الفصلان( 1،2) من رواية “صخرة نيرموندا” لبكر السباتين..قيد النشر بدعم من وزارة الثقافة الأردنية..

اصدارات ونقد (:::)
“الفصل الأول”
تخيلها كالقشة التائهة في غياهب عاصفة هوجاء، لتستقر في منطقة غيرت مجرى حياته إلى الأبد، وحولتها إلى فوضى.
هذا ما فعلته تلك الطفلة الغامضة التي باغتته دون موعد مسبق، ونفضت الغبار عن ذاكرته المتعبة والمليئة بالإحباطات، بعد أن أخلاها، ليجوب الطرقات خالي الذهن.
وكان طوال الوقت يتساءل فيما لو شاهد هذا الوجه أو شبيهاً به من قبل! سيبحث عنه في رأسه، وفي الأمكنة التي يألفها كي يجدَ الجواب الشافي أو بقاياه المتناثرة في اليباب والنسيان.
وتبدأ قصته مع الطفلة المجهولة من هنا..
كان سبيل سليمان عالياً وقد تجوف قوسه الهائل في جدار المسجد كمحراب ضخم يقصده السابلة لشرب الماء، في أجواء القيظ الشديد.. بينما كان يمثل الملاذ الأفضل لسعد الخبايا كي يقضي حاجة زبائنه.. وأثناء انهماكه بشحذ مفرمة اللحمة لإمام مسجد السكسك الشيخ رضوان، كانت أفكاره تدور مع الدولاب بلا توقف.. وصار بوسعه أن يحلم كيف يشاء، حتى اللحظة التي يتوقف فيها الدولاب عن الدوران، وقد أعطى للنصل المقوس لمساته الأخيرة، فأمسكت يداه بمقبضيها، وراح يدور بالنصل على الحجر، كأنه يطوف شوارع المدينة ومقبض السيارة بين يديه.

وآخر زبائنه كان قد دعا له بطول العمر وقد أبهره هذا الشحذ المتقن للأداة التي استلمها منه لتوه، منوها إلى أن سعد الخبايا سيظل ملك هذه الصنعة، ثم غاب لشأنه عن الأنظار. أما سعد فقد استدار ملتفتاً خلفه وقد أحاطت الدهشة به. فقد تفاجأ بطفلة صغيرة لا تتجاوز العاشرة من عمرها.. ترتدي أسمالاً بالية، جامدة الأطراف، مهزومة الحشايا، وفي قبضة يدها المتدلية أمسكت بسكين ذي نصل عريض.. فهاله أن الطفلة ما لبثت على حالها.. ساهمة النظر إلى اللاشيء كالبلهاء.. وتصادف ذلك بمرور الشيخ رضوان إمام جامع السكسك الكائن في آخر الشارع الذي يحمل اسمه.. جاء ليأخذ مفرمته التي شحذها سعد قبل قليل؛ فأيقظت الطفلة عاطفته.. فربت على كتفها كأنه يعرفها.. وقد مرر أنامله المطمئنة على شعرها المنكوش المهمل.. فأراحها ذلك.. فكأنه الأمان قد غشيها للحظات حينما انفرجت أساريرها لوهلة. ولكن! سرعان ما باغتت وجهها تقطيبة مخيفة تجمعت في عينيها الزائغتين.. وأوصى الشيخ رضوان بها عند سعد خيراً بعد أن أخذ حاجته.. أما سعد فقد رمق الطفلة باهتمام كأي زبون يمر به.. ثم استدار حول آلة الجلخ.. إذْ التقط مقبض السكين من يد الطفلة فيما بادل الشيخ رضوان التحايا، بعد أن عدَّ على نفسه النقود التي ظفر بها منه.. ثم استمع إلى عبارة أسقطها الشيخ رضوان في أذن سعد وهي مشنفة إلى الطريق المزدحم بالمارة، فيما كانت يده تغلق الجرار الخشبي الصغير على النقود:
“اهتم بهذه الطفلة البائسة يا سعد”..

ومن الطبيعي أن يبدأ سعد الخبايا بشحذ السكين هذه المرة دون أن تستلبه رتابة صوت الدولاب، ولا طقطقة القشاط.. فمنظر الطفلة أمامه جعل يثير زوبعة من الأسئلة في رأسه.
فيما كانت ترقب الطريق المؤدي إلى بوابة المسجد مفزوعة من شيء راح يحاصر عقلها الصغير! شيء أبعد من البرج الذي اجتمع عقربا الساعة فيه على العاشرة صباحاً.. فدقت الساعة التي جذبت انتباه الصغيرة.. بينما حفزته على انجاز مهمته بسرعة.. وحالما أنهاها؛ ابتسم في وجه الصغيرة قائلاً:
“السكين يا ابنتي!”

فلم تنتبه وهي تراقب الناس المتوافدين إلى إدارة الهيئة الاجتماعية في مبنى السرايا المهيب في الجهة المقابلة.. لكنه استدار حول آلة الجلخ واقترب يربت على كتفها منبها:
ً “خذي السكين وهاتِ النقود”..

أخذت الطفلة السكين بيد مرتجفة، واكفهر وجهها البائس كمن غرس نصلاً في قلبها الصغير! حاول أن يستجلي أمرها، وكان يدرك أنه لولا عطف الشيخ رضوان عليها الذي حفزه على قضاء حاجتها؛ لتجاهل طلبها من أصله.. لما سينطوي على ذلك من مخاطر محتملة. بداعي ما كانت عليه من ارتباك! كأنها عصفورة أخذ يناجز عشها نسر متربص. فماذا يفعل إزاء هذه الداهية التي أخذت تحاصر شجاعته! كيف يستأمنها على أداة حادة خرجت أكثر مضاءً من بين يديه!
ثم ما الذي يدفع بهذه الصغيرة إلى الارتعاد على هذا النحو.. وكيف يتوافق أن يسلمها السكين وهي مرتعدة الفرائص!
سألها:
“ألا تملكين النقود! لا بأس”

عاد إلى مكانه ولف نصل السكين بقطعة كرتون سميكة طواها بالقماش.. ثم أحكم رباط السكين.. وعاد يسلمها للصغيرة، ثم سألها وقد هبط جالساً القرفصاء حتى مستوى عينيها.. إذْ أحاطها بعطفه، منبهاً:
“يا ابنتي خذي السكين، إنه آمن الآن”
ثم مستعلماً:
“أليس الأجدى بأبيك الحضور”
فانفجرت باكية، ثم جلست القرفصاء مفزوعة كفرخة حان ذبحها!
“لا أحب أبي، فهو يريد ذبحنا”

كانت تقف أمامه ببلاهة! فيما كان يحاول جاهداً إيقاف الدولاب الخشبي لآلة جلخ السكاكين، تأمل السكين الذي سلمه للطفلة لتوه بارتياب.. تأمل ما قالته بعمق واهتمام:
“سيذبحنّا أبي بهذا السكين! هو قال ذلك!” .

وها هي الأسئلة تشتعل في رأسه المتعب:
“ماذا تقولين!
يذبحكم؟!
هل تلبسك الجنون،أيتها  الصغيرة!
ويلتاه لو صح ما تقولين!”
ماذا سيفعل إذاً!؟ هل يقتفي أثرها لاستجلاء الموقف!
أم يذهب بهواجسه إلى حيث يجد الجواب الشافي! عند ذلك الرجل الذي أوصى بها خيراً أثناء مروره بهما وهو قائم على عمله!
عليه قبل كل شيء أن يستدرج هذا الكائن الصغير إلى منطقة الضوء كيف يفهمه فيقرر أمراً بشأنه!

فيما ظلت الطفلة مترددة (كما يبدو) في العودة من حيث جاءت، ساهمة النظر في المجهول، أو تختلس النظر إلى الطيور في القفص المجاور !
“لا بأس يا صغيرتي،
سوف أبحث عنك في ذاكرتي المتشظية!”
لكنه تصلب أمام صورة بلقيس وهي تعربد في رأسه المتعب، متمتماً:
” كأنها صورة مصغرة عنك يا بلقيس! إلا أنها مسكونة بالعذاب”
ثم قرر سعد الخبايا أمراً عزم على تنفيذه دون تباطؤ..
***
كان ميدان الساعة مكتظاً بالناس على اختلاف مللهم ومشاربهم.. فيافا مدينة عالمية.. تزدحم شوارعها الواسعة الأنيقة بالحافلات التي يصنع معظمها في مصنع السروجي بيافا.. وسيارات الفورد والشفرليه التي يتاجر بها آل طنوس.. وعربات الخيل التي تدك بسنابكها شوارع المدينة؛ كأنها تودع عالماً قد لا يعود.. والقطارُ أولَ شارع المحطة يطلق صفيره المدوي المتقطع.. والناس منهمكون في دبيب الحياة من مارة وعمال يلتقطون رزقهم.. ومحلات تتنافس على التقاط الزبائن.. وبعض الناس يمرون من أمام سعد الخبايا متفرقين باتجاه الدروب التي تأخذهم إلى سوق الصلاحي وسوق الدير في الجانب المقابل، وإلى جوارهما مبنى السرايا القديم.. وبعضهم يندلق إلى الشارع المجاور باتجاه البوابة الرئيسة لجامع أبو نبوت الكبير حيث كان سعد الخبايا يستظل بسبيل سليمان العثماني في جداره الشرقي.. وها هي الطفلة ما تزال على حالها، تماحك طيور الرجل العجوز من خلف آلة الجلخ التي تخصه.. وقد تناساها قليلاً ريثما تستقر أفكاره على صورة لها في ذاكرته.. وقد تحول الأمر إلى شيء بات يريده.. فقط يريد أن يجدها في مكان ما.

ثم راح سعد الخبايا ينشغل بتلميع نصل ساطور كان بيده.. مدندناً على إيقاعات كان يصنعها أثناء حركة الدولاب الخشبي الكبير،والذي تتحكم قدم سعد اليمنى بتحريكه على الإيقاع المرسوم في رأسه،ثم تدور بكرة الجلخ المثبتة برأس المجلاخ، فيشحذ سعد الخبايا عليه الأدوات الحادة لزبائنه .

وها هو سعد الخبايا إذ ينجرف هذه المرة إلى ذاكرة أخذت تشده إليها بقوة دون مهادنة.. كأنه شيء لا مفر منه؛ كي يتخذ موقفاً سريعاً إزاء هذا الكائن الصغير! الذي تفلتت من فمه المزموم عبارة توحي بأن ثمة والد سينقض بالسكين على أسرته!
فكل شيء جائز في زمن الرياء والأفول.. وفي مدينة يحيطها الفحيح من كل جانب.. ويقذف إليها البحر بالخوف المتربص بها.. والناس منهمكون بهمومهم دون أن يشعروا بالخطر الحقيقي الذي يطوق المشانق حول رقابهم.. وطائر الوقواق المحبوس في القفص ينتظر الإذن للخروج كي يسطو على أعشاش الحمائم البرية والمدجنة في البيّارات والبساتين..

أفكار كانت تباغت سعد ؛ كلما خلا بنفسه، ثم يسترد سعد الخبايا وعيه لوهلة؛ كي تدور به الذاكرة من جديد، حتى لتوشك أن تلامس بقايا صورة تشبه هذه الطفلة ” كأنها بلقيس”، والتي استعادت من خلفه بعض حيويتها أثناء اللعب بابتهاج لا يخلو من الوجل.. ويدور بالصورة.. ثم يدور.. ويدور؛ ولكن عبثاً! إذْ كانت تعود لتستقر على ملامح تلك المرأة التي لوعت قلبه من طرف واحد!
***
أخذت الصور تتقارب في رأسه حيناً وتتباعد، في لحظات لم تلتهم من وقته الكثير.. فالطفلة ما فتئت قريبة منه! توقفت فجأة! مسلوبة الحجا إلى شبح ما جعل يناجزها.. يستحوذ عليها.. يترقب خطواتها.. فيما كانت ساهمة النظر في انثيال شلال الماء وهو يخترق مركز السبيل الحجري (حيث كان يقف) من خلال فتحة توسطت الزخارف المتماثلة لسبيل الماء، المظلل برواق مرتفع شيد على الطراز العثماني بمقرنصاته وألوانه الباهتة، فيصب الشلال الواهن في تجويف حجري مستدير.  وقدعقدت في زاويته سلسلة نحاسية، ربطت بكوب ماء من السيراميك الصيني.

اقترب أحد العتالين من الطفلة وقد لفتت انتباهه، ثم عبأ لها كوب الماء!
“ربما كانت شديدة العطش! فلم ينتبه لذلك!؟”
وكان العتال الهرم قد فاحت منه رائحة عرق شديدة النفاذ.. حيث سقى الطفلة المهلوعة جرعة ماء؛ فهدأت نفسها.. وجلست تضم السكين الملفوف بقطعة القماش، بعيداً عن عيني سعد الذي غرق في تداعيات ذاكرته المتزاحمة!يبذرها بالأسئلة والهواجس كيفما شاء.. ولكنها راحت سُدًى دون جواب.

حتى وهو في غمرة انشغاله بمسح نصل المفرمة المشحوذة التي بيده، من برادة المعدن المتناثرة على الحواف المشحوذة. كان بوسعه أن يغوص مسلوباً إلى ذاكرته المتأججة.. فلا شيء يعيقه من ذلك! لقد غاص إلى منطقة بعيدة؛ ما جعله لا ينتبه لتحية أحد معارفه من المارة.. وبالكاد لامست أذناه العبارة ليستيقظ أخيراً على وقعها:
” مرحباً أخي سعد الخبايا!”!
نعم! القصة مع بلقيس بدأت من عند هذا الاسم..
“سعد الخبايا”
وقد لا تتجاوز حدوده.
وماذا عن الطفلة التي أيقظته من سبات الأموات وهو حي! ماذا سيحل بها!
لا بد من فعل شيء إزاءها!
سيتركها حالما ترتاح قليلاً، وقد جلست القرفصاء بجوار بائع الطيور، وهو يعرض طيوره المدجنة بداخل أقفاص عفا عليها الزمن.. فلا يدري إن كانت الطفلة منشغلة بمراقبتها! أم أنها كانت تبتعد إلى أكثر من ذلك. وصار بوسعه أن يبتعد بتفكيره عنها بعض الشيء كي يلتقي بالأسباب التي عرفته ببلقيس.
تنفس سعد الخبايا الصعداء منفتحاً على ذاكرته المتخمة بالهموم!

“آآآخ يا سعد الخبايا”..
هذا الاسم الذي بات يعجب حتى والدته وهي تعد له كوب الحليب قبل ذهابه للعمل باكرا كل صباح.
وراح مسلوباً إلى تخوم ذاكرته، مستعرضاً سلسلة من الصور الباهتة، حيث اعتصر دماغه في محاولة منه لتجميعها كي تترتب الأحداث في رأسه المتعب.. كأنه شاخ قبل أوانه.
***
ف”سعد الخبايا” اسم يذكره دائماً بمناسبة لا تنسى حين نودي به أول مرة من قبل زوج بلقيس.. كان يوماً مشهوداً.. قلب مصيرَ حياته..  فقد أطلقه عليه البحارة في مقهى المدفع الواقع في أطراف حي القلعة القديم؛ وسعد كان مشهوراً لدى النُدُل بتنبؤاته الفصلية حول المطر والرياح!
قال مرة:
” الثور حين يقف على طرف البيّارة ماداً عنقه باتجاه ما.. فاتحاً خيشوميه.. فإنه بذلك يشتم رائحة المطر البعليِّ القادم من السماء”

والأعجب في كل ذلك بأن تنبؤاته التي كانت تؤخذ في سياق الدعابات لم تكن تخيب أحياناً..بناءً على ما كان يَردُ إلى وعيه من تدفق حكايات الجدات القديمة في أن (بعل) ما هو إلا إله المطر الكنعاني، فيما كان الثور أحد أشكاله.

وكثيراً ما كان يخرس باحتجاجاته تلك الصدفات التي كانت تقرقع في يدي العرافة الغجرية، وهي ترميها على الطاولة حيث كان يتجمع حولها البحارة. فتبدو أناملها المليئة بالخواتم المرصعةُ بالأحجار الكريمة كأصابع ضفدع خرج من غياهب مستنقعات لا تألفها إلا الأساطير. ثم تنفخُ ما تجمع في رئتيها من أحلام وأوهام في وجه بحارة أخذهم الذهول إلى منطقة ضبابية يغمرها الأمل والرجاء! فتبدي أسنانها المتآكلة قبل أن تزم فمها..حيث سَيَمُطُّ لقوته، الغمازتين باتجاه ما صار يشبه فم آكل النمل..فتنسحب تجاعيد وجهها الشاحب إليه. وقد توقدت التنبؤات في عينيها الضيقتين بنظراتهما الثاقبة.. كأنهما نافذتين انطوت وراءهما الغياهب. فيأتي صوتها المتوتر المهموس في وتيرة متصاعدة كأنه قادم من قاع بئر مهجور:
“أنطقن!”
فتصرخ كأنها نبي:
” الرياح قادمة يا أشاوس!
نعم قادمة..
ابتهجوا فمراكبكم ستسافر معها إلى غاياتكم فاحلموا بالنعيم! إنه قادم”.

فيهتف البحارة كأنما بالفرج قد هبطت طيوره على قواربهم تنبي بوجود السمك الكثير! وبعضهم أخذ يتراكض إلى النوافذ المفتوحة على البحر متهامسين فيما بينهم:
” أبعد كل هذا السكون تأتي عاصفةٌ هوجاء يا ضفدعة”!.

فيخرسهم كبير البحارة متوعداً.. بهيبة قامته المديدة.. وعضلاته المفتولة التي برزت من تحت سترته الضيقة.. وشاربيه المبرومين الذين تألفهما النوارس والصقور.. وطربوشه الأحمر المصبوغ بالعرق وملح البحر وعبق أحلام مستنفرة..
كان يرتدي تحت السترة المقصبة، ديماية مقلمة غطت كرشه المندلق..وقد شدّ عليها عند الخصر المنتفخ، بقماط سرواله الفضفاض.. تخيله سعد كالسندباد الذي يعشق البحر فلا يغادره إلا ليحلم بالعودة إليه.. وقد وشم على ذراعه اسم (نيرموندا) تلك الصخرة التي قيل عنها في أساطير المدينة، بأنها أميرة يافا التي صمدت معاندة الأسر في وجه القراصنة ذات يوم قديم.. فيجأر صوت كبير البحارة، ويُدعى خطّاف، كالنمر المتوثب وهو يأمر جماعته كي ينقدوا العرافة بما يتيسر من عندهم. على الأقل فقد أنعشت أجواءهم!.

وحين شارف الدور على العتالين؛ كان سعد آخرهم، إذْ هم على التسلل خارجاً عقب رفاقه، دون أن يستجيب لخطّاف. وجعل يتمتم بصوته المسموع في شيء من الاستخفاف:
“يا شباب!
هذه بصَّارة غجرية تعبث بخيالكم.. فتستجيبون لأمرها.
لأنكم كالنوارس! إذْ لا تحسنون إلاّ الطيران فوق البحر..
وهذه الغجرية خرجت عليكم من تحت الأرض!
أنظروا إليها!
ملامحها!
والجواهر التقليدية المعلقة على أذنيها وأنفها!
بالله عليكم ركزوا النظر على أناملها التي تشبه أيادي السعادين!
لا والله! بل الضفادع أو العناكب التي تخرج من تحت الأرض! أليس هذا موسم (سعد الخبايا) الذي يُخرج المخلوقات من مخابئها المغمورة تحت الثرى!
الرياح لا تستجيب لمخلوق أخرجه موسمٌ كسعد الخبايا من باطن الأرض! فهي تعبث بأحلامكم! ثم تنتظرونها كي تدفع بسفنكم في أسفار طويلة تجوب غياهب البحر اللجي، وأنتم أخفّ أحمالها”.

فيصرخ فيه خطّاف هازئاً، وقد توسط الفراغ ما بين طاولات المقهى المنتشرة في الداخل والخارج:
” أغرب عن وجهي يا سعد الخبايا”!

فتضج القاعة بالضحك المتواصل فيستدير سعد وقد استثاره الغضب. فبدا كالمارد في طوله وقد برزت عضلاته الخجولة من تحت سترته المتسخة والمقمطة بالحبال والأشرطة الكتانية ذات المرابط المعدنية؛ فازداد وجهه المتورد احتقاناً حتى تجمعت بين عينيه تقطيبةٌ حاصرها تقادح عينين مستفزتين. صارخاً وقد ضرب حلق الباب الخشبي بيده:
” نعم (سعد الخبايا) أنا! وهذه الدودة التي تدافع عنها جاءت لإحياء هذا السرك الذي لا يصلح إلاّ للفرجة”.

كاد يحتدم الصدام بينهما لولا تدخل أبناء الخير من البحارة والعتالين فأُجلسوا خطّاف المستنفر، والشرر يتقادح من عينيه.. وهو يتأفف غاضباً:
” لن أُمررها على خير يا أبله”

فيما تجاهل سعد الرد وقد أخذه العتالون معاتبين.. لأنه تسرع في الرد على كبير البحارة الذي سينغص عليه عيشته في الميناء .

ولم ينتبه سعد  إلى ما سيدور في المقهى من بعد ذلك حينما استدعى كبير البحارةِ، رجلاً كئيباً من دهاة الميناء يدعى داوود الوقواق، يعمل لدى سمسار يهودي يتبع وكالة ( شميل) للنقل البحري، المدعومة من حكومة الانتداب البريطاني. وهو في محصلة الأمر مشهودٌ له بخفة الدم وطراوة اللسان وتقربه من الجميع في السراء والضراء. إذْ يتمتع بروح المبادرة في مساعدة الآخرين حتى صار عند الجميع في الميناء كمثلٍ يحتذى به. ولا يعرف عن حقيقة أمره إلاّ قلةٌ من الناس الذين كانوا على قناعة تامة بأن للوقواق ارتباطات خفية مع الإنجليز. يشهد على ذلك رواد مقهى (أبو شاكوش) بجوار البلدية خلف البصة.. وذلك لتردده المتكرر إلى مبنى المخابرات الكائن بعد سوق (الدير).

يستجيب داوود الوقواق لنداء كبير البحارة.. يقترب منه بتأدب جم.. ويرفع قلنسوته احتراما لجلال قدره في الميناء.. ثم يطلب منه هدوء البال؛ فهو سيتصرف بما يتناسب وقلة أدب سعد الخبايا. فضحك البحارة وهم مدركون بأن سعد أيامه ستكون قليلة في الميناء. وكان يكفي داوود الوقواق أن يبث سمومه عند محلات تغليف البرتقال أو مالكي المراكب وموظفي دائرة الجمارك.. لا بل سيقلب عليه كبير العتالين.. وسماسرة البرتقال الذين يرتبطون بوكالة شميل اليهودية للنقل البحري التي تستمد جبروتها من دائرة الجمارك التابعة لحكومة الانتداب البريطاني. ستكون كالزوبعة من الأحقاد التي ربما تكون قد نفثت ذات الغجرية في جمرها الخامد تحت الرماد.. عاصفة هبت في وجه سعد الخبايا؛ ليجد نفسه دون عمل.
ويستعيد سعد الخبايا وعيه.. ليكتشف بأن الطفلة ما زالت مكانها تلاعب الطيور في القفص المجاور.. لكن وجهها أخذ يحرض ذاكرته على التمرد والانفتاح.
***

 

“الفصل الثاني”
ويغوص سعد الخبايا في ذاكرته من جديد..
إذْ مضى على أزمته الشهر تقريبا.. وخلال ذلك اجتمعت ظروفه سوءً؛ ليتعرف إلى داوود الوقواق عن كثب.. هذا الرجل الذي اقترنت به حياته طويلاً وقد تراوحت علاقتهما ما بين الريبة القاتلة والرضى المستكين! إلى حين عرفته الصدفة بالطفلة التي أغرقته في الأسئلة والوهم!

وحتى لا تختلط الأمور؛ سنراقب ما جرى لسعد الخبايا وهو يلهث وراء رزقه.. إذْ تآكل نعلا حذائه وهو يجوب طرقات يافا مشياً على قدميه المتعبتين.. يجرُّ أذيالَ الخيبةِ كلما طرق باباً للرزق! لكنه! حينما صادف داوود الوقواق في طريقه ذات يوم؛ لم يكن على بينةِ مما فعله ذلك الرجل الغامض، حتى توصد دونه الأبواب!فيحاسبه على ما اقترفت يداه!

ولكن توجساته حول داوود الوقواق، دعته لترتيب المصادفات المريبة التي جمعتهما منذ طَرْدِهِ من الميناء.
وأخذ ينفض ذاكرته من الأسئلة العالقة:
“دعني أفهمك أيها الرجل؛ حتى أتبينك عن كثب!
فيما لو كنت وغداً!أو…!
أو ملاكاً!
فأيّهما أنت من هذين!”
***
فذات يوم! كان يمخر عباب همومه سيراً على الأقدام في طرقات يافا.. باحثاً عن أبواب ستغلق في وجهه! كأنه يمشي بلا هدف..
فماذا يفعل إزاء حظه المتعثر!؟..
كيف يواجه الخطوب وهو أعزل، حتى من الهمّة التي أخمدها اليأس والوجل!
هل كان عليه أن يتنازل إزاء غضب خطّاف؛ فيطأطئ الرأس، كي تنزل الصفعات على رقبته فتتمرغ هامته بالوحل، إزاء توسل أسباب الحياة غير الكريمة!
ألِكَيْ تعيش الصيصان في عشها!
“فلا بأس حينها أن  أُقْبَر وأنا حي!”..
ليذهب الآن إلى المدرسة المروانية.. فربما يلتقط فرصة للعمل هناك.. حارس ليلي أو حتى مراسل! ربما يجد هناك ضالته.
أيضاً ثمة فرصة سانحة أخرى.. ليلتحق من خلالها بخاله في بيّارته.. وإن تعفف فالبيّارات منتشرة في كل مكان!
فيصرح سعد الخبايا عالياً ببلادته كي تستيقظ همته:
” إفعلْ شيئاً أيُّها البليد!
لا تكن وغداً طوال حياتك!
أجج عزيمتك!
حرر روحك من جمودها”..

وها هو يجر قدميه المنهكتين بخطواتهما المتثاقلة، على طول شارع المحطة.. تختلط الأهداف في رأسه.. صار يهذي وكأنه يسير بدون هدف محدد..
وراح يتمتم:
“لتكن جولتي هذه مجرد خلوة مع النفس، أريح من خلالها عاصفة الأسئلة التي أهلكت هذا الرأس المتيبس، كرأس الثور الفاشل!.

فيتجاوز زحام المسافرين الذين كانوا في انتظار القطار اللاهث بصفيره المتقطع المدوي. كأن الدنيا تجمعت في هذه المدينة بكوفياتها، وطرابيشها الحمر، والطاقيات السود، وبعض القلنسوات.. فيما انتشرت بين زحام الرجال نسوةٌ يصطحبن أطفالهن. وكنّ يرتدين الغدف أو المناديل المزدهية بألوان الربيع.. وكثيرات أبدين شعرهن السافر، بتسريحات أوروبية، وفق متطلبات العصر الدارجة.. في مدينة الجمال التي كانت تنافس باريس في تقليعاتها وأزيائها.

وكان بوسع سعد الخبايا تصفح الوجوه خارج قاعة انتظار المحطة؛ ليقرأ فيها ملامح الانتظار والقلق الذي يسكن الرؤوس المهاجرة. إذْ يأخذهم القطار إلى المدن المتباعدة.. إنها حركة دءوبة في اختبار الأمكنة. وزمنٌ تلوكه عجلات القطار الذي أخذ يتوقف أمام الإشارة الحمراء المصلوبة.. تنبعث من مدخنته تدفقات من البخار الذي غمر المحطة، معلناً عن تأهبه لاستقبال المسافرين الذين تدافعوا خلف أبوابه وقد انفتحت آلياً.. بصفيره المدوي.. وقد انخفض تدريجياً حتى درجة السكون. فصُمَّتْ أذنا سعد الخبايا.. وغشيهما طنين وصفير داخلي لقاطرة همومه التي لا تهجع في حشاياه.

ثم أقبل سعد الخبايا على سينما الشرق، متجاوزاً الطريق. واصطف وراء بعض الرواد، يتصفح إعلانات بعض الأفلام المصرية التي أنتجها الفلسطينيان (الأخوان لاما). بينما كانت الأسئلة تتدفق إلى رأسه، والدواليب تضرس ذاكرته التي ما فتئت تطرق الناقوس مذكرةً بحال أهله وهم غارقون في الفقر المدقع.
ماذا سيفعل!
ليته ذلك البغل الذي صادفه في الطريق وهو يجر عربة الكاز.
سيتحمل سياط صاحبه وهو يجأر عالياً (كاز.. كاز).

وفجأة! مرت بجواره سيارةٌ فارهة. نزل منها رجلٌ فظٌّ.. دفعه قليلاً وهو يتجه نحو المحطة من زاوية غير مكتظة.
فقيل له:
“لا تنفعل! هذا هو الحاكم العسكري ليافا.. ألا ترى الخيالة من خلف سيارته يجهزون له الحقائب”..
وتخيل سعد الخبايا الممتلئ بأنفاس الجدات الحكيمات فجأة، كيف أن يافا تغرق في المجهول.. شيء كان يراوده كلما تصادف مع رتل عسكري إنجليزي يجوب طرقاتها.. أو عصبة من الصهاينة يستفردون بأمان هذه المدينة الحزينة! فتتحرر علامات الاستفهام من أعماق خيبته مشفوعة بالرجاء:
” أين أنت يا سفينة نوح..
فهل من جبل يأويني حتى لا أموت غرقاً..
يافا تعج في سمائك العقبان”..
وقد قرر سعد الخبايا أن يطوي خطواته للعودة إلى اقرب ظل يصادفه في الطريق.. فهو مفلس يائس.. وخلال ذلك كان شريط الذكريات يمر به:
“كيف وصلت إلى هنا يا سعد النحس”!

فيتذكر سعد الخبايا رئيس البحارةِ، والغجرية التي خرجت من تحت الأرض، والبحارة النوارس الذين أخذوا من البحر الهائج طبيعته، والعتالين الذين تخلوا عنه حينما خيرهم رئيسهم ذات يوم، بين أن يلتحقوا بالعمل أو يطردوا مع سعد.. وكيف أن رئيس العمال في إحدى معامل تغليف البرتقال؛ رفض أن يساعدهم سعد في تغليف حبات الشَّمّوطي واليوسفي. فأخذ حبة يوسفي ( دم الزغلول) قدمها إليه أحد المتعاطفين من العمال “اللهم استرها معك”.

أخذها سعد الخبايا مذهولاً..
سار بها..
تأملها..
رماها منفعلاً على الحائط الحجري من نوع الطبزة.. فتخضب الجدار بلون دم الزغلول الأحمر الذي اشتهر به برتقال اليوسفي.. ففاح أريجه الطيب..  تخيل سعد وكأن نهايته ستكون مثل حمرة الدم المسكوب.. مجرد فكرة طغت على خاطره حينما أغلقت دونه الأبواب.. ناهيك عن انغلاق السبل في وجهه حينما منعه البحارة من الاقتراب ناحية المراكب الراسية في الميناء..  دون أن يقف على السر الرهيب الذي لوث حظه العاثر!

“وبعد! فقط أريد معرفة السبب الذي أدرجني في خانة الشيطان!”.
قالها وقد دفعه اليأس ناحية خمارة (الياس ألأرمني).. واحتسى قدحاً من البيرة دفع ثمنه من بقايا لحم جسده المتقطع.. خرج مضطرب الفكر إلى أحد شوارع يافا المتوارية.. كان مزدحماً بالنزلاء العرب القادمين من كل صوب.. هجروا أوطانهم طلباً للرزق والمتع الرخيصة المتوفرة في يافا.. ومن بينهم كان هناك بعض المتطوعين الذي داسوا على واجب القتال في صفوف المقاومة ضد العصابات الصهيونية.. سقطت في أذنه عبارة قالها شاب من المتطوعين العرب.. وقد لعبت الخمرة في رأسه.. كان بوْحُهُ قاسياً كالحقيقة المرة:
” أي مدينة هذه التي سندافع عنها وقد جئناها من بلاد الفقر والطاعون.. الأجدر بأهلها الدفاع عنها حتى الموت.. ونحن نراهم منعمين بما لذ وطاب.. الحياة والمتع أبقى.. مدينة كهذه لن تعيش طويلاً”..

فلم يهتم سعد اليائس بهم.. وراح يقاوم دعوات بنات الهوى من أجل الدخول  إلى غيبوبة ليالي ألف ليلة وليلة، فأبواب مواخير البغاء كانت مشرعة.. دعارة.. رياء.. كلها كانت متوارية عن الأنظار، وقد انتشرت في المدينة بتشجيع من حكومة الانتداب البريطاني.. وكانت إحداهن قد وعدته بمثل هذه الليالي؛ إذ اعترضت طريقه مدللة على نفسها.. وقد غطى الطلاء وجهها المتصبب عرقاً، فيما جعل شيطانها الماجن يتفنن بصنوف الإغراء.. فيتقافز بين نهديها النافرين..بينما أخذت تحسر فستانها الزاهي إلى ما فوق الركبة. لكنه غادر الشارع كمن لدغته أفعى.. قال في سره:
“سأعود إليكن إذا ما أغلقت دوني سبل الحياة.. سأموت بين أحضانكن انتقاماً من روحي المعذبة”.

وكان يتخيل بأن هذه المناطق الموبوءة أمست ملاذاً للمسحوقين والكسالى..
يختفي صوته في سكون الرهبة ..
كلما نادى جائع ٌراجفُ القلبِ مفزوع..
يطغى على أنينه ضجيج الرقص في المواخير..
أضواء المدينة الساهرة تحرر الغواني من القيود..
تؤجج المتع الرخيصة في قلوب المترفين..
وفي مطارح الغفلة يسود ليلٌ آخر من الحرمان..
والجائعون في صيام..
“آه يا بلد! واوجعاه!”..

قادته قدماه إلى مقهى المدفع في الحي القديم عند مشارف القلعة على البحر المغبون.. احتسى قهوته المرة على الحساب.. واستغفر الله مستبشراً برحمته..
سيبحث عن الأمان في جامع البحر!..
صعد إليه من شارع الميناء، فوق المصدّات والمساطب العالية التي بناها قديماً والي المدينة العثماني، أبو نبوت..
وكان للمسجد بوابتان مزخرفتان. دخل من إحداهما.. ثم ارتقى السلم الحجري الطويل حتى صار في صحن المسجد المفتوح جهة البحر.. دخل الجامع فغشيته برودة المكان الرطب.. كانت الحجارة  البازلتية السوداء والبيضاء المرصوصة في الجدران والأروقة والأعمدة بأكتافها وعقودها، تبتعد به إلى يافا حينما كانت عذراء.. تحلم بزهرة النور التي باتت محجوبة عن حديقة قلبه حيث ألمَّ بها اليباب..

وفجأة! بينما كان يضغط بجبهته على سجادة الصلاة.. تاهت عنه الدنيا.. انسكبت دموعه تغسل قلبه الواجف من الخوف المميت.. استجمع كل طاقاته الإيجابية لينتقم من الذين عكروا عليه حياته.
انهى صلاته..
بحث عن أسلحته في رأسه..
أقام متاريسه..
تعالت الأصوات في أعماقه:
” إلى الميناء يا سعد الخبايا”..
فإليه إذاً!.
***
لقد قرر مواجهة خصومه في الميناء.. سيفعل ما يَرُدُّ إليه كرامته! سيقف على السبب الذي جعله منبوذاً إلى درجة تحول فيها إلى جيفة يأبى التعامل معها الجميع! ثمة خطب جلل قاده إلى هذا المصير المظلم! كلهم يتجاهلون أمره.. حتى السؤال في الأمر بات غريباً مقموعاً:
” فما هي جنايتي يا قوم”..
لكنه ما أن صار بجوار مقبرة الأرمن أثناء نزوله مشياً عبر شارع الملك فيصل؛ هجعت ناره بغتة:
“هل هذا كل شيء يا سعد الخبايا!”..
ولم يمنعه ذلك من استكمال المسير ناحية الميناء.. عله يصادف من يحل له لغز تلك الظروف الطارئة التي أحاطت به بغتة.

كاد يقتله اليأس حينما تمنى أن تدوسه عجلات تلك الحافلة التي توقفت لإغراق الساحة أمام العنابر الضخمة بالعمال. أو تهرسه تلك الدواليب العملاقة التي جعلت تأخذ المراكب الكبيرة المحملة بالبرتقال إلى عرض البحر حيث تنتظرها البواخر العملاقة وهي تطلق صفيراً متقطعاً تجوب أصداؤه الأجواء. كان يستشعر ريح العدم والفناء، وهما يحولانه إلى شيء لا قيمة له؛ لولا ذلك الشاب اليافع الذي انتبه إليه.. خرج إليه من بين مجموعة من اليافعين ربطت على سواعدهم شارات حزب النجاد. أخذه الشاب المثقف جانباً وقال له بعد أن أدرك قصته:
“هذه بطاقة تعريف.. يمكنك مراجعة رئيس العمال في (مطبعة ورق وصناديق البرتقال) للعمل هناك! فبالأمس كان ثمة إعلان معلق على الواجهة الأمامية للشركة يطلب عمالاً بالأجرة اليومية”.

وحينما استعلم سعد الخبايا عن العنوان؛ وصف له الشاب خريطة المكان:
“ستتجاوز مبنى الجمارك.. وعند المفترق الأيمن أترك شارع الملك فيصل واذهب باتجاه صعدة شارع الخضر، وستجد مبنى المطبعة إلى جوار الكنيسة الأرثوذكسية ببرج أجراسها  العالي. وإذا ما تعثرت غايتك بوسعك الذهاب إلى حزب النجاد قريباً من البنك العربي بشارع اسكندر عوض.
***
وانطلق سعد الخبايا من هناك إلى غايته باحثاً عن وسيلة رخيصة تقله. فإذ بعربة خيل تتهادى من خلفه.. ويبدو أن عجلاتها وهي تصرك بحدة؛ لم تشحم منذ زمن. فيرتبك سعد بعد أن تجاوزه البغل الجامح، بسنابكه التي دخلت في الفوضى، وهي تعاند مكابح العربة. فتنزلق، مُصْدِرة صريراً حاداً، على إسفلت الطريق، الذي كان ملوثاً بعصائر البرتقال وقشوره الملتصقة في كل مكان.. وقد انبعث في الأجواء أريجه المخلوط برائحة الغبار ورطوبة البحر والديزل والعفن.. حتى توقف البغل اللاهث بأنفاسه المتحشرجة المتلاحقة بعدما صارت العربة على مستوى سعد الخبايا؛ فأصابه الفزع والارتباك. وإذ بالحوذي يطل عليه من على مقعده في العربة الزرقاء:
” اركب معي يا سعد! أليس هذا اسمك الجديد”..

كان هو ذاته.. داوود الوقواق.. الرجل الغامض الذي يظهر في كل المناسبات.. وتساءل حينذاك مندهشاً:
“ما الذي جاء بهذا الرجل أمامي!؟
هل هي طيبته التي يتَبَدّى بها وسط المجاميع في الميناء!
أم لدافعٍ آخر تتهامس به الألسن في غواشي الظلام! وعلى المخدات التي تجمع رؤوساً أنهكتها معارك جنسية فاشلة، لأزواجٍ منهكين! ولكن لا بأس”..
فقد استجاب سعد الخبايا لطلبه.
وصعدت بهما العربة حتى عنوان المطبعة. فلم يجد الرجل المقصود.. ليخرج سريعا،ً حتى يفاجأ بأن الوقواق ما زال ينتظره. فيأخذه الأخير إلى مقر حزب النجاد. وخلال الطريق قال له داوود الوقواق:
“إذا ما أُغلقت دونك السبل يا سعد الطيب، فبوسعك الالتحاق بمصلحة جديدة أخطط لإنشائها”.
***
وفي الحقيقة لم يجد سعد الخبايا مرامه لدى الرجل الذي قابله في مقر حزب النجاد..
ففي مكتب الحزب حدث أن كان سعد الخبايا يجلس على أحد المقاعد في مكتب أحد قادة حزب النجاد المطل على شارع اسكندر، كان رجلاً سميناً مطقماً، يعتمر رأسه طربوشاً أحمرَ. إذْ جعل يبسط لسعد الأمور.. بعدما استمع لملخص عن قضيته! وهو يمسح العرق المتصبب من جبينه الضيق، ووجنتيه المنتفختين، وطبقات اللحم التي تطوق رقبته.
فقال بأنفاسٍ متحشرجة:
“هذه مؤامرة تحاك ضدنا.. الهجرة اليهودية مشروع إنجليزي.. لا بد من منعها.. ونهج الحاج أمين الحسيني السياسي (سامحه الله) يعوق علينا العمل أيُّها الشاب.. لقد لجأ إلى الألمان! ولكن دون جدوى! هذا تخبط.. المقاومة لا بد وتَبدأ من هنا! هذا ما يجب عليكم إدراكه.. ننسق جميعاً رغم تنافسنا على استقطاب جيلكم من الشباب.. للتصدي للمؤامرة.. العصابات الصهيونية تذبح شعبنا.. والإنجليز يقفون إزاء ذلك مكتوفي الأيدي.. لا بل يصادرون ما نحمل من سلاح فردي بسيط! حتى لو كانت قطعة سكين! كلنا الآن يا بني نتجمع لحماية المدن الفلسطينية.. فحركة الشبيبة الإسلامية في حي البرية، وجماعة الأخوان المسلمين خلف جامع أبو نبوت على محاذاة بنك الأمة، والحزب الشيوعي الذي يقوده البستاني.. والنوادي المسيحية! والقوميون! وكل رجالات يافا.. كلنا معاً من أجل التصدي للمؤامرة! لنقطع عليهم الطريق”..

وكان سعد الخبايا على قدر كافٍ من العمق ليتساءل في أعماقه دون مجاهرة؛ حتى لا يعكر صفو مراده من الرجل المتأفف الذي انشغل لتوه بمكالمة أتته من الخارج.. عقب سعد في سره:
” يريدون الاستحواذ على الحراك الشبابي في ميادين يافا ضد حكومة الانتداب الداعمة للعصابات الصهيونية! هذا جيد! على أن يخلوا من التصارع على الألقاب والمناصب!”..

أعاد الرجل سماعة الهاتف إلى مستقرها.. وكأنه تذكر ما سيقول.. أردف باستعجال:
” الآن انتظر خيراً وعليك أن تصبر قليلاً، فالصراع محتدمٌ بين أصحاب بيَّارات البرتقال الذين تناصرهم جريدة الاتحاد في وجه السماسرة ممن انبرت تدافع عنهم جريدة فلسطين.. ورأس الفتنةِ التي تخرب تجارة البرتقال في يافا! هي (شميل) اليهودية.. إحدى أكبر الوكالات للنقل البحري.. والتي تسيطر على نقل الشَّمّوطي اليافيّ إلى أصقاع الأرض. اللعينة! لقد اقتحمت (شميل) هذا المجال بحماية حكومة الانتداب البريطاني الساقطة لا محالة”..
ثم أردف يتوعدهم بهمة وكبرياء:
” ولكن العرب سوف يشدّون الهمة إذا ما اتفقوا على حلٍ لأزمة البرتقال.. فكل شيءٍ متوقف في الميناْء.. والعرب من خلال الاتحاد يساندون زكي بركات رئيس جمعية تصدير البرتقال المسجلة رسمياً بتاريخ 1939 لشحن برتقال يافا إلى العالم.. وقد تم توكيل شركة توفيق غرغور وأولاده للاتصال بأصحاب ووكلاء البواخر في هولندا والنرويج.. فأثمرت جهودها.. لا بد للبرتقال أن يستعيد بريقه العربي.. فلماذا لا نتفق على برتقالنا!! ونستغل الأموال التي ذوّبها الفساد في حرب إعلامية تحرض على الخراب “.

وكاد الضجر يقتل سعد الخبايا الذي كان يستمع للرجل الثرثار على مضض! وتساءل.. وقد تجاوز صبره الحدود:
” ولكن يا أستاذ؛ كيف ستحل مشكلتي!؟”
التفَّ الرجل من حول مكتبه آذناً لسعد بالخروج، وهو يربت على كتفه، هامساً له بانتباه:
“يا سعد ما زلت في مقتبل العمر، شبابنا يتجمعون أمام المبنى، احمل صورة الشهيد كاظم الحسيني واهتف ضد الإنجليز في ميدان الساعة. فكل المتظاهرين سيخرجون بعد ساعات من مسجد أبو نبوت بعد صلاة العصر للتظاهر هناك. الكل سيحظى بالعمل الذي يناسبه في عموم فلسطين إذا ما تضافرت الجهود لتحريرها من الطغيان”.

ثم هبطا السلّم حتى مدخل العمارة، وخرجا. وكانت تصطف على امتداد شارعي (اسكندر) و(السركت) جموع غفيرة من الشباب.. راح يخطب فيهم شاب متحمس وبلهجة أهل الريف. كان يرتدي ديماية مقلمة طارحاً على رأسه حطة مرقطة ثبتت بعقال أسود.. وأمام مكتب حزب النجاد أفسح المتزاحمون المجال لمرور الرجل السياسي بضخامة جسمه وهول نظراته.. فحياهم رافعاً إشارة النصر.. كانت سيارة فورد سوداء موديل 1942في انتظاره، ففتح بابها، ثم استقر خلف المقود.
لكنه لم يستمع لآخر ما قاله سعد الخبايا الذي لم يأبه بالجماهير الحاشدة في الشارع الطويل.. لأن ضجيج الفقر في العش الذي كان ينتظره؛ دفعه لأن يلقي بسؤاله جزافاً:
” وماذا أفعل يا باشا إلى حين انتزاعنا حريتنا من براثن الفقر المتجبِّر، وحكومة الانتداب، ورعاعها الصهاينة المستبدين!؟ فلدي صيصان جائعةُ في العش الذي ترعاه والدتي في سكنة درويش! من سيطعمهم”.
كانت السيارة قد انطلقت.. لكن صدى صوته بدا وكأنه يغطي على كل هذه الهتافات التي ضجت في سماء يافا.
انتبه سعد إلى الطفلة إذْ استوقفتها قطة قطعت الطريق إلى ناحية سبيل الماء.. وقفزت إلى حوض الماء، ثم تمطت قليلاً قبل أن تلعق الماء بلسانها الأحمر.. ثم قفزت إلى أحد الأركان.. تمطت قليلاً حتى استلبها النعاس.. والطفلة تراقب كل ذلك باهتمام أنساها بعض همومها! ما أتاح لسعد التوغل أكثر في ذاكرته.
***

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة