الشهادة والجذور

فن وثقافة (:::)
بقلم د . محمد الحريري (:::)
الشهيد والشهادة والشهود والإشهاد كلمات تُردُّ إلى الجذر الثلاثي ( ش هـ د )، وقد مرَّ ذكرها
في القرآن الكريم ، وهي على العكس من الغيب ، فهناك عالمان هما عالم الغيب والشهادة ،
أي الغياب عن الحواس والحضور .
وفي اللسان ( مادة : ش هـ د ) : من أَسماء الله عز وجل: الشهيد. قال أَبو إِسحق: الشهيد
من أَسماء الله الأَمين في شهادته. قال: وقيل الشهيدُ الذي لا يَغيب عن عِلْمه شيء.
والشهيد: الحاضر.
وفَعِيلٌ من أَبنية المبالغة في فاعل فإِذا اعتبر العِلم مطلقاً، فهو العليم، وإِذا أُضيف في الأُمور
الباطنة، فهو الخبير، وإِذا أُضيف إِلى الأُمور الظاهرة، فهو الشهيد، وقد يعتبر مع هذا أَن
يَشْهَدَ على الخلق يوم القيامة. ابن سيده: الشاهد العالم الذي يُبَيِّنُ ما عَلِمَهُ، شَهِدَ شهادة؛
ومنه قوله تعالى: شهادَةُ بينِكم إِذا حضر أَحدَكم الموتُ حين الوصية اثنان؛ أَي الشهادةُ بينكم
شهادَةُ اثنين فحذف المضاف وأَقام المضاف إِليه مقامه.
وقال الفراء: إِن شئت رفعت اثنين بحين الوصية أَي ليشهد منكم اثنان ذوا عدل أَو آخران من
غير دينكم من اليهود والنصارى، هذا للسفر والضرورة إِذ لا تجوز شهادة كافر على مسلم إِلا
في هذا.
ورجل شاهِدٌ، وكذلك الأُنثى لأَنَّ أَعْرَفَ ذلك إِنما هو في المذكر، والجمع أَشْهاد وشُهود،
وشَهيدٌ والجمع شُهَداء.
والشَّهْدُ: اسم للجمع عند سيبويه، وقال الأَخفش: هو جمع.
وأَشْهَدْتُهُم عليه.
واسْتَشْهَدَه: سأَله الشهادة.
والشَّهادَة خَبرٌ قاطعٌ تقولُ منه: شَهِدَ الرجلُ على كذا، وربما قالوا شَهْدَ الرجلُ، بسكون الهاء
للتخفيف؛ عن الأخفش.
وقولهم: اشْهَدْ بكذا أَي احْلِف.
والتَّشَهُّد في الصلاة: معروف؛ ابن سيده: والتَّشَهُّد قراءَة التحياتُ للهِ واشتقاقه من «أَشهد أَن
لا إِله إِلا الله وأَشهد أَن محمداً رسول الله.
وفي التنزيل : (( واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن
ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى )) سورة البقرة/ 282 .
وهذا لا يمثل انتقاصا لمقام المرأة أبداً وإنما يتسق مع طبيعتها في عدم الاهتمام بالأمور
المالية والتجارية ، أما في الأمور النسائية الخاصة كالرضاع والحضانة وما حولهما فشهادة
المرأة كاملة تماما وتردُّ فيها شهادة الرجل .
والشهيد في الإسلام من قُتِل مظلوماً ، أو قضى نحبه في سبيل هدف سام .
وهو كذلك في الشريعة النصرانية .
والشهادة في الفقه الإسلامي شهادتان:
1-    الشَّهادة الأولى: هو القتيل مِن المسلمين يقعُ شهيدًا في المعركة وهو يُقاتِل في سبيل الله؛
فهذا هو الشَّهيدُ حقيقةً، وهذا له أحكامٌ معروفة في الإسلام من حيث الكفن والدفن
و…..
فهو لا يُغسل، ولا يُكفَّن، ويُدفن في ثيابه التي تَضمَّخت بالدِّماء الزَّكيَّة، ويُدفن في المكان الذي
وقع فيه صريعًا. وهي أحكام خاصة بالشَّهيد في المعركة تُطلب من مظانها.
2- ثمَّ هناك شهادة حُكميَّة، ولا يترتب من ورائها شيءٌ من هذه الأحكام المتعلِّقة بالشَّهادة أو الشَّهيد الحقيقيُّ.
هذا النَّوع من الشَّهادة؛ وهي الشَّهادة الحُكميَّة، إنما تُنقَل -بطبيعة الحال- مِن ما حكم الشَّارع الحكيم بأنَّ من اتَّصف بكذا؛ فهو شهيدٌ.
مثلاً: يقول الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مَن مات دون ماله فهو شهيدٌ، ومن مات دون
دمهِ فهو شهيدٌ، ومن مات دون أرضه فهو شهيدٌ))[رواه أبو داود والنسائي]، من قتله بطنه
فهو شهيد، من قُتِلَ في الغرْق أو الهدم فهو شهيد، ويُقاس على شهيد الهدم الميت بحوادث
السيارات والطائرات ، ومن قُتِلَ بداء السّلِّ فهو شهيد، والمرأة الجمعاء تموت في نفاسها
فهي شهيدة.( رواه النسائي وأبو داود في السنن ) .
هذه بعض النَّماذج مما صحَّ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه أطلق عليه اسم شهيد، ومع
ذلك فالعلماء مجمعون على أنَّ هذا الإطلاق لا يعطيه فضيلة الشهيد حقيقةً الذي مات في
المعركة؛ وإنَّما هو من باب التَّقريب في الفضل؛ يعني هؤلاء الذين أَطلق عليهم الرَّسول عليه
الصلاة والسَّلام أنَّهم، أو أنَّ كل واحد منهم شهيد، له فضل لا يساويه في ذلك سائرُ النَّاس
الذين لا يموتون في حالةٍ من هذه الأحوال. وألحقوا بهم ميت السرطان ، والجامع بينهم
المعانــاة وقسوة الحالة التي ماتوا عليها ، والله أعلم ,
وأول شهيد في الإسلام هو السيدة سميّة أم عمّـار وزوجها ياسر رضي الله عنهم .
وهناك في بلاد الإسلام طقوس يتم فيها تمجيد الشهادة والشهداء ، فهناك مقابر خاصة
بالشهداء وعيد للشهداء ، ومدارس للشهداء وأبنائهم ، ودروس ومساقات تتحدث عن
الشهادة والشهداء ، وكان آخر هذه الطقوس ما تقرر في دولة الأمارات من تخصيص يوم
للشداء ، بعد أن استشهد عدد من أبناء الأمارات البررة على أرض اليمن
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين ، والحمد لله رب العالمين ،،، والله أعلم .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة