(ن س ف ) النسف والمنسف

فن وثقافة (:::)
بقلم : د . محمد الحريري (:::)
(ن س ف): جذر ثلاثي يشير الى الإجتثاث والكشف ، واقتلاع الشيء من عروقه وأصـوله .
وجاء في صحاح الجوهري : قال أبو زيد: نَسَفْتُ البناء نَسْفاً : قلعْته . ونَسَفَ البعيرُ الكلأ يَنْسِفُهُ ، إذا اقتلعه بأصله . وانْتَسَفْتُ الشيء : اقتلعته . والنَسيفُ : أثر كَدْمِ الحمارِ، وأثرُ ركضِ الرِجل بجَنْبَي البعير إذا انحصَّ عنه الوبر (تحاتّ ) . قال الممزَّق :
وقد تَخِذَتْ رِجْلي إلى جَنْبِ غَرْزِها  *** نَسيفاً كأُفْحوصِ القَطاةِ المُطَـرَّقِ
ويقال: هما يَتَناسَفانِ الكلام ، أي يتسارَّانِ ، كأن هذا يَنسِف ما عند ذلك وذلك يَنْسِف ما عند هذا ، والتركيب يدل على كشف شيء عن شيء أو اسْتِلابه منه .. ونَسْفُ الطعام : نَقْضُهُ . والمِنْسَفُ : ما يُنْسَفُ به الطعام أي حبوب البُرّ (القمح والبرغل ) وينسف يذرى لفصل النخالة أو الرّدّة عنـه ، وهو شيءٌ طويل منصوبُ الصدر أعلاه مرتفعٌ ( كذا وصفه الجوهري في عصره ) . وحلَّت منسفة القشّ محله في حوران والبادية .
قلنا والمنسف : يُقصد به هذه الأيام الوعاء ( الصحن ) الكبير المصنوع من النحاس غالبـاً ، ويُقدّم به طعام الولائم  ، والنُسافَةُ : ما يسقط منه . يقال : اعْزِلِ النُسافَةَ وكلِ الخالِصَ . ويقال : أتانا فلانٌ كأنّ لحيته مِنْسَفٌ . والمِنْسَفَةُ : آلةٌ يُقلع بها البناء . ويقال : انْتُسِفَ لونه ، أي امتُقع . وبعيرٌ نَسوفٌ : يقتلع الكلأ من أصله بمقدَّم فمِه . وإبلٌ مَناسيفُ . ويقال للفرس : إنَّه لنَسوفُ السُنْبُكِ ، إذا أدناه من الأرض في عَدْوِهِ . وكذلك إذا أدنى الفرسُ مِرفقيه من الحِزام ، وإنَّما يكون لتقارب مِرفقيه ، وهو من الصفات المحمودة فيه . قال بشر بن أبي خازم :
نَسوفٌ للحِزامِ بمِرْفَقَيْها ***  يَسُدُّ خَواءَ طُبْيَيها الغُبارُ
ومنه قَوْلُه تَعالى : ” ويسألونك عن الجبال فَقُلْ يَنْسِفها رَبِّى نَسْفاً ” سورة طه / 105 (1) ، أَي يَقْلَعُها من أُصُولِها نَقَلَه الجَوْهَرِيُّ عن أبِي زَيْدٍ وهو مَجاز ، وقد وردت مادة ( ن س ف ) في كتاب الله تعالى خمس مرات ، أربع منها في سورة ( طه ) وواحدة في سورة المرسلات / 10 : ((وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ))  أي ذَهَبَتْ مِنْ أُصُولِهَا وَسُوِّيَتْ بِالْأَرْضِ .
وفي قصة السامري وبني إسرائيل حين اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار ، فعبدوه من دون الله تعالى خلال غياب موسى لمناجاة ربه ، قال تعالى :
((قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ))  سورة طه /97 .
ولنلاحظ هنا قوله تعالى :
لنحرقنه: وتفيد البرد بالمبرد أو الحرق بالنار، وفي الحالتين يتحول الجسد الى ذرات تتطاير.
لننسفنه : وتفيد النسف والتذرية بالهواء ، كما تفيد الإقتلاع من الأصول …
وهذا يؤكد قول العرب أنَّ القرآن الكريم حمَّـال أوجه ، أي في التأويل .
ونعود للجذر ( نسف ) :
فالنسف تذرية في الهواء ، والمنسفة وعاء من القش كانت تستخدم للغاية عينهــا فتكشف الحبَّ عن قشره ، والنسف اقتلاع من الجذور والأصل ، فما وجه المشاكلة بين التسميتين ؟؟
أقول مجتهدا وفق القواعد الجذورية العربية :
النسف بالأصــل يفيد التعرية والكشف …
ودعنا نستعرْ ما ذكره ابن فارس في المقاييس ( مادة / ن س ف ) :
انتسَفَت الرِّيحُ الشَّيءَ مثلَ التُّراب والعَصْف ، كأنَّها كشفَتْه عن وجه الأرض وسلبته .
والنَسيفُ : أثر كَدْمِ الحمارِ ، لأنه يكشف عن جلده .
ونَسْفُ البِناءِ : استِئْصالُه قَطعاً .
ويقال للرُّغوة( التي على سطح الحليب ): النُّسَافة ، لأنَّها تُنْتَسَف عن وجه اللَّبَن .
وقولهم انتُسِفَ لونُه من ذلك ( أي كشف ما في نفسه ) فالمريض يكشفه لون وجهـه  ، والمستبشر السعيد أيضاً يكشفه لونه .
وتقول العرب : بَعيرٌ نَسوفٌ : يقلع النَّباتَ عن الأرض بمقدَّم فيه : وحكى ناسٌ : هما يتناسفان ، أي يتسارَّان . ويقول البدو عن الرجل الأكول : ( ينسف الطعام نسفاً )  .
والقياس واحد . كأنَّ هذا يَنْسِف ما عند ذاك . وذاك ما عندَ هذا .
وفي البادية اليوم يسمون آنية تقديم الطعام في الولائم بالمنسف ، وطعام الولائم عادة الثريد ، أو البرغل مع اللبن واللحم ، ولربما استبدلوا البرغل بالرز ، وأشبعوه بصبِّ اللبن الكثيف والسمن العربي ، أو ربما كان مافي المنسف ثريداً ، أو هفيتــاً أو …. ومن هنا جاء الاختلاف بين المناسف ، إذ صار المنسف يعني الفحوى وحصل الإختلاف بالفحوى، فكان هناك المنسف الحوراني بشقيه ( الأردني والسوري ) والمنسف الفلسطيني ، والمنسف السيناوي(السينائي) والديري والبدوي والنجدي واليمني و ….. الخ .

مكملات العائلة (نون – سين – فاء ) :
(س ن ف) : وأَسْنَفْتُ البعير: جعلت له سِنافاً وإنما يفعل ذلك إذا خَمُصَ بطنهُ واضْطَرَبَ تصدِيرُه، وهو الحِزامُ ، ويقول الحجازيون والحورانيون وسكان البادية للرجل المضمّر الرشيق(سنافي) ، وهو تعبير فصيح .
(ن ف س ) : النفس معروفة وتنفيس الأجل تفريجه ، ونَفَّسْتُ عنه تَنْفِيساً أَي رَفَّهْتُ . يقال: نَفَّس اللَّه عنه كُرْبته أَي فرَّجها .
(ف ن س ) : الفَنَسُ ، محركةً : الفَقْرُ المُدْقِعُ . وهناك فخذ من عشيرة الفضل ( من النّعيم ) يقال لهم الفنُّـوس ( ولربما لفظهـا البدو  الفنوص) من أعرق قبائلهم ، وهم من الأشراف الحسينيين .
والفانُوسُ : النَّمَّامُ ، عن المازَرِيّ ، وكأَنَّ فانوسَ الشَّمَعِ منه والاستخدام شائع في البادية .
(ف س ن) : جذر مهجور جماليّـا ً .
(س ف ن ) : قشر ، والسفينة دُعيتْ به لأنها تقشر وجه الماء بجريانها عليه .
وبين خمسـة الجذور تراسل وتناغم بيِّن وجليّ واضح ( جدلية خاصة )  ، يدركه ذوو السليقة السليمة .

————————-هامش :
(1)-قوله تعالى في سورة طـه : ((وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (106) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا (107 )) .
كان مشايخنا الكرام في الكُتَّـاب يداوون بها الثآليل والدمل والقروح والحزاز وسائر الانتانات والتقرّحات الجلدية ، يقرؤونها على المكان مع آياتٍ أخرى . ومع يقيننا بأن كتاب الله شفاء للنفوس وأمراض المجتمع ، إلا أنَّ ذلك لا يمنع من الأخذ بالأسباب ، ونحن نعلم أن كثيرا من الأوبئة الجلدية تُصنَّف في قائمة الأمراض المستعصية ، لا سيما الثؤلـل ، وما يُدعى بـ(الأكزيـــمـــا) ، نوع من الحساسية والطفح الجلدي المترافق بإنتانات والتهابات سطحية .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة