هل من تناقض بين العلمانية والدين :على العكس تماما : انهما يلتقيــــــان ولكن بمسميات اخرى

 

دراسات (:::)
بقلم : وليد رباح – نيوجرسي  (:::)
درج الاسلاميون أو دعنا نسميهم المتأسلمون في هذا العصر على تسفيه العلمانية , وذلك لجهلهم فيما تعنيه .. فابتكروا بذلك تهويمات وتخاريف بحجة ان الاسلام ظاهروواضح والعلمانية سفاهة وكفر .. وظن بعضهم ان العلمانية قد التصقت بها الاباحية والبعد عن الدين الحنيف .. متذرعين بان الاسلام يجيز الاجتهاد في النصوص التي لم يرد فيها تأكيد قطعي .. فيعود بعضهم الى ما كان عليه السلف الصالح يوم كان الجمل وسيلة للمواصلات .. وتجاهلوا الطائرة او الصاروخ فيما وصلت اليه المعلوماتيه ..  وبما ان الدين ( اي دين) صالح لكل عصر وزمان فيما يخص الحياة سواء كان دينية او دنيويه .. فان اولئك يجرون النصوص مع تغيير في فحواها لتناسب تفكيرهم واهواءهم .. فبعضهم نادى بالرجوع الى المنبع في البدايات .. اذ نادى باستخدام السيف والحصان في الحرب .. وبعضهم الاخر نادى بالدرع والرمح والدعاء فقط .. مع ما يستتبع من اطالة اللحية وحناءها واللباس الذي يعيق التحرك وسرعة الحركه .. اضف الى ذلك جملة من الفتاوي التي ما انزل الله بها من سلطان بحجة الاجتهاد مع انه لا اجتهاد في موقع النصوص .. حتى النصوص المؤكدة قد لاقت التحريف بحجة او باخرى .. فهذا يقول لك انه حديث ضعيف .. او معلومة ضعيفه .. وذاك يؤكد ان الامر قد وصل الينا محرفا نتيجة تدخل العلمانية .. وثالث لا يدري او لم يدر ان العالم قد تغير ..
ان  اسس الاسلام تدعو الى أن تغدو الاقوال مناسبة للافعال فيما يخص الحالة الراهنه .. فالرسول صلى الله عليه وسلم اختار موقعا في معركة بدر الاولى فسأله الخباب بن الارت عن سر اختيار المكان متابعا : اهذا منزل انزلكه الله ام هو الحكمة والحرب والخديعه .. او هكذا قال .. فاجاب الرسول (ص) بل هو الحكمة والحرب والخديعه .. فاشار اليه الصحابي بغير ذلك .. فرضي الرسول بما اشير عليه ..  وكان هذا في رأيي اول اسس العلمانية .. ومما يدلل على ان تعاليم الاسلام ليست ( تعاليم دكتاتورية) وانما هي شورى بين المسلمين .. مما يؤكد ما يسمى ( العلمانية ) في هذا العصر .
والعلمانية هي غير المعلوماتيه .. ولكن الثانية نمت من رحم الاولى  .. فالاولى تطبق ما نادى به الاسلام مع الاضافات التي توائم الوضع المعاش .. أما الثانية فلم تكن زمن الاسلام ولم ترق الى ما هي عليه في هذا العصر .. ومع كل هذا الخلط فان المسلمين او المتأسلمين كلهم يركض خلف المعلوماتية التي كانت ترددا للعلمانيه .. ودليلي على ذلك ان اوربا  ودول هذا العالم المتقدمه .. لم ترق الى هذا الحد من العلوم الا بعد ان فصلت بين الدين والسياسه .. فقد كان الكرادلة والقسس يحكمون العالم المسيحي باسم الدين وفق اهوائهم النفعيه .. فجاءت العلمانية لكي تجعل التفكير الحر هو اساس الحياة .. فارتقت بذلك الدول .. ووصل العلم الى اعلى مبتغاه .. واني لاسأل ان كان أحد المتأسلمين لا يحمل في جيبه هاتفا خلويا .. او لا يصعد سيارة توصله الى مكان عمله .. او لا يركب طائرة او يستخدم كمبيوترا او آلة من الات المعلوماتيه التي ولدت من رحم العلمانية .. اليس هذا غريبا ؟ انهم يغرقون في المعلوماتية التي كانت نتاج  العلمانية .. ومع هذا فهم يسفهونها ..  وقد يسأل بعضهم: اذا كان الله في كتابه المنزل لم يتطرق الى الطائرة والصاروخ والقنبلة الذرية مع علمه بذلك في المقبل من العصور .. فلماذا لم يدرج ذلك في كلماته المنزله بصورة واضحه .. كما لم يدرج ذلك في كتبه السماوية الاخرى .. والاجابة جد بسيطة .. فلو ان الله سبحانه ادرج ذلك في قرآنه او كتبه فان الاسلام في زمانه الاول لن يرقى الى ما وصل اليه الان .. فلو ان الرسول صلى الله عليه وسلم فسر آيات القرآن ليقول لهم ان الحاج يمكن ان يأتي من اقاصي الارض بما يسمونه الطائرة في ساعات معدوده .. لاكد الجميع ان الرسول قد اصابه الجنون .. او ان قرآن الله فيه من التخاريف ما يكفي  (حاشا لله ) ولو قال الله سبحانه بانه في مقبل الزمان سوف تحمل طائرة او صاروخا قنبلة ذرية لتقتل الافا مؤلفة من البشر لظن الناس حينها وهم حديثوا عهد بالاسلام والاديان ان ذلك من الهرطقات ..  وهذا يدلل على ان الله سبحانه قد انزل في كتبه ما يوائم العصر الذي نزلت فيه .. وترك ما يستحدث للعقل الذي يميز ما بين الصحيح والخطأ .. مع حضه على العلم الذي يمكن ان يرقى بالامة الى مستواها الاعلى دون تفصيلات محدده .. فحض الرسول على العلم ولو كان في الصين .. والصين يومها كانت في اقاصي الارض دون طائرة او وسيلة تصل اليها الا بشق النفس .
وقد التمس المسلمون الاوائل ما نادى به القرآن والرسول الكريم .. فازدهرت بذلك العلوم بكافة انواعها والوانها .. ازدهر الطب والصيدلة والثقافة والادب والشعر مع التسامح الديني .. واتسع ذلك ليشمل الترجمات من الامم الاخرى للاستفادة من خبراتها في تلك المجالات .. حتى انه في عهد المأمون كانت موازنة الدولة في معظمها مخصصة لنقل تراث الشعوب الاخرى وادابهم وعلومهم .. ولو ان المأمون كان في هذا العصر لاستخدم المتأسلمون متفجرات لتحويله الى شظايا وقطعا تنعي صاحبها .. ونحمد الله على انه لم ( ينبت ) في زمن ( الخريف ) العربي ..
ويقودني ذلك الى بدايات حياتي (ككاتب) رأيت ان اقرأ كتابا ل ( سارتر) او كتابا مترجما لدارون ولا اذكر ذلك تماما .. وكنت يومها اعمل في وزارة الاوقاف بالاردن .. ووزيرها يوم ذاك الشيخ عبد الحميد السائح رحمه الله ..  ورآني شيخ من شيوخ ذلك الزمان فسألني عما اقرأ .. فقلت له اسم الكتاب والكاتب .. فقال لي : اعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. انت في النار .. فاجبته بسرعة البديهه .. انشاء الله سويا يا سيدي الشيخ .. فغضب مني واشتكاني الى الوزير فاستدعاني الوزير الشيخ رحمه الله وقال لي ضاحكا  ما الامر فقلت له : قال.. لو ان هذا الشيخ كان على زمن المأمون فسوف يعلقون له المشنقه .. وكان ذلك قبل ان لا يعجبني الحال فقدمت استقالتي لانني رأيت فيها من التراهات ما يندى له الجبين .
نخلص في ما سبق الى ان فصل الدين عن الدولة هو ( العلمانية ) في اسسها الرئيسه .. فالعلمانية تنادي بالديمقراطية .. والدولة الدينية تنادي بدكتاتورية الحاكم .. العلمانية تنادي بالانتخاب والدولة الدينية تنادي بان يظل الحاكم على رأس الحكم حتى يتوفاه الله او يموت مسموما .. العلمانية تنادي بحرية الفكر .. والدولة الدينية لا ترى ذلك .. فمحكوم عليك كمفكر ان لا تتجاوز الدين في فكرك او فكرتك .. العلمانية تعني ان تزدهر العلوم بكافة انواعها اما الدولة الدينية فلا يجب ان تشذ عن الفكر الديني .. فلا علوم ولا ادب ولا شعر او سينما او مسرح او ثقافة الا من خلال الدين .. فان اجازها الدين فتلك سارية .. اما ان رفضها فلا يجوز ان يستمع او يعمل بها الملآ .. وتصور في هذا العصر ان لا يكون هنالك تلفزيون او اذاعة او اخبارا تستقيها او مسرحا او كتابا ليس دينيا تقرأه .. أو طبيبا يعالج الناس بالادوية الحديثة ويجب على الطبيب ان يعود لعصر الكيمياء التي كانت تضر ولا تنفع عوضا عن ان ضررها اكثر من نفعها ..  العلمانية تجيز ان يعمل الانسان بالكيمياء التي تطيل الاعمار وتستنبط المستحدثات .. والدولة الدينية همها ان تعمل في الكيماويات لاستخراج الذهب من النحاس .. او تعالج ( مرض السرطان ) بالدعاء .. العلمانية ان تقرب المسافات بالطرق الحديثة اما الدولة الدينية فتريد استخدام الحصان والجمال في مواصلاتها .. العلمانية تحض على ان يكون العلم في المرتبة الاولى .. اما الدولة الدينية فتحض على ان يكون الدين هو الاساس في الحياه .. العلمانية تحض على نبذ التراهات والتخريفات والزيف في حياة الانسان .. والدولة الدينية لا تعطيك الا عن حجم العقرب الذي يقرصك في قبرك .. والثعبان الذي ينفث سمومه في جسدك بعد الموت .. وحساب وعذاب القبر الذي لم يرد في متن الكتب الدينية .. وورد في احاديث ليس لها سند حقيقي .. العلمانية تجيز لك ان تلبس ما تشاء في الوقت الذي تشاء .. والدولة الدينية تريد ان تكون لحيتك تصل الى صرتك .. والا فانت مخالف للشرع .. العلمانية تقول لك ان شئت فتبرع .. والدولة الدينية تقول ان اموالك واولادك وذراريك في خدمة الدين فقط ..  وكل ذلك يعود بي الى ايام الجاهلية والفراعنة وسلطان المعابد الذي كان يفرغ الانسان من محتواه برصد الاموال حتى مع جوع المتبرع .. مع علم الناس بان الخب والخديعة تقضي بان يموت الناس جوعا ويعيش هبل او توت عنخ آمون او تحتمس الاول والثاني والثالث  لمنفعة سدنة المعابد ..
هذا قليل من كثير .. ودعونا نستحضر الاموات رحمهم الله ايام الدولة الاموية والعباسية في العصور السالفه .. رحم الله الخليفة العظيم علي بن ابي طالب الذي كان مفكرا من الدرجة الاولى  مع تدينه العميق ..وكتبه تدل على مسماه .. ورحم الله هارون الرشيد وما اعطاه للمسلمين .. ورحم ايضا المأمون الذي كان اول من رخص للعلمانية .. ورحم الله ابا بكر .. ورحم الله ابن ميمون اليهودي الذي رفع شأن الدولة في الاندلس لما قدمه من علوم وادب وفن يذكر له .. ورحم الله كل القسس والكرادلة الذين اثروا الحياة الثقافية والعلمانية فكان لهم الاثر الكبير في تحول اوربا المسيحية الى العلمانيه .. رحمهم الله جميعا .. فقد دلونا على الطرق الصحيحة في هذه الحياة التي لا تزدهر الا بالتدين  وبالعلم والمعرفه ..
ومع كل ذلك فلا اقول ان الدين ليس ضروريا حتى ونحن نطبق العلمانيه .. فلا علمانية دون اخلاق حسنة .. والدين يحض على حسن السيرة والسلوك .. ولا علمانية دون تطبيق شرع الله في ما ورد في الاديان .. وليس هذا تناقضا فيما اوردنا .. فان تكون متدينا وعلمانيا في الوقت نفسه يعني ان ترتبط اسس العلمانية بترتيب البيت الديني مع ما يوائم العصر .. فلا علم دون الارتباط بالله عز وجل .. والا تتحول العلمانية الى غابة يفعل الانسان فيها ما يشاء دون رادع .. ولقد فرق رسول الاسلام بين النبوة والقومية ( ولو ان ذلك يبعدنا قليلا عن الموضوع الرئيس) .. من خلال الاية الكريمة التي تقول : انا انزلناه قرآنا عربيا .. والاية الاخرى .. وما ارسلناك الا رحمة للعالمين … فالاية الاولى تتدثر بالقومية .. والثانية تعطي معنى للنبوه  في امتدادها العالمي .. والعالمي كلمة مأخوذة من العلم .. والعلم والدين سويا هما الاساس في هذه الحياه …. ولم يرد في النصوص على ما اعلم بان نبيا من انبياء الله قد سفه الطب او الثقافة او العلم او ما ينفع الانسان في دنياه ..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة