتِهِ المعروفةِ تسليطَ شيءٍ من الضّوءِ عليها، وشاعرُنا يعيشُ في زمانٍ آخرَ، وفي مجتمعٍ آخرَ، مختلفٍ في كثيرٍ من تفاصيلِهِ الصّغيرةِ والكبيرةِ عن عالمِ الثّلاثيّةِ، ولكنّهُ معَ ذلكَ، ينبّهُ إلى أنّ حالةَ “سي السيّد” لا تزالُ حاضرةً، وإنْ بزيٍّ مختلفٍ، إذ لم يَعُدْ “السّي سيّد” يلبسُ تلكَ الثّيابَ ويعتمرُ طُربوشَهُ الأحمرَ، بلْ نراهُ متمدّنًا في لِباسِهِ كاشِفًا شعْرَهُ، حضاريًّا في شكلِهِ، حتَّى يصلَ عندَ قضيّةِ الأنثى، فنجدُهُ هوَ هوَ.. “السي سيّد” بأسماءَ أخرى وأشكالٍ مغايرةٍ!
تغيّرتْ فينا أمورٌ كثيرةٌ، وما يزالُ في بالِ كثيرٍ منَّا أفكارٌ قديمةٌ يعلوها غبارُ السّنينِ الهِزالِ.. ولا يزالُ “السي سيّدي” يبتغي من المرأةِ أن تكونَ صَنَمَهُ المتحجِّرَ المفرّغَ من طبيعةِ النّاسِ وفطرةِ الخَلْقِ: تتشكَّلُ الأزمانُ في دوارَنها دُولاً/ وهنَّ على الجمودِ بواقٍ.
معالجةُ شاعرِنا المجيدِ لقضيّة المرأةِ من جانبٍ، وتعدّدُ أصواتِ القصيدةِ الواحدةِ من جانبٍ آخرَ، يدلُّ على تنوّعٍ ثريٍّ في سياقِكَ وتناوُلِكَ المُجَلِّي لرؤياكَ إزاءَ تِلكُمِ القضيّة الهامّةِ. ذكّرتني قصيدتُكَ، أبا يوسفَ!، ببعضِ أبياتٍ للرُّصَافِيِّ قالَ فيها: مَا أهونَ الأنثى على ذُكراننا/ فَلقد شجاني ذُلّها وخضوعُها/ ضَعُفَتْ فَحجَّتُها البكاءُ لخصمها/ وسلاحُها عندَ الدفاعِ دموعُها/ هي متعةُ المستمتعينَ ولَيتها/ كانتْ لزامًا لا يجوزُ مبيعها/ فوَليُّها عندَ الزواج يبيعها/ وحليلها عند الطلاق يبيعها/ وكلاهما متحكّم في أمــرها/ هذا يعرّيها وذاك يُجيعها. إنَّكَ في هذه القصيدةِ، كما في غيرها، تتقمَّصُ قميصَ الواعظِ النّاصِح لمجتمعٍ منَ الرّجالِ، الّذينَ يحيونَ تائهينَ في تيهِ أفكارِهم المُظلمةِ الظّالمةِ، فتدعوهمْ للبصرِ والتّبصُّرِ في رِحابِ الفكرِ التّنويريّ المنشودِ. نحنُ أمامَ شاعرٍ مكينٍ يمتلكُ قدرةً على إبصارِ الواقعِ، وإعادةِ صياغَتِهِ بأبياتٍ وأشعارٍ صادقةٍ تخدشُ الواقعَ المتهالكَ بشعريّةٍ حَيِيَّةٍ شُجاعَةٍ تتعطَّرُ منْ شذَا حروفِهِ الصّادقةِ المُصَدَّقَةِ.. فأختم كلمتي بقولي:
حَسْبُ الْقَوافي أنْ يَكونَ مَجِيدُ/ شِعْرًا مَجِيدًا لِلقَصِيدِ رَصِيدُ/ أَبْدَعتَ فِي كَلِمَاتِكَ إِذْ شُرِّدَتْ/ وَالنَّارُ تُبْرِدُ وَهْجَكَ وَتُقِيدُ/ أَبَدِيَّةٌ فيكَ المَشَاعرُ وُقِدِّتْ/ صَوتًا تَعَالَى نَزْفُهُ التَّغْرِيدُ/ هَاجرتَ في ذاتِ المُحبِّ طَلاقةً/ وَصَبَأتَ من دينِ السُّكونِ تريدُ/ نَجعًا رَواءً للقصيدِ وللهوى/ يُنشيكَ رُوحًا يَنضَويها مَجيدُ
مداخلة الفيلسوف معين حاطوم:  كتبت مرة،  الفكر أوصل الإنسان الى القمر، والشعر أنزل القمرَ إليه، ولأن استاذي الشاعر مجيد حسيسي كان قد أنزل الأقمار إلينا على مدى ستين عاما، فأضأت أخاديد أرواحنا، وداعبت غوامض نفوسنا، وحثتنا عن حب واحترام لنقتديه، فلقد كان أستاذًا ومُربّيًا، ومن ثمّ مديرًا، دأب ألّا يبخلَ على طلابه في استنطاق نفوسِهم بجَمال الكلام، وبديع الخيال، والتشجيع على صحيح الإنشاء والمطالعة والتأليف، فلقد آمن بأن مطابخ الشعوب العظيمة من حبر ولون وورق، ولحسن حظي كنتُ أحد تلامذته، وواحدًا من العشرات الذين شجعهم على الاستمرار في طرْق أبواب الأدب والفسلفة والفن.
مجيد حسيسي شاعر يسهل الحديث عنه، فلم يترك بابًا من أبواب الشعر إلّا وطرَقه، ولم يترك موضوعًا إلّا وتفاعل معه. حمل وطنه على ظهره، ولم يتركه ليتدحرج كصخرة سيزيف. تفاعلَ مع الظواهر الاجتماعيّة السلبيّة ودحَضَها مُستنكِرًا. مجّد الوطنيّين وأنشدهم شعرًا، مثل سلطان باشا، وياسر عرفات، ومنديلا وغيرهم، وجعل من قلبه دفيئة للمعاناة والأحاسيس الإنسانيّة، مُتوِّجًا إيّاه بالحبّ والشوق والحنان من جهة، والتخوُّف والقلق من شرور الدنيا ومآسيها من جهة ثانية.
لا مجالَ في هذه الكلمة القصيرة للإسهاب والتصنيف لإنتاج الأستاذ مجيد شعرًا ونثرًا، فمواسمه الخضراء كثيرة، وحدائقة لا تشكو من وفرة الورد والشوك، ولكنّني أشعر برغبة أن أحدّثكم عن نقلة نوعيّة في نتاج الأستاذ مجيد، فهناك انطباع عامّ، بأنّ الشاعر حين يختمر بحكمة الأدب والشعر، يتصوّبُ بفكره وإحساسه نحو الخلاصات. إنّها حالة من النضوج المتسامي، يسعى من خلالها صاحبها، من فضّ المظاهر والتفاصيل الهامشيّة، بغية الوصول إلى جوهر القول، ولو نظرنا الى تاريخ الفكر الفلسفيّ، لرأينا أنّ الاشتراط هو أساس للعلائق المنطقيّة التي تقود إلى النتيجة الحتميّة، فأنت لا تشترط شيئًا منطقيّا، إلّا إذا تيقنت من كماله كفرض منطقيّ، هذا طبعًا في علم المنطق، ولكنه يتخذ شكلًا آخر من أشكال الفرْض أو الإشتراط عند الشاعر، فالفرض أو الإشتراط منوطان بحصانة معرفيّة، وتجربة ثابتة في الاستقراء النفسيّ لحقائق الوجود الحسّيّ والأخلاقيّ.
يقينًا إن الأستاذ مجيد ارتقى إلى هذه الحالة النادرة في ثقافته الحسّيّة والجماليّة، فطعّمها باشتراط هو الباب والمسلك لقول الحكمة، ولكي لا يبدو قولي غامضًا، فأنا أحدّثكم عن شرطيّات مجيد حسيسي في كتابه الذي لم يرَ النور بعد، والذي أطلق عليه اسم “إذا”! فاسمحوا لي بأن أقرأ لكم بعض قصائد هذا الديوان، وهي كما سلف أعلاه: اشتراط وطرح وخلاصة حكميّة:
إذا انطفأتْ مِنَ الأحداقِ عَـيْــــنٌ/ فعَـيْـنُ الحَـقِّ تجعَـلُـهُ البصيــــرا ! وفي مكان آخر: إذا اجتمعَتْ قوى الأخيارِ في وطني/ يباتُ المجْدُ فوقَ رؤوسِهِمْ عَلَـما! وأيضًا: إنْ أنتهي.. نعشي يكونُ مِنَ الحروفِ ومنَ الكلامْ/ فأنا أُكَـنّى الضّـادَ في عُرفِ الأنامْ.. لن أنتهيْ.. مادامَ في أرضي بقايا من عربْ أو بعضُ شيءٍ من سلامْ! وغيرها الكثير الكثير من الشرطيات الحكمية. تحياتي لأستاذي الشاعر مجيد حسيسي، وكلّي أمل أن يرى “إذا” النور حين يكتمل .
مداخلة د. منير توما بعنوان- المشاعر الإنسانيّة المتدفقة في شعر مجيد حسيسي
أتناول في هذه المداخلة مجموعتين شعريّتين للشاعر المبدع الأستاذ مجيد حسيسي؛ “وطني على ظهري”، و”بيت القصيد مُشرّعٌ”، علمًا أنه صدر لشاعرنا في السابق عدد من المجموعات الشعرية الأخرى، ولكني آثرتُ في دراستي الموجزة هذه، أن أتطرق إلى الجوانب المحوريّة التي تعكس المعاني والصور الأدبيّة، التي تنبعث من هاتين المجموعتين، باعتبارهما تمثيلًا صادقًا، ومُعبّرًا عن شاعريّة الأستاذ مجيد المتألّق دائمًا في عالم القوافي، والفيّاض برهافة الحسّ الشفافة دائمًا وأبدًا.
إنّ أكثر ما استرعى انتباهي في مجموعة “وطني على ظهري”، أنّ شاعرنا قد تناول المعاني وراء كلمة “الصمت” ومشتقاتها الواردة في القصائد بصورة مبطّنة، حيث يظهر في معظمها “موتيف الصمت” بشكل بارز، وبالتالي فإنّ الشاعر يكون قد قصد معنًى معيّنًا يعكس نفسيته في مواقف معيّنة، لتبرير وتسويغ أحاسيس تعتمل في صدره وفكره، وهذا يقودنا إلى فكرة “المعادل الموضوعي” التي ابتدعها الناقد والشاعر العالمي ت.س. إليوت، الذي من خلاله، لا يُعبّر الكاتب عن آرائه تعبيرًا مباشرًا، بل يخلق عملًا أدبيًّا فيه مقوّماته الفنيّة الداخليّة، التي تكفل فنّيًا تبرير الأحاسيس والأفكار للإقناع بها، بحيث لا يحسّ المرء أنّ الكاتب يُفضي إليه بذات نفسه بإثارة المشاعر المباشرة دون تبرير لها.
لعلّ شاعرنا في مجموعة “وطني على ظهري”، قد اختار كلمة “الصمت”، باعتبارها موتيفًا يتكرر في معظم القصائد، وذلك انطلاقًا من كوْن الشاعرية حالة نفسية منوطة بدرجة الانفعال واتساع نطاقه، وأسمى درجات الشاعرية وأفعلها في النفوس، ما كان منها واسع الانفتاح على أعماق الحياة، وصادرًا عن النشوة الداخليّة واللذة الوجدانيّة. وفي هذا الديوان تعبيرٌ عن تجربة انفعاليّة، في تمازج تامّ بين التجربة والتعبير عنها، ويستعين بتقنيّاتٍ جديدة وتغيّراتٍ شكليّة في الشعر، تنبعث من فكرة وشعور هادف يمتاز بطابع عاطفيّ قويّ. فيتحدّث الشاعر في أولى قصائده “شيءٌ من إباء” عن صمتٍ صارخ، يُفهم من إيحاته، إلى أنه تسيطر على سطور القصيدة عاطفة الأسى والحسرة للحالة التي صار إليها الوضع العربيّ، والصّمت الصارخ هنا يوحي بثورة هادئة في أعماق نفس الشاعر الذي يتألّم ويعاني بصمت ثائر فيقول: هذي عيونُ الفجرِ تسألُ/ دموعٍ في عيونٍ من مساء/ هذا جناحُ الليلِ/ الصمتُ فيها صارخٌ/ يبغي العبور(ص 9-10).
ويبدو أنّ للصمت سلطته الفنيّة والمعنويّة والإيحائيّة على الموقف المتمثل بالعاطفة المتّقدة والنفسيّة المائجة، فيقول “في ليلة” (ص14)، مشيرًا إلى فعل الصمت قائلًا: في ليلةٍ/ صمتت نجومُ الليلِ وانتحبَ القمرْ/ النّاس في بلدي تماثيلٌ…صورْ/ وخيوطُ سِرْكٍ في الملاهي كالدّمى/ وقصيدتي/ جزءٌ من الأحداثِ تُفهمُ بالوما.     هنا يعقد الشاعر مقارنة بين صمت النجوم وحالة الناس المتردية في سكونهم، وتسليمهم بالأمر الواقع المحيط بهم، ويشبّهُ الصمت من حوله بالضجيج والدوّامة، استعارة عن ثورة داخليّة هادئة بهيجانها، في جوانحه التواقة دائمًا رفض حالة الخواء والابتئاس والتراجع، التي تحدق بالأوضاع السائدة، فيقول ص18:  الصّمتُ من حولي ضجيجٌ في احتراقي/ دوّامةٌ.. تحمّلني أوزارها
وكما للصمت بريق، فإنّ “معايير الحياء” في هذه الحياة وهذا المجتمع تصمت وتتلون وتتبخر، دلالة على الخواء الأخلاقي وانعدام الالتزام بالثوابت المتعارف عليها، وسقوط المحبّة التي يجب ألّا تسقط أبدًا، لكنّ ضياع موازين الحياء التي صمتت، قد أفسدت كلَّ جمال في دنيانا، كما جاء في قصيدة “أحبّك” ص29: صمتت معايير الحياءِ.. تلوّنتْ/ وتبخّرتْ مثلَ الأثيرْ.
أمّا قصيدة “أوترحلين” ص46، فترد فيها كلمة “الصمت” والتي تشكّل معادلًا موضوعيًّا في القصيدة، باعتباره يصوّر انفعالًا خاصًّا، لتجربة حسّيّة يُثار فيها الانفعال إثارة مباشرة، وهي تُعبّر عن موقف إنساني يعتريه الشجن والحزن الممتزج بالطبيعة، حيث أنّ الصورة الشعريّة تتعاون فيها الصور الجزئية، وتحلّ الصور الجزئيّة محل الأنغام في الموسيقا، بكوْن اللغة تمتاز بالحيويّة ذات الكلمات والأسلوب السلس: أوترحلينْ؟/ والصّمتُ من أوصال مَن قطع الحنين/ العشقُ يرعى مع نجوم الليل في فلك السّنينْ/ أوترحلينْ؟ وبقيّة من فجرِ صبحٍ/ تتفجّر الأضواء فيه.. من أنين!
اللافت في الديوان أنّ الشاعر يتّسمُ بالدقّة في التعبير عن جوانب النفس، فالألفاظ حيّة، والعبارة موحية بعيدة عن التكلّف، يأتي الخيال فيها لتأييد الجو الوجدانيّ العامّ، وترسيخ العاطفة، كما في عبارة “صمت القدر” من قصيدة “سأموت” ص 54: سأكون في صمتِ القدَر/ أرجوحةً/ أو لعبةً للطّفلِ.. لم/ يجدِ الطّعامَ..  ولا الثّمرْ!  وفي “كلّ المراكب غادرت” ص114: “بالصّمت أحكي ما يجيش بداخلي”، حيث يجعل الصمت ناطقًا مجازًا، ترافقه موسيقا ناعمة سلسة بشعر خافق منساب بأشجى العواطف الإنسانيّة وأسماها، فشاعرنا يحترف استخدام الاستعارات في قصائده بالحيوية والأداء التصويري والعمق الفكري الإنساني، والابتكار المطلق والارتباط بالطبيعة، وهذه المعاني تظهر في النّص “أحلام الجدود” ص 121: صمتَ الترابُ بأرضنا متنهّدًا/ فتنهّدت فينا السّواقي والعيون/ صرنا دخانًا في فضاءٍ يستحي/ وتراثنا كجراحِنا.. فينا يهونْ. هنا تتضح لنا وحدة الجوّ النفسي المتمثّل في الأسى واليأس والألم والمعاناة.
المجموعة الشعريّة الثانية “بيت القصيد مشرَّعٌ” للشاعر مجيد حسيسي، تمتاز بخصوصية فريدة تختلف بشكلها، من حيث إتيان الشاعر بأبيات قليلة العدد كوحدة واحدة، دون أن تشكّل هذه الأبيات قصيدة بحدّ ذاتها، لا بل أحيانًا يجود علينا الشاعر ببيت واحد منفرد، يحمل في كلماته الكثير من المعاني الثريّة بالصور والإيحاءات الأدبيّة الفنيّة، يتخلل كلّ ذلك جانبٌ كبيرٌ من الحكمة الاجتماعية الفلسفيّة جزلة الألفاظ، واضحة المعاني لا يعتريها وعورة أو تعقيد، إلّا أنّها رصينة المبنى ومتينة التركيب، وهذه الميزات تدخل في إطار ما يُعرف بالسهل الممتنع في دنيا الأدب، فينتهج غالبًا أسلوب الشعر الكلاسيكي العمودي الموزون المقفّى. في مجموعة “بيت القصيد مشرّع” يبدو شاعرنا وجدانيًّا في قصائده، مصوّرًا الأحاسيس الذاتيّة من خلال ومضات شعريّة دافئة مفعمة بالروح الهادئة، والفيّاضة محبّة وخلقًا رفيعًا يفوح بنزعة إنسانيّة، لا يتبنّاها وينتهجها إلاّ كبار النفوس من ذوي الخير والتسامح والسلام، في عالم يعجّ بالعنف من شتّى الضروب، وبالمتناقضات من مختلف الاتجاهات وبالتوتّرات البشريّة الحافلة بالعيوب الإنسانية، وبالتّالي فإنّ شاعرنا يتجه كثيرًا في أشعاره إلى نظرة صوفيّة واضحة أحيانًا، من حيث المعاني الموحية عبر كلمات ومفردات تؤكّد مدى تأثّر شاعرنا بالشعر الوجداني الصوفيّ، وإن كان هذا التّأثّر يُلمَس بالفطرة عند القارئ، ليبعث به إلى حالة من التّأمل المؤدي إلى نشوة نفسيّة روحيّة داخليّة، بفعل جماليّة الكلمة معنىً ومبنىً.
شاعرنا يأتي بمقطوعات شعريّة تفيض وجدًا وتأمّلًا، ككتلة ملتهبة من مشاعر وأحاسيس مرهفة العواطف، تتدفق بانسياب متأتّ عن استغراق في الألم الكامن المكبوت في قلب الشاعر، كما ص 12-13: يا قلبُ، في ضعفكَ المنهوكِ خاتمتي فهل تنيرُ الفضا، ركنًا بلا عمدِ؟ يا قلبُ، لو صرختْ من لهفةٍ وبكتْ فالدّمعُ حجّتُها، والصّمتُ لا يجدي قد كنتَ لي سندًا، في الوصلِ تسعفُني واليوم بتَّ قذىً في عينِ مُحتدٍ!
نلمس لدى شاعرنا مشاعر إنسانيّة أصيلة، تولي ضمير الإنسان الأولويّة في إشاعة نور الحياة في هذا الوجود، مما يشعرنا أنّ الشاعر يتألّم من غياب الضمير عند الكثير من الناس، ويبدو ذلك إشارة وتلميحًا من خلال البيت المنفرد ص23 و ص24: ضميرُ المرءِ في الدنيا شعاعٌ إذا انفقدَ الضّياءُ من الوجودِ! قد يكونُ الموتُ حقًّا تستحي منهُ الظّروفْ/ إنّما موتُ الضّمائرْ تستحي منهُ الحتوفْ .
هكذا يؤكد مدى إيلاء شاعرنا للضمير في حياة الإنسان الأهميّة القصوى التي لا تقبل المساومة أو الإلتفاف على الضمير بأيّ شكلٍ من الأشكال، وفي موضع آخر من الديوان، يأتي شاعرنا ببيتٍ منفرد من الشعر يحتوي على كثير من حكمة الحياة، فيما يتعلق بالصمت والبوح أو الكلام، مما يذكّرنا بموتيف الصمت، حيث يشير هنا إلى أنّ الصمت يكون أحيانًا أبلغ من الكلام، كما أنّ البوح يشكّل أحيانًا نوعًا من الضعف أو قصورٍ في الحكمة بشأن أمورٍ يستعصي على المرء الحصول عليها أو تحقيقها مهما باحَ أو تكلّم بخصوصها كما جاءص61: قد يكونُ الصّمت أقوى من كلامٍ لا يُقالْ أو يكونُ البوحُ ضعفًا في أمورٍ لا تُنالْ.
هكذا نخلص إلى حقيقة كون الشاعر الأستاذ مجيد حسيسي إنسانًا رقيقَ الشعور، يترفع عن الصّغائر ويعيش مع الذات الإنسانيّة في بُعدها الأخلاقيّ والوجدانيّ، تشهد بذلك أشعاره في مجموعتي “وطني على ظهري” و “بيت القصيد مشرّع”، بالإضافة إلى مجموعاته السابقة حيث يتجلّى فيها أيضًا ذلك الإنسان المتألّم مما يسود الدنيا من مثالب واعوجاج، يعاني بصمت الإنسان الراقي المتحضّر المستقيم، علاوة على كونه شاعرًا لامعًا تتنوّع أغراض شعره الفريد بشكله ومضمونه وأناقته، من حيث متانة اللغة وجزالة الأسلوب وثراء المعاني، ففي هذا الشعر نلمح نفحات صوفية خفيفة الصدى، تنبعث من روحه الطيبة المقرونة بأفكار حكيمة صائبة، ليجمع كلّ ذلك في بوتقة من شعر الحياة سلس التدفق ومعتدل الانفعالات. فلشاعرنا مجيد حسيسي أصدق وأطيب التمنيات بموفور الصحة والعمر المديد وبالمزيد من العطاء والإبداع.
مريول/ راضي مشيلح: مع بَسِمْتوُ فاق البحر والموج مثل خيول جفلانه وحيفا عروس وراكعه تْصلي تا يرجعوا مثل الفجر غيابها ال ياما وياما بالشعر غنولها وغفوا عيون الليل في جَدّولها وجاي انا بعد الوقت حامل معي سلة حروف ملوّنه مثل الطفل أول ما بلْش بالمشي خايف من خيول البحر تا توقعو ولما شفوني عيونها ع طول فتحتلي ايديها وقلبها حبيتها وبلشت ارسم طولها امي انا ومتعربش بمريولها
علي ابو شاهين/ جمجمة جدي تبرعم: معجزة هي يا سيدي أن تبرعم جماجم الموتى/ وان تزهرَ أعمدةُ المدينة وأن ينسى الفلاحون/ زهران تعال لأحدثكَ عن شيخ الشباب عن أسدٍ هصورٍ لا يخاف الذئاب عن جمجمة شهيدٍ بين الصخور داعبتها الوحوشُ نظفتها النسور/ وكان ما كان ودار الزمان وكان طوفان نوح/ وراح قابيل بقتل أخيه لا يبوح/ عادت الحمامةُ ونبش الغراب التراب وحرّم أمرؤ القيس الصبوح وسرنا على رفات الأجداد ننكر الماضي نعيش الأمجاد ونتدحرج بثوب انسان زرقاء اليمامة أنبأتنا عن جيلٍ يأتي وعن جيلٍ كان عن قصر الخَوَرنَق/ عن أجراس الكنائس عن مال قارون/عن أحلى النفائس عن تاريخٍ أبطالهُ محرومون وأنذاله مُمَجَّدون عن حجّاج فضّ غشاءَ بكارتنا/ ونام في أمان على ايهاب الغزلان رحنا يوماً نداعب أعشاش الطيور حيث جمجمة جدي دون القبور طالعتْنا نبتةٌ غريبةٌ بزهرٍ ينثُّ نور لا مثيل له بين الزهور أخبرنا عرّاف البلد ونساء القريةِ وكُلَّ الطابور من الذئب الكاسر إلى ابن وردان لنسمع صوتاً العقل فيه حار الجمجمة نبتةٌ إخضوضرتْ وبدا فيها الإزهار إبنوا حولها مقاماً مقدساً وقُبَّةَ مزار رُفع عن عيوننا الحجاب ورُشقنا بسهمٍ يحملُ أسمى آياتِ العتاب سجدنا وراء الإمام/ وقررنا أن تكون جمجمة جدي عنوانَ الكتاب في سفرٍ يُدوَّنُ فيه كل من أصاب ويبقى عبر الزمان حديث المضافة والديوان
قصيدة نجيب سجيم: يا مجيد بليلنا الغريد/ حيفا بوجودك غار منها العيد/ وأيلولها شفتو متل نيسان/ زهّر كأنك راسمو بهالإيد/ وإنت الـ عمرك للشعر ألوان/ جمعت الفصول بأجمل مواعيد/ كنت بربيعك ورد والأغصان/ كل يوم تغزلن قميص جديد/ وصيفك متل منجيرة الرعيان/ يسكب لحن ويقول عيد وزيد/ وضوّا خريفك بالحبق مليان/ وغنّاك مزراب الشتي تغريد/ والدالية بالكرمل المنصان/ بين الوراق وبين العناقيد/ قالت الك يا صاحب البستان/ بعمر الصبا عشقتك عنب حليان/ واليوم جايي أشربك يا نبيد.
مجيد حسيسي/ أبا الأوطان/ إلى روح سميح القاسم/ لحّنها وغنّاها الفنان قفطان عسيمي: أبا الأوطانِ، هلاّ قمتَ تسعى ليرقى المجدُ أرضًا في انتحابِ رسمتَ الحرفَ لوحاتٍ لتبقى مُخلّدةً على صدرِ الكتـابِ/ صنعتَ المجدَ من حرفٍ تجلّى وصنتَ السّيفَ من صدأِ القِرابِ/ زرعتَ الحبَّ في صدر المنايا وذقتَ المُــرَّ من كأسِ الشّرابِ/ حملتَ النّعشَ تسعى في جهـادٍ قطفتَ الحبَّ من كلِّ الشِّعابِ/ عشقتَ الأرضَ ترويها حنينًا وتعمـلُ دونَ قصدٍ للثّواب/ تُحنّى الحرفَ تجعلُهُ حُـسامًا يُـعرّي الغاصبينَ منَ الثّيابِ/ تُراسلُ توأمًا للروحِ سرًّا وتبكي مثلَ أنّاتِ التّرابِ/ تُـكلّلُ هامةَ الأحزانِ غارًا وتمسحُ دمعَ عينٍ من عذابِ/ فقدتَ زميلَكَ المحمودَ نورًا ليرقى، دونَ تذكرةِ الإيابِ/ وجئتَ اليومَ مُنفردًا بِـســفْرٍ وتحملُ همَّ شعـــبٍ في اكتئابِ!/ حباكَ اللهُ في مرضٍ عُضالٍ ويأبى أن تكونَ بِلا انتســابِ/ فمنتصِبًـا بقامتكِ المسيرُ ومنتشيًا كصقرٍ في اقترابِ/ أطالَ اللهُ دهرًا عِشْتَ فيهِ وأغدقَ شهدَهُ من كلِّ بابِ!/ أبا الأوطانِ هلاّ قمتَ تسعى ليرقى المجدُ أرضًا في انتحاب!
مجيد حسيسي/ حيفا والمهاجر: قد ضقتُ ذرعًا يا زماني كأنّني بحرٌ تراجعَ للفضاءِ مُسلِّما تتمرّغُ الأمواجُ فوقَ عُبـابِهِ كالأفقِ يرسمُ للثّريّا سلّما الموجُ في حيفا حزيـنٌ عاتـِبٌ قد أزبدَتْهُ خديعَةٌ.. فتألّما هاجت عواصِفُهُ تُـعِـدُّ مُخلِّصًا والرّيـحُ غاضبةٌ تصدُّ تظلّما! حيفا تنامُ على ضلوعِ مهاجرٍ والكرملُ الوسنانُ يجثو نائِـما فاحتْ زهورُ تِـلالِهِ وتعطّرَتْ.. أنفاسُ صُـبحٍ باتَ يلهو حالِما قد ضاقَ مثلي بالزّمانِ كأنّهُ أمسى مخيفا صامتًا متشائما ذابت خيوطُ النّورِ منهُ تأسّفًا صارت منارًا فوقَ ديرٍ قائما في طلعةِ العذراءِ يبكي كرملي ومآذنُ الأديانِ باتت صائمهْ! حيفا تنامُ على ضلوعِ مهاجرٍ أجراسُها صمتَتْ وعيني لائمهْ!
مجيد حسيسي/ إليكَ عنّي: يا مـَن تسربلتَ حنايا جسدي وتزودتَ من طعامي ودَمي/ وصِرتَني وصِرتَني مثلي حالمًا أو نادمًا تشكو عنائي من فمي/ صرنا على وجهِ المياهِ موجةً تكسّرَت على صخورِ العدمِ/ صرنا على صدر الليالي نجمةً تساقطت على شفاهِ النّدمِ/ صرنا على الفجرِ الرّطيبِ قُبلةً تبخّرت فوقَ الرّصيفِ المُـعتِمِ/ رسمتَني كالطّـائرِ المذبوحِ في ليلةِ إلهامي ربيعَ الموسـمِ/ أنتَ الذي جاءَ بداخلي وانتهى بداخليي سمو معي للأنجُمِ/ أنتَ الذي يُضحِكُني بدمعِهِ تبكي معي على ذراعي ترتمي/ طفلانِ كنّا حينَ ضعنا وانتهتْ هُويّتي فجئتَـني لتحتمي/ دخلتَ نفسي من سراديبِ المنى قد وشَمونا بلهيبِ الميسمِ/ صرنا معًا نمشي على غيرِ هدىً صرنا بقايا قلبِـنا المُتيّـمِ/ أنتَ الذي ابكيكَ فيَّ خاسِرًا خسِرتَني خسِرتَني كلَّ الأسهمِ يكفيكَ أنّي أحملُ الإسمَ الذي سُـمّيتَـهُ لأهلِ فخرٍ ننتمي/ أنت الذي أضعتَ منّي سيرتي إليكَ عنّي فكفاني خاتَـمي/ بإصبعي مزركشٌ.. ما غشّـني ما كان من أسبابِ تعسي المؤلِمِ/ إليكَ عنّي.. لن تبيعَ موقفي من ثورتي.. أنا لشعبي أنتمي/ إليكَ عنّي فإنّي من يَعْرُبٍ ما كمتُ يومًا في ثيابِ الأعجمي!!
مجيد حسيسي/ أنّةُ المسيحْ: يا ربُّ كفاني تجربةً فالأرضُ مثيرةُ أحزاني وتُدمي النَّفْسَ في جسدي فشعبُ الأَرْضِ أعياني نزلتُ الأرضَ بالتّقوى نثرتُ الحُبَّ في الطّرُقِ جمعتُ النَّاسَ من حولي زرعتُ الشّمسَ في الأُفُقِ وفوقَ الماءِ أحيانًا مشيتُ كأنَّ في حقلي فقالوا ذاكَ مجنونٌ وقالوا هذا من زُحلِ/ فبتُّ كأيِّ مأفونٍ وباتَ الجِنُّ في عقلي سئمتُ النَّاسَ أعلّمُهم سئمتُ الرّوحَ في بلدي أدرْتُ الخَـدَّ في جَلَدٍ شبعتُ الضّربَ في جسدي سئمتُ النَّاسَ أسامحهم سئمتُ الرّبَّ في النّـاسِ لئنْ صممتَ يا ربّي على إيفادي للأرضِ فهذي الجنّةُ اِفتحْها لأخرجَ منها للأبدِ/ فنارُ جَهَنَّمَ أُخمِدُها ونارُ النَّاسِ تكويني فسجّلْ تحتَ أقدامي وفوقَ الشّمسِ من عِبَري: مسيحُ النَّاسِ يكرهُهم لأنّ النَّاسَ مُذْ وُجِدوا يدوسون على النَّاسِ وأنّ الدّينَ لا يُجدي فدينُ النَّاسِ في النَّاسِ
مجيد حسيسي/ مـَن يا تُرى في هذه الدنيا أكونْ: من يا ترى في هذه الدنيا أكونْ؟ أمِنَ الجهالةِ والعدمْ؟/ أم من سلالةِ زاهدٍ عافَ الحيــــاةَ بكلِّ ما فيها وسافر في طريقٍ من ضبابٍ من ندمْ؟/ وأنا على هذا الرّصيفِ مواعدٌ وصلَ الظّنونْ النّورُ من وَهَجِ الفنارِ يخيفُني والصّمتُ يجعلُني شريكًا في السّكونْ أتحسسُ الأحلامَ أشربُ خمرتي.. من دَنِّ فجرٍ حالمٍ.. والنّجمُ يرقصُ في جنونْ مـَن يا ترى في هذه الدنيا أكونْ؟ أمِنَ الثَّرَى قد جئتُ طينًا ينشوي فيهِ القمرْ؟ أم من ترابٍ باردٍ لا ينكوي منه القَدَرْ؟ أم من رياحٍ عاصفهْ؟ أم من قنابلَ ناسفهْ؟ أم أنّ في الدنيا مكانًا جئتُ منه وانتهى مثلي بلا وطنٍ.. سماءٍ.. أو مطرْ؟ من يا ترى في هذه الدنيا أكون؟ أمِنَ الجُنونِ وشربِهِ كأسَ المجونْ؟ أو من تلاقي الشّـرِّ في جحرِ الفجورْ؟ أو من بلادٍ لم يعُدْ فيا التَقى.. كفرَتْ بنعمةِ ربِّها.. عبدتْ صحورْ؟ باعتْ كرامةَ جلدِها وتمرّدتْ صارت مَتاعًا .. تنتشي من خمرةٍ.. والفِسقُ فيها في الجدورْ؟ من يا تُرى في هذه الدنيا أكون؟؟ للهِ فينا.. بعضُ شيءٍ من شؤونْ !

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة