تعالق فكريّ بين جمال الأدب وموضوعيّة النقد

اصدارات ونقد (:::)
بقلم  : محمد هيبي – فلسطين المحتلة (::::)
هذا المقال، يجيء احتفاء بالأخت فاطمة ريان لحصولها على اللقب الثالث، الدكتوراه، كتقدير لدراستها، “التعالق الجمالي والفكري في أدب محمد نفاع”، التي أصدرتها مؤخّرا، وشرّفتني بإهدائها لي نسخة منها.
من خلال دراستها، أثبتت الدكتورة فاطمة ريان، على الصعيد العام أنّ المرأة الواعية لها دورها الفاعل في حياة مجتمعها، وعلى الصعيد الخاص، أنّها ناقدة لها نظرتها الثاقبة في أحوال أدبنا، وأحوال مجتمعنا السياسية والاجتماعية والثقافية، وأنّها تعي جيّدا تخبّطات مجتمعنا العربي داخل إسرائيل في تحقيق هُويّته، والجهد الذي يبذله للحفاظ على أدبه وتراثه كجزء لا يتجزّأ منها، لما لهما من دور مهمّ في بلورة الهوية وتعزيزها.
مركّبات الهوية التي سأذكرها لاحقا، والتي تُساهم في تشكيل هوية الباحثة، د. فاطمة ريان، وكذلك هوية الكاتب الأديب محمد نفاع، لا غرض لها إلّا إظهار ما تهتمّ به الدراسة من تعريف للهويّة عامة، وتعريف للهوية العربية الفلسطينية داخل إسرائيل بشكل خاص، ومدى تخبّطات مجتمعنا في تحقيق تلك الهوية، وخاصة في ظلّ الظروف التي مرّ بها منذ النكبة عام 1948 وحتى اليوم. وكذلك إظهار قدرة الفكر التقدّمي والإيمان بتقاسم الهمّ المشترك، رغم التباين والتخبّط، على تقريب الأفكار ووجهات النظر في السعي إلى حلول تخدم مجتمع أصحاب الهمّ الواحد، والإنسانية عامة.
من يعرف الدكتورة فاطمة ريان والكاتب الأديب محمد نفّاع، كما أعرفهما عن قرب، سوف يرى كيف أنّ الدين وأيّ فكر آخر مهما تقاطب معه، لا يُشكّلان عقبة أمام تعالق الأفكار التقدميّة التي تهدف إلى خدمة الإنسان والمجتمع الإنساني عامة، وأنّ العلم جاء لخدمة الإنسانية، وليُقرّب بين المواقف الفكرية مهما تباعدت. لأنّ الفكرّ الإنساني، لا يستحقّ أن يُعدّ إنسانيا إن لم يكن هدفه الأول هو خدمة الإنسانية وجسر الهوّة بين اختلافها وشتاتها.
د. فاطمة ريان هي امرأة عربية فلسطينية مسلمة متدينة متحجّبة، لم يمنعها دينها ولا تديّنها، وهما لا يمنعان غيرها إذا أراد، عن حمل أفكار تقدّمية ونشرها، كما لم يمنعها عن متابعة دراساتها الجامعية حتى اللقب الثالث، الدكتوراه، وكذلك أوضاعها الاجتماعية لم تمنعها من التوفيق بين دراستها وبين كونها زوجة وأمّ، لأسرتها حقوق عليها، وكذلك بين عملها كمدرّسة تقضي وقتا ليس بالقليل في مكان عملها وأمام طلابها.
والأديب محمد نفّاع، كاتب عربي فلسطيني درزي، يحمل فكرا شيوعيا أمميا تقدّميا. وقد وضع فكره الإنساني، في مجال السياسة والأدب، في خدمة مجتمعه وإنسانيته. مؤخّرا، التقى فكره بفكر د. فاطمة حين اختارت أدبه موضوعا لدراستها. وقد حقّقت في اختيارها لأدب محمد نفّاع، ازدواجية موفّقة إن صحّ التعبير. فمن جهة اختارت موضوعا من صميم مجتمعنا وتراثنا وحاجاتنا الإنسانية والثقافية، له علاقة وثيقة بشعبنا وهمومه وقضاياه. ومن جهة أخرى اختارت أديبا مبدعا في مجال القصة والرواية، وفي الوقت ذاته إنسانا متواضعا لا تقتله نرجسيته، يعي أهميّة النقد الموضوعي وأهميّة الدور الذي يلعبه النقد والناقد الواعي في حياة المجتمع، ومدى الجهد الذي يبذله الناقد لإظهار الحقيقة للناس، سواء كانت تقطر حلاوة، أو تنزّ دما ومرارة، أو تسكن موقعا ما، بينهما.
في مقال له بعنوان “تعالق بين الشكر والتقدير، والاعتزاز والمسؤولية”، نشرته صحيفة الاتحاد في ملحق عددها الصادر في 31/7/2015، يشكر فيه نفّاع، الدكتورة فاطمة ريان بقوله: “أهدتني الأخت العزيزة د. فاطمة ريان الكتاب بالعنوان المذكور أعلاه (يقصد عنوان الدراسة)، دهمني شعور فيه تعالق بين الشكر والتقدير، والاعتزاز والمسؤولية. وآمل أن أكون على مستوى كلمات الإهداء، وتحقيق هذا الأمل ليس سهلًا، يكلّف الكثير من الجهد” (نفّاع، 2015، الاتحاد، ص 11). وكاتب هذه السطور شاهد، في أكثر من زمان ومكان، على مطالبة نفّاع لنقّاد أدبه، أن يواجهوه بالسلبي قبل الإيجابي، وبإخفاقاته قبل نجاحاته. ويُضيف نفّاع في مقاله المذكور: “يبدو أنّ الناقد والدارس يبذل جهدًا أكثر بكثير من الكاتب، هذا ما تأكدت منه وأنا أطبقه على عطائي المتواضع … عمل الناقد صعب جدًا، ليس بسبب الخشية من حساسية الأديب، الشاعر والكاتب (وهي موجودة لدي الكثيرين من الكتّاب والنقّاد)، القضية تكمن في الأمر الأساسي. هذا الاختلاف حتى لو كان هشّا خفيفا في البيئة الاجتماعية، والتراث واللغة والموضوع واللهجة والطبيعة بين الناقد والكاتب من حيث المكان والجيل والتأثر والمؤثرات، أن يستوعب الناقد نكهة اللفظ والتعبير والتشبيه والعادات أحيانا أكثر من الكاتب، هنا تكمن قدرة الناقد الذي يجب أن يعيش بيئة غير بيئته. ولكل شيء خصوصيته وسحنته، هذا ما أجادت به فاطمة ريان بالاعتماد على نفسها وهمِّها وثقافتها ومسؤوليتها، وبالاعتماد أيضًا على زملائها من الدارسين والمدرّسين مشيرة بنزاهة واستقامة وأمانة إلى العديد منهم” (م. ن.).
هذا الكلمات الصادقة التي جاءت في مقال نفّاع، واعترافه بصعوبة عمل الناقد التي تفوق صعوبة عمل الكاتب، لأنّه سيعيش في بيئة غير بيئته، وأحيانا وفي الوقت نفسه، في أكثر من بيئة غير بيئته، قلّة هم كتّابنا القادرون على التفوّه بها، وعلى الاعتراف بالحقيقة التي يعترف بها نفّاع. بعضهم عن سذاجة أو جهل بأهمية النقد ودوره في بلورة شخصية المجتمع والأديب كمبدع، وفي دفع قدراته الإبداعية إلى الأمام. وبعضهم لاّنّ نرجسيته تزجره، وتدفعه للاعتقاد بأنّ الناقد يجب أن يشكره لأنّه منحه شرف الكتابة عنه، وعندها يجب أن يقتصر النقد على تمجيده كملك يتربّع بلا منافس على عرش الكتابة والإبداع.
استمتعت كثيرا وأفدت بما لا يُقدّر من قراءتي لدراسة د. فاطمة ريان، وتعرّفت من خلالها على جوانب كانت خفيّة عنّي، في أدبنا المحلّي عامة، وفي أدب محمد نفّاع وشخصيته كمبدع خاصة. ومن هنا يُمكن اعتبار الدراسة التي قامت بها، إضافة نوعيّة على جانب كبير من الأهمية، في مجال النقد الأدبي الموضوعي على المستويين: المحلّي والعام، تفتح آفاقا واسعة أمام النقّاد والدارسين المهتمّين بأدبنا الفلسطيني عامة وفي الداخل خاصة. وأمام كل من يهتمّ بدور الأدب في حياة مجتمعه وحياة الشعوب. إنّها دراسة لها تميّزها في توقيتها وطروحاتها والنتائج التي توصّلت إليها.
تقسم د. ريان دراستها إلى قسمين: نظري وتطبيقي. في القسم النظري، تهتمّ بتعريف مصطلحات لها علاقة بموضوعات على جانب كبير من الأهمية، ولها دورها في فهم أدب محمد نفّاع والأدب الفلسطيني في الداخل كجزء، رغم ما له من خصوصية، لا يتجزّأ من الأدب الفلسطيني والعربي.
في نبذة موجزة تبيّن الباحثة الهدف العام المرجو من الدراسة بقولها: “نطمح في هذه الدراسة إلى تأصيل فكرة النص التراثي في الأدب الفلسطيني المحلّي داخل إسرائيل. عبر دراسة عينيّة في أدب محمد نفّاع. غير أنّ دراسة هذه الفكرة لا يُمكنها أن تكون معزولة عن فكرية أيديولوجية وأدبية مختلفة. ولذلك سنسعى في دراستنا لمسألة السرد التراثي في أدب محمد نفّاع، إلى بيان مسألتين مركزيتين: 1. علاقة النص التراثي بتعريف الهوية الفردية والجمعية. 2. أثر ذلك على أدبية النص” (ريان، 2015، ص 9). ثم تنتقل الكاتبة لبيان أسباب اختيارها لمحمد نفّاع. وموجز ذلك أنّ نفّاع كاتب عربي فلسطيني له أيديولوجيا وطنية سياسية تفترض أنّه قدّم أعمالا أدبية تحمل مطالبه الوطنية ومقاصده السياسية. وبما أنّ الأديب ينطق بلسان أمّته، وأنّ الأمّة لا تعرّف بدون هوية، والهُوية لا تكون بدون لغة وتراث، تفترض الكاتبة أنّ إصرار نفّاع على الكتابة التراثية، هو إصرار على تعريف الأقلية (العربية) وبلورة هويّتها، وهُويّته العربية الفلسطينية، الأمر الذي ستبرهنه الكاتبة في الفصول التطبيقية” (م. ن. ص 14). ومن ثمّ تنطلق في القسم النظري إلى تعريف الهُوية عامة، والهُوية الفلسطينية خاصة، محاولة فهم مركّباتها ومراحل تبلورها، وتخبّطاتها كذلك، وإشكالياتها، وبشكل خاص بالنسبة لعرب 48. وبذلك تُمهّد لفهم التعالق الذي لا مفرّ منه، بين الهُوية القومية واللغة والثقافة، وكذلك التعالق بين الهُوية واللغة والتراث. وهي مفاهيم لا بدّ من استيعابها قبل محاولة فهم أدب نفّاع ودور اللغة والتراث فيه، في بلورة الهُوية الفلسطينية الفردية والجمعية، وبالتالي دور الأدب عامة وأدب نفّاع خاصة ومساهمته في بلورة تلك الهُوية. ولذلك، كان لا بدّ للباحثة من أن تنهي القسم النظري بمحاولة لفهم الأدب الفلسطيني في الداخل، كجزء من الأدب العربي عامة، ولكن له ظروفه وخصوصيته التي تجعله مختلفا عن الأدب العربي، وحتى عن الأدب الفلسطيني في الأرض المحتلة وفي الشتات.
القسم التطبيقي، تقسمه الباحثة إلى ثلاثة فصول تدرس فيها أدب نفّاع والتعالق الجمالي والفكري، أي تعالق الشكل والمضمون، من ثلاث زوايا مختلفة، ولكنّها متعالقة يكمّل بعضها بعضا. في الفصل الأول تنطلق من فرضية أنّ: “محمد نفّاع يكتب قصة تراثية تسير في مسارين لا يمكن الفصل بينهما، هما الشكل والمضمون” (ريان، ص 47). هذا الأمر، وباعتبار النص الأدبي علامة كبرى تتشكّل من مجموعة علامات صغرى، مترابطة ومتداخلة، جعلها تعتمد المنهج السيميائي في فهم نصوص محمد نفّاع، لأنّ اللغة والأساليب المختلفة التي يُوظّفها نفّاع في بناء نصوصه، هي بحدّ ذاتها إشارات تساعد القارئ في تفكيك النص وإعادة إنتاجه.
وفي الفصل الثاني تعتمد الباحثة اللغة لفهم النصوص. وذلك لما في لغة نفّاع من ثراء وتنوّع يجعل لها قاموسها الخاص، ولما فيها من تداخل يبرز بين العامية والفصحى، سواء كان ذلك في السرد أو الحوار.
في الفصل الثالث والأخير، تعتمد “الكاتب الضمني”، فهي من خلاله تستطيع أن تحدّد العلاقات المختلفة بين نفّاع وعناصر نصوصه: الزمان، المكان، الشخصيات، الراوي وغيرها، مما يُسهّل على المتلقي الذي يطمح إلى أكثر من قراءة المتعة التي يفرضها اللقاء الأول المباشر مع النص، يُسهّل عليه سبر أغوار الكاتب والنص وشخصياته المختلفة، كما يُسهّل عليه فهم دوافع نفّاع وقصديته في اختياراته المختلفة لأساليب النص وتقنيات بنائه بشكل عام، وبشكل خاص في رسمه لشخصياته التي يقدّم أفكاره من خلالها.
وفي خاتمة الدراسة تخلص الباحثة إلى القول: “إنّ نفّاع أديب ملتزم بخطّ كتابي واحد ومتواصل يُثبت من خلاله العلاقة القائمة بين التراث والأدب والهوية، ويسعى إلى توضيح ذلك بنصوص عينيّة، بهدف بلورة مفهوم للهوية العربية للأقلية الفلسطينية في الداخل” (ريان، ص 315).
وخلاصة القول، إنّ الباحثة، د. فاطمة ريان، قدّمت لنا دراسة تفتقر لها مكتباتنا، ويفتقر لها مجال النقد، المحلي والعام. ولذلك، لا يسعني في ختام هذا الاحتفاء، إلّا أن أبارك هذا الجهد النوعي الذي بذلته، سواء كان ذلك في الكتابة الأكاديمية عامة، أو في النقد الأدبي الموضوعي الهادف بشكل خاص. وأتمنّى أن تشكّل هذه الدراسة فاتحة لدراسات قادمة تُضيء وعْينا وتُثري حياتنا الثقافية. كما أتمنى أن يجني الدارسون الفائدة القصوى من هذا الجهد العلمي والنقدي المبارك، الذي لا أشكّ بأنّه سيُثري دارساتهم المستقبلية في مجال النقد والأدب، كما لا أشكّ بأنّهم يُشكّلون جزءا نوعيا ومهمّا، من الجمهور الذي كتبت له د. فاطمة ريان.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة