المضحكات (3)

فن وثقافة (:::)
بقلم : عبد الرحيم الماسخ – مصر (:::)
: { شرُّ البلِيّة}
الفكاهة في مُجملها مُحبَّبة إلى النفس الطبيعية , تُخفف من أعباء الحياة على الإنسان ,  فتجعلهُ  قادرا على تجاوز المُحن , مُستعِدًّا للمفاجآت , لا يسأم ولا يئن أو يرِنُّ تحت نِير المعيشة , وظروفها , لذلك كان للنوادر مكانتها في تراثنا الأدبي , فلم يغفلها أديب في صحائفه , لكن النوادر الموضوعة في غير عِلَّتِها , الموصولة بالمَكارِه , المحفوفة بالمخاطر مع ندرتها وحرص الناس على عدم الخوض في مياهها الخطرة , فهي موجودة وإن ندرت , وعلى كراهية النفس لمُفارقاتها و قدرتها على الإضحاك لحظة البكاء , مما يثير الاستخفاف بالحدث وإثارة الغيظ والشك في احترام الآخرين للألم الإنساني ومُعايشته , وقد تصل بالناس إلى حد القطيعة , من ذلك أن رجلا تُوفِّيت عنه زوجته بعد الولادة مباشرةً إثر نزيف حدث في الرحم , فتركتْ له تلك الزوجة رضيعا لم تُرضعه وأيتاما من نسلها لم تكمل تربيتهم وبيتا يحتاج أنفاسها لتستقر أركانه وأعداءً ردَّتهم الشماتة ُ إلى عمر الورود وأحبابا هِرمُوا أسىً  في لحظة فارقة , وأثناء تشييع الجنازة جلس بجانبه أحد أقاربه من الظرفاء فهمس في أذنه إذ وجده شديد الحزن مُنهمرَ الدموع قائلا له : اصبر فما باليد حيلة عوَّضك الله خيرا مما أخذَ منك , ثم استطرد قائلا له : لقد ماتت والسلام فلا فائدة تُرجى من الحزن , وعلى كلٍّ هي لم تكن ذات قيمة ولم تحُلَّ العُقد يوما ما ابنة ال……….. وأهان زوجته المتوفية أمامه علانيةً , دُهش الرجل ونظر إلى موكب الجنازة الحافلة فلم يستطع الرد على قريبه ولكنه كاد يتميز من الغيظ , وبعد أيام مات والد ذلك القريب الظريف وأثناء تشييع الجنازة جلس صاحبنا بجانبه وهمس في أذنه : اصبرْ فما فائدة الجزع وشدة البكاء , عموما صبرتَ  أم لم تصبر لقد توفّاه الله ولا فائدة لأحزانك , ثم استطرد قائلا له : إنه كان رجلا قليل القيمة ما له صرف ولا عدل ولا قول ولا فعل ابن ال……….. , نظر الرجل إلى موكب الجنازة فلم يستطع الرد وإن أحرقته المفاجأة ,  وصبر يوما على الجمر ثم جمع الناس وحكى لهم ما بدر من قريبه , فأرسلوا إليه وإذ واجههم بأقوال قريبه في حق زوجته أثناء جنازتها عذروه عن أقواله في حق والد قريبه أثناء جنازته .

10 : { شطفية }

أسماء الناس من حقوقهم الأكيدة على آبائهم , فلا يُعقل أن يتلاعب الأب في اسم ابنه أو ابنته ويدَّعي أبوَّته له , فالأبوة والأمومة حرز للطفل في حياتهما وبعد موتهما , وكما يعمل الأب ويحرم نفسه ليمنح أبناءه مزيدا من الرخا ء , كذالك وجب عليه اختيار الأسماء بعد اختيار الأم مباشرة , ففور ميلاد الطفل يتبارى كل من يدَّعون حبَّهم له وسعادتهم به إلى اختيار أسماء كثيرة له وعرضها على والديه ليختارا بمحض إرادتهما أحسن الأسماء لابنهما , والوالدان بطبعهما محبان لطفلهما حريصان على سعادته , وما ينغِّص حياة الإنسان من المهد إلى اللحد إذا لم يكن الاسم الكريه الذي يصير مضغًة في الأفواه ومدعاة للسخرية , ونكتة سخيفة تلوكها الألسنة ومضحكة مكممة في الصدور ما تلبث أن تخرج من آن لآخر منكسة هامة صاحب الاسم بلا ذنب ارتكبه ولا خطيئة أحاطت به , إنه الاسم العنوان الدال على شرف صاحبه , فكيف يكون عنوان المرء ازدراؤه واستحقاره والحط من قيمته ؟ , لكن بعض الناس لغرض واضح أو خفي في نفوسهم  يتلاعبون بأسماء أبنائهم فينتقصون دون دراية منهم   من قدر أبنائهم , ويطرحون عليهم بذلك عبئا كانوا هم وأبناؤهم في غنًا عنه , لقد كان لنا زميل عمل هادئ الطبع ذكي العقل متقن لعمله كتوم لسره خبير بطرق معاشه حريص على صالح بيته لا يشكو من ضائقة مسّته ولا يفرح لبهجة حضرته , فكنا نغبطه على طول صبره ومواصلة استقراره , و ذات يوم طلبتْ منا الإدارة إقرارات حالة اجتماعية , وأثناء كتابة تلك الإقرارات نظر زميل لنا في ورقة صاحبنا ثم هب واقفا وقال : أريد شطفة شاي , فإذا بزميلنا الصبور الكتوم يصيح به ويحاول الإمساك بعنقه يُعنِّفه , فأمسكنا بهما ولم نفهم شيئا , لكن الزميل الآخر قال لنا : لقد لمحت اسم زوجته في إقرار الحالة الاجتماعية إنها شطفية , وفي الحال قامت قيامة زميلنا الكتوم الصبور , وانتهى الأمر في قسم الشرطة .

11: { مفخرة }
الفخر من طبيعة البشر ومنه المحمود والمذموم , فمن الفخر المحمود فخر الإنسان بوطنه الحر وقومه الأفذاذ وعمله الفاضل ……. إلخ , ومن الفخر المذموم كثرة فخر الإنسان بنفسه مع قلة هِمَّته وفخره بماله مع شهرة بخله وفخره بعطائه مع ضعف رفده , الإنسان في كل الأحوال فخور وإن أبدى تجاهلا لذاته وإنكارا لجهده , ففي لحظة فارقة يتبدَّى فخره واعتزازه بنفسه على سطح حياته كالقمر في كبد سماء الليل , الفخر في كل الأحوال وهو من طبيعة البشر قد يكون مُستساغا في أحيان كثيرة , لكن فخرا من نوع آخر يظهر في حياة البخلاء من الأغنياء كما أنه يظهر في حياة كثيرين من الفقراء وهو الفخر بالوهم , فمن ذلك أن أخوين كانا من ذوي كثرة العيال مع قلة المال , أحدهما يجمع أبناءه كل ليلة ويظل يصيح بهم : خذ نصيبك على صدرك يابن ال……….. , كل ليلة يسمعه أخوه وأبناؤه لأكثر من ساعة يصيح ويصيح , فيتعجبون إذ أنهم يعرفون أن عمَّهم هذا لا يملك الكثير من المال فمن أين يأتي باللحوم الكثيرة التي يُفرِّقها على أبنائه الكثر كل ليلة ؟ أحد أبناء أخيه قال لوالده ذات ليلة : عمِّي شطرُنا في الأرض والدار فمن أين يأتي بكل الأنصبة التي ُيفرِّقها في أبنائه كل ليلة بينما نحن لانجد الخبز الحاف ؟ فقال له والده /عمُّك هذا أخي وأنا أعرفه أكثر منك فلا معه لحوم ولا يحزنون وإنما هو يمثل غِناه علينا ونحن نصدِّقه فإن أردتَ التأكيد فاذهب إليه الآن مُتخفيًّا فبيته مظلم وأبناؤه كثر فاختِلطْ بهم وخذْ منه نصيبا مثل أبنائه ولنرى , بالفعل ذهب ذلك الابن إلى بيت عمه ودخله بسهولة واختلط بأبنائه , بينما عمه مأخوذ بفعله العظيم يصيح ويُناول أبناءه واحدا واحدا : خذ نصيبك على صدرك ياابن ال ……… وإذ جاء دور صاحبنا صاح به عمه وكأنه لم يره خذْ نصيبك على صدرك يا ابن ال………  فأخذ نصيبه وأسرع إلى والده وأخوته ليُطلعهم على النصيب الخطير إنه نصف رغيف من الذرة مغموس بالملوخية الحافية .
12 : { إغلاق}
من أعجب خصائص الإنسان المُنفتح على الدنيا بطبعهِ الانغلاقُ على جماعة لها أسرارها المستورة عن الآخرين , وإن كانت سياسة الإنغلاق معروفة في التاريخ , وما أشهر قصص قطَّاعي الطُرق والشعراء الصعاليق ……….. إلخ , لكن سياسة الانغلاق لا تليق بالمُجتمعات التي تدَّعي التحضُّر , فلا يصحُّ أن ينغلق التاجر والصانع والزارع …….. إلخ على أنفسهم فهم من الآخرين وإليهم وبهم , فما بالنا أن ينغلق البعض بسرِّهم عن الحكومة , كأنْ يتصرَّف البعض من خارج القيادة وباسمِها أحيانا , في تلك الأحوال نعتقد أنّ الأمور لا تكون على ما يرام وأن حالة من التسيُّب ستحلُّ بكلِّ شيء , فلا بد في تلك الحالة من فرض العلاج  ولو بالقوة لإعادة الأمور إلى طبيعتها , لقد حدث معي إذ كنتُ مُوظّفا في قطاع الزراعة أن بعض الناس ممن أقاموا على أطراف حقولهم يعتدون على  الأرض الزراعية بالتجريف والبناء وضرب الطوب بصورة مباشرة ومستمرة , و بسبب انغلاقهم على بعضهم لا يستطيع الموظف المُكلَّف تحرير محضر بأية واقعة مما يرى منهم  أمامه , لقد زادت مُخالفاتهم , فذهبتُ إليهم راجيا الحصول منهم على أسماء المُخالفِين وحدودهم , لكنهم واجهوني بالسخرية وأقسموا لي كذبا أنهم لا يعرفون شيئا عن أي شيء , أعدت الكرَّة مرارا وتكرارا بلا فائدة , سألتُ جيرانهم فلم يفيدوني بشيء , فظللتُ أتحيَّن الفرصة للإيقاع بهم , بعد أيام رأيتُ سيّارًة حكومية تتجه إلى بين شيخ الناحية الذي هو أمامهم , وبعد عودتها من حيث أتتْ , أسرعتُ إليهم وبعد السلام والتحيّات فاجأتهم بقولي : لقد رأيتم سيارة الحكومة تمرُّ من هنا وتذهب إلى شيخ الناحية أتدرون لماذا , لقد حررتِ الوحدة ُ المحلِّية لكم خمسين محضرا بإمضاء ذلك الشيخ وهم الآن يطلبونني لاعتماد كل تلك المحاضر , وأنا كما تعلمون في صفِّكم ولن أنشقَّ عنكم أبدا لذلك أرجوكم أن تعطوني المحاضر على الطبيعة فهي لن تزيد عن الثلاثين على أي حال , حتى أتمكن من إلغاء بقية ما عليكم منها , تزمَّرَ البعضُ وضجُّوا وتهامسوا ثم قالوا : لا فائدة سنعطيك المحاضر بشرط أن يُملل عليك كلُّ مُخالف مخالفته بنفسه ثم نرى كيف نردُّ على شيخ الناحية هذه الخيانة , وأقسم بعضهم أن ينتقم منه على فعلته , وبدأتُ أكتب بكل سهولة وهم يتوعَّدون وسأل بعضهم البعض أحيانا : كيف اخترقنا ذلك الغِرُّ فأبلغ بأسمائنا اللجنة القروية كيف ؟

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة