إلى أين الحرب على الإرهاب؟!

دراسات (:::)
صبحي غندور* – واشنطن (:::)
مضى 14 عاماً على الأعمال الإرهابية التي حدثت في الولايات المتحدة يوم 11 سبتمبر 2001. وهاهي أميركا تقود الآن تحرّكاً دولياً لمواجهة نسخة جديدة من جماعات الإرهاب، لكنها جماعات بالمضامين نفسها التي تسيء للإسلام فكراً وممارسة، وعلى الساحات العربية ذاتها التي تدفع الثمن الباهظ نتيجة وجود هذه الجماعات والتوظيف الدولي لهذا الوجود ولكيفيّة مواجهته.
حتماً، ما حدث في نيويورك وواشنطن، يوم 11 سبتمبر 2001، كان عملاً إرهابياً ومأساةً إجرامية بكلِّ التفاصيل والأبعاد والنتائج، ولم تجد واشنطن من اختلف معها على ذلك، لكن وجدت واشنطن من يختلف معها حول كيفية الردّ وحدوده وأمكنته، وأيضاً حول مدى شمولية مفهوم أميركا للإرهاب. فمثلاً، ما زالت الولايات المتحدة تعتبر أنَّ أيَّ عملٍ عسكريٍّ ضدَّ الجيش الإسرائيلي هو عمل إرهابي، حتّى إن كان وجود هذا الجيش الإسرائيلي بشكل احتلالٍ على فلسطين وأراضٍ عربية أخرى.
ألم تكن واشنطن (قبل العام 2000، كما هي بعده) ضدّ المقاومة اللبنانية للاحتلال الإسرائيلي، رغم أنّ هذه المقاومة كانت تواجه فقط المحتلّ الإسرائيلي وعملائه فوق الأراضي اللبنانية المحتلة؟! أليس التوصيف الأميركي لأي مقاومة فلسطينية مسلّحة بأنها “حركات إرهابية” يستمر لعقود بغض النظر عن الجهة التي تقاوم إسرائيل؟!.
فالسؤال الأهم، الذي لم تجب أميركا عليه بعد في حربها ضدّ “الإرهاب”، هو تحديد مفهوم الإرهاب نفسه حتى لا يختلط بتسمية الإرهاب حقّ المقاومة لدى الشعوب الخاضعة للاحتلال، وهو حقٌّ مشروع بكافّة الشرائع وبالمعايير الإنسانية.
فذريعة مكافحة الإرهاب كانت خلف القرار الأميركي بغزو أفغانستان أولاً، ثمّ العراق، ثم الحصار والحرب على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة طيلة فترة حكم شارون وما بعده، كما كانت هي العذر لحروب إسرائيل على فلسطين ولبنان منذ العام 2006 حتّى الحرب الأخيرة على غزّة.
***
قبل 11 سبتمبر 2001، وخلال عقد التسعينات تحديداً، زرعت في نفوس وعقول الأميركيين والغربيين عموماً أطنان من الكتابات عن “صراع الحضارات” .. وحدثت عشرات الحوادث الإرهابية كانت المَلامة فيها على “جماعاتٍ إسلامية وشرق أوسطية” .. بينما كان العديد من المؤسسات الإعلامية الأميركية والغربية يمارس “غسل دماغ” الغربيين ب”مساحيق إسرائيلية” صباحاً ومساءً .. ذلك كلّه يحدث وكثرة من البلدان العربية والإسلامية تعيش أزماتٍ سياسية واقتصادية وأمنية تهجِّر المزيد من مواطنيها إلى دول الغرب، حيث يزداد الخوف من هذه الهجرة العربية و”الإسلامية” وتأثيراتها على هذه المجتمعات الغربية.
جهاتٌ عديدة غير عربية وغير إسلامية استفادت من الأحداث الإرهابية يوم 11 سبتمبر 2001، كما تستفيد الآن، من سوء طروحات وممارسات جماعات “داعش” وكل الجماعات التي تمارس العنف الإرهابي تحت أسماء عربية وإسلامية.
ولا تختلف كثيراً الصورة الآن بوجود “داعش” فيها عمَّا كانت عليه عقب هجوم 11 سبتمبر2001، فما زال حال العرب والمسلمين في أميركا والغرب يتأثّر سلباً بنتائج هذه الممارسات العنفية، وبما يرافقها أيضاً من حملات تشويه وتعبئة عنصرية ضدّ كل ما يمتّ للعرب والمسلمين بصِلة.
هذا هو المزيج المستمر الآن في الغرب عموماً بعد 14 عاماً على 11 سبتمبر 2001، ومع حدوث “طبعة جديدة” من الكتاب المفتوح زمنياً ومكانياً: “الحرب على الإرهاب”، وعنوان فصله الجديد هو الآن: “محاربة تنظيم الدولة الإسلامية”!!. يحدث ذلك بينما إسرائيل (التي هي “جغرافياً” في الشرق، و”سياسياً” في الغرب، وتنتمي إلى حالةٍ دينية “لا شرقية إسلامية ولا غربية مسيحية”) هي المستفيد الأكبر من صراعات الشرق والغرب، ومن كون هذا “الإرهاب الإسلامي الجديد”، كما كان قديمه في “القاعدة”، يتجنّب محاربة إسرائيل بل يخدم مشاريعها في إقامة حروبٍ أهلية عربية وإسلامية!.
فما الذي ينتظر العراق وسوريا الآن (واستتباعاً كل المشرق العربي) من تطوراتٍ واحتمالات، وهل ما يحصل هو مقدّمة لتسويات دولية وإقليمية، أو مجرّد تقاطع مؤقّت لمصالح الدول التي تدير الأزمات وحلولها خلال هذه الفترة؟! ثمّ في حال حدوث توافقٍ مؤقّت بين هذه الدول على مواجهة “داعش” وإفرازاتها، فما الذي سيحصل بعد النجاح في هزيمة هذه الجماعات الإرهابية وما سيكون بديلها على الأرض من حكومات ومعارضات وتسويات سياسية، بل أيضاً من حدود كيانات؟!. وهل ستتّعظ القوى الإقليمية والمحلّية التي راهنت على جماعات “النصرة” و”داعش” خلال السنوات الماضية من هذه التجربة المرّة في التحالف مع قوى شيطانية إرهابية لم ترحم أحداً في مناطقها من كلّ الطوائف والمذاهب والإثنيات.؟!
تساؤلاتٌ عديدة جارية الآن دون قدرةٍ على حسم الإجابة بشأنها، فمحصّلة السنوات الماضية من هذا القرن الجديد لا تشجّع كثيراً على التفاؤل بمستقبلٍ أفضل، طالما أنّ البلاد العربية هي ساحات لمعارك وصراعات، وليست مصدر قرارات أو قدرة على الاعتماد على الذات من أجل تصحيح الواقع وتغيير مساره لصالح العرب أنفسهم أولاً. فالتدخّل العسكري الأجنبي لإسقاط أنظمة، جعل بديل الأنظمة في هذه الأوطان، ميليشيات مسلّحة على أسس طائفية وقبلية وإثنية أطاحت بكل مقوّمات الدولة الواحدة، وأضعفت الولاء الوطني والقومي، وغيّبت أي ممارسة سليمة لمفهوم المواطنة، وسبّبت بتهجير مئات الألوف من المواطنين. فالخوف هو إذن من أن تكون الحرب على “داعش” ومثيلاتها هي مقدّمة لتكريس انقسامات حدثت في السنوات الماضية، فأنتجت واقعاً مريراً بين أبناء الوطن الواحد، وأقامت حواجز من الدم والكراهية للشريك الآخر في الوطن والمواطنة، بل أيضاً كرّست انقساماتٍ جغرافية تهدّد الآن وحدة الكيانات والأوطان.
الحذر مطلوبٌ الآن من المستقبل، كما هو مطلوبٌ رفض الحاضر وتداعيات الماضي. إذ أنّ الوعد بمستقبلٍ أفضل يفترض وجود عناصر لم تزل مغيّبة حتّى الآن، وتحتاج إلى مراجعات كثيرة مع النفس لدى كل الأطراف العربية والإقليمية المعنيّة بالأزمات الراهنة. ولعلّ أولى هذه المراجعات هي وقف المراهنة على “شيطان الداخل”، المتمثل الآن بجماعات الإرهاب، من أجل تحقيق مصالح فئوية لهذا الطرف أو ذاك، كما هو مهمٌّ أيضاً الآن الاعتماد على الذات العربية لبناء مستقبلٍ عربيٍّ أفضل، بدلاً من تكرار انتظار الترياق من الأجنبي الإقليمي أو الدولي، وهو ما يحدث على مدار قرنٍ من الزمن، ولم ينتِج إلاّ المزيد من المآسي والأزمات في المنطقة العربية.
لقد خرج النفوذ الأجنبي من باب المنطقة في منتصف القرن الماضي بفعل ثوراتٍ تحرّرية عربية، لكنّه عاد الآن إلى المنطقة من نافذة المعاهدات مع إسرائيل، ومن خلال نتائج الحروب العربية- العربية، وخطايا بعض الحكّام الذين استباحوا أوطاناً عربية أخرى أو حقوق مواطنين عندهم. لكن ذلك كلّه ما كان ممكناً أن يحدث بهذه الصورة الدموية التي نراها الآن في المجتمعات العربية لولا أيضاً وجود تخلّف فكري يسمح بالمتاجرة بالدين والطوائف، كما الانحطاط حاصل في مفاهيم وممارسات معاني الهُويّات الوطنية والقومية.
فما يحدث الآن في عموم أرض العرب، هو تعبيرٌ ليس عن مشاريع ومؤمرات خارجية فقط، أو عن خطايا حكومات وأنظمة فحسب، بل أيضاً هو مرآةٌ  تعكس الفهم الشعبي العربي الخاطئ للدين وللهويتين العربية والوطنية، ولمدى خلط بعض المعارضات بين مواجهة الحكومات وبين هدم الكيانات الوطنية، ولسقوط بعض المعارضين والمفكّرين والسياسيين في وحل وهُوّة التفكير الطائفي والمذهبي.
إنّ الأمَّة العربية مثقلةٌ الآن بالجراح، والدم ينزف من شعوبها بفعل صراعاتٍ أهلية، وليس نتيجة معارك مع عدوّها الإسرائيلي المشترَك الذي استفرد الآن بالشعب الفلسطيني، ويمارس عليه العدوان والقتل والدمار، ويواصل الاستيطان والتهويد للأراضي الفلسطينية وللقدس الشريف، بينما العرب منشغلون بأنفسهم وبصراعاتهم الداخلية وبمصالح فئوية لهذا الحاكم أو ذاك المعارض..
11-9-2015
* مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة