حدائق الأديب فيصل التلاوي

اصدارات ونقد (:::)
بقلم : خيري حمدان – الاردن (:::)
شعرتُ وأنا اتجوّل بين قصص المجموعة القصصية الموسومة بعنوان “حديقة بلا سياج” للأديب الفلسطيني المبدع فيصل سليم التلاوي، شعرتُ كأنّي أتنقّل في متنزّه كبير منفتح ترتبط حدائقه بعوامل طبيعية وذاتية عميقة. تمتلك هذه المجموعة بعدين: أحدهما داخليّ وآخر ذو شمولية في الرؤية والطرح. البعد الداخلي يتوضّح في العلاقة المتينة التي تربط محاور العديد من القصص بالوطن والتاريخ والعادات والتقاليد والسلوكيات الأصولية والمكتسبة. وقصة المهر أفضل مثال على ذلك، توضح بجلاء مشاعر بطلها إبراهيم الباحث عن السعادة العاطفية بالزواج من خضرة، ودفع المهر المطلوب بطريقته المأساوية الخاصّة.
كما يمكن ملاحظة دقّة الكاتب في تتبّع تفاصيل الحياة اليومية وسردها بطريقة ممتعة دون ملل، وبقلم متمكّن من آليات اللغة والنحو وثراء قاموس المفردات دون إثقال. الأديب فيصل التلاوي يلجأ كذلك إلى نقد الواقع بصورة مؤلمة، وأعتقد أنّ هناك ضرورة لاستخدام هذا النمط من التشريح الأدبي للمجتمع لمعالجة سلبياته ونواقصه، ومثال ذلك استحالة التوظيف دون “الواسطة”، وقصّة “الرجل المناسب في المكان المناسب”، والتي جاءت مفاجئة ومتموضعة بصورة معكوسة لما هو متعارف عليه بما يتعلّق بهذه المقولة.
العمق الشموليّ لهذه المجموعة يتمثّل بتوظيف مفاهيم عالمية وأساطير غارقة في أدغال التاريخ لاستشفاف حقائق غائبة عن أذهاننا، كما في قصّة “فيل السلطان”. في هذه الحكاية ينسحب المثل “شرّ البليّة ما يضحك”، حيث جُرّ الوبالُ والشدّة على الأهالي لجبن شجعانها أمام السلطان، وكذلك قصّة المسافر ذات البعد الفلسفيّ ولها إسقاطات عديدة وجريئة على الواقع في زمن بات فيه الاحتكار والتسلّط السمة الرائدة في العديد من المجتمعات حول العالم.
لم يفت الأديب التلاوي كذلك التطرّق لوفاء الحيوانات وتوصيف عوالمها الجميلة كما في قصة “الحسون”، في الوقت الذي باتت فيه هذه الحيوانات هدفًا ومصدرًا للبروتينات لاستهلاك البشرية جمعاء، وغاب عنّا تألّقها وكرامتها وتجلّيها حتّى في لحظات الموت والهلاك كما في قصة “الغزال الأبيض”. ولنا أن نعيد النظر في علاقتنا الجدلية مع الطيور على ضوء ما ورد في هذه القصص.
الحِكَمُ الواردة في جوهر هذه القصص ليست مباشرة ومصحوبة بنبرة ساخرة تلسع أصحاب المشاعر البليدة، كما في قصّة الجائزة إحدى القصص المحمّلة بطاقة كبيرة من السخرية حدّ الألم والدهشة. كما يقودنا الكاتب بحنكة وتؤدة إلى عالم الأنوثة والجمال وإرهاصاته كما في القصّة التي تحمل عنوان المجموعة “حديقة بلا سياج” التي تذكرني بمقولة “المال السايب يعلم السرقة”، لكنّ الكاتب خلط الأوراق وفتح نافذة تسمح لنا بمراقبة هواجس امرأة في منتهى الجمال والتألق، ترقد بعيدًا عن الرجل الذي استحقّ قطاف ثمارها، تاركًا هذا الإرث لحدثٍ أدرك حجم النشوة والثروة المتواجدة على بعد أنملة منه. وللقصّة بعد آخر ينطبق على أصحاب الحقوق الذين تركوها في مهبّ الريح.
كما انشغل الأديب بهموم الغربة والاغتراب في بعض القصص، وبدا الحنين قاتلا لدى سعيد عبد الكريم الذي فضّل الحياة في ألمانيا حتّى حقّق غايته وأصبح جزءًا من المجتمع الألماني هو وأسرته بأكملها، لكنّه شعر بعد مضيّ خمسين عامًا بأنّه يتواجد في الرقعة الجغرافية الخاطئة والوقت أمامه قد فات لتغيير مسار حياته، قصّة (الوردُ من قُربه يُغمي على الجُعَلِ) تحملُ الكثير من الحقائق الموجعة في واقعنا العربيّ والقسوة المرافقة للهجرة والاندماج في المجتمعات الأجنبية رغم تكللّها بالنجاح المادّي.
حين انتهيت من قراءة هذه المجموعة، عدتُ بذاكرتي إلى عالم غي دو موباسان الأديب الفرنسي وأحد رواد القصة القصيرة في القرن التاسع عشر، وهذه مقاربة وليست مفاضلة، فالأديبان متشابهان في القدرة على التحليل، وتشابه ريشتيهما بدقّة المبضع الذي لا يتوانى ولا يحرج بتشريح المجتمع وفضح أدقّ العيوب فيه بغية التخلّص منها وليس التنكيل بأصحابه وأهله. وفي الوقت نفسه مختلفان بحكم الواقع الجغرافيّ والبعد التاريخيّ بين الأديبين. ورغم ذلك تبقى السمات المشتركة بين المبدعين قائمة.
كلمة أخرى لا بدّ من ذكرها بشأن سياسة ترجمة الأدب العربي، بصفتي أحد المعنيين بهذا الاستحقاق الإبداعي، وأحد المنشغلين به. الترجمة الفردية غير المؤسساتية صعبة ومصحوبة بالكثير من العقبات، وهناك ضرورة لتقديم الدعم الرسمي للأدباء والمبدعين في أنحاء العالم العربي، لنقل أعمالهم لفضاءات الإبداع على المستوى العالمي. وهذه المجموعة تمتلك ما يكفي من الطاقة الإبداعية والمميّزات الجمالية لترجمتها لبعض اللغات الأجنبية والتعريف بمؤلّفها الأديب فيصل سليم التلاوي.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة