إشكاليات للنقاش . حول المصطلحات

دراسات (:::)
منير درويش – سوريا (:::)
السائد في العقود المنصرمة من القرن العشرين استخدام تعبير ومصطلحات توصف الشعوب في البلدان العربية على  أنهم من العرب فقط  ( الشعب العربي ، المواطن العربي ، المجتمع العربي ، العالم العربي ، المنطقة العربية ) وفي حالات نادرة يستخدم تعبير المواطنون في البلدان أو الوطن العربي . هذه التعابير تهدف للتأكيد على أن الشعوب التي تسكن هذه البقعة الجغرافية هم من العرب وحدهم متجاهلة بقية المكونات قليلة كانت أم كثيرة . ويتمسك القوميون العرب المتعصبون ( وكنا نحن منهم  )  بهذه التعابير بحيث أنه حتى  ذكر الشعوب العربية أو المجتمعات العربية بدل الشعب العربي أو المجتمع العربي يثير حفيظتهم ‘ وحجتهم هي أن العرب شعب واحد في عدة بلدان قسمها الاستعمار وفق مؤامرة محبوكة لإضعاف دورهم  ، ولا توجد مجتمعات عربية بل مجتمع عربي موحد جغرافياً وتاريخياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً ودينياً ( وفق تعريف الأمة التي لم تؤَكد  صدقيتها  )وهذا ما كان يثير استفزاز المكونات الأخرى لأنهم يرون في استخدام هذه المصطلحات  إلغاء لوجودهم  .
على أساس هذا التوصيف تشكلت في الفترة التي تلت استقلال بعض البلدان الأحزاب التي دعمت هذا التوجه ( حركة القوميين العرب ، حزب البعث العربي ، حزب  الاتحاد الاشتراكي العربي ، حزب العمال الثوري العربي ، حركة الاشتراكيين العرب وغيرهم ، وتواجد هذه الأحزاب اقتصر على بلدان  المشرق العربي واقتصر المنتسبين لها على العرب عموماً ، ولا يلغي هذه الحقيقة وجود بعض الأعضاء من مكونات أخرى لغايات محددة   بينما بقيت بلدان المغرب في منأى عنها تقريباً ، وجاءت هذه الأحزاب  بعد إلغاء قسري للأحزاب التي تشكلت قبل ذلك واتخذت لنفسها أسماء غير قومية مثل حزب الشعب ‘ الحزب الوطني في سورية ، حزب الوفد والأحرار في مصر ، حزب الاستقلال ، الحزب الوطني الديمقراطي في العراق وهكذا ..  والتي كانت تتيح الانتساب لها دون أي تمييز أو إحراج . إلى جانب الأحزاب الشيوعية  الإيديولوجيات المحددة والتأثير المحدود حينها أو الأحزاب الإسلامية التي وجدت في هذه المصطلحات إلغاء لفكرة الأمة  الإسلامية التي تنادي   . إن وجود الأحزاب بتسمياتها القومية العربية والتي كان لكثير منا دوره في ذلك  شجع الفئات الأخرى على تشكيل أحزاب قومية أيضاً  مثل الأكراد والأرمن والآشوريين وفق الحق  الطبيعي لهم من الناحية السياسية .
لقد وقعت الأحزاب  العربية هذه في إشكالية تنظيمية عند تشكيلها ففي الأنظمة الداخلية لها ، تنص المادة  الأولى على” لكل مواطن في الوطن العربي الحق أن يكون عضواً في الحزب إذا توفرت فيه الشروط …… الخ  هذا النص لا يميز بين العرب وغيرهم من المواطنين في البلدان العربية الذين يمكن أن يكونوا من غير العرب .( النظام الداخلي لحزب البعث قبل عام 1957 كان ينص على ( لكل مواطن عربي الحق بالانتساب … الخ ، وهذا نص واضح أن المنتسبين له يجب أن يكونوا  من العرب . بعد 1957 تعدل النص وأصبح  لكل مواطن من الوطن العربي … الخ ) . لكن الأسس العامة لهذه الأحزاب لم تلتزم بهذا النص عندما وصفت الحزب وذكرت أنه ” حزب الطبقة العاملة العربية – حزب الكادحين العرب – حزب الطليعة العربية الواعية ، فهي في هذه الحالة لم تتوقف عند التسمية بل تجاوزتها إلى توصيف واضح للحزب بأنه حزب لفئة أو طبقة عربية فقط . وتجسد ذلك بأن هذه الأحزاب تشكلت على أساس تنظيم  قومي  ببرامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون الأخذ بالاعتبار أي فارق بين البلدان التي نشأت بها مدعية تجاوز كل ما هو قطري لأنه من صنع الغير وتشكل لكل حزب منها   قيادة قومية واحدة لها الصلاحيات الكاملة .
لا شك أن من حق أية فئة أن تمارس سياستها وأفكارها وإيديولوجيتها بالطريقة التي تخدم هذا التوجه  عندما تحرص على عدم فرضه على الآخرين   إما بغلبة  الأكثرية العددية أو بقوة القانون الذي تفرضه بأكثريتها  مستخدمة كل الوسائل بما فيها السلطة واستبدادها لفرض ذلك  وهذا ما وقع فيه المتعصبون من جميع الأحزاب القومية أو الدينية  وجعلوا حتى المعتدلين في هذه الأحزاب يعانون من أشكال مختلفة من الاضطهاد .
أعتقد أن إشكالية المصطلحات التي ذكرناها  أصبحت تأخذ أبعاداً سلبية و تصبح عبئا على وحدة المجتمعات في البلدان العربية وهو ما نراه  (من  المحيط  الهادر  إلى الخليج الثائر )!!!  مما يدعو لضرورة مناقشة هذه القضية بروح وطنية وديمقراطية مسؤولة فلا العودة لتسمية الجمهورية السورية سيعيد  اللحمة الوطنية لسورية و لمكوناتها ويحقق المساواة بينهم في ظل القوانين النافذة ، أو يلغي الوجود العربي كأكثرية من السكان  ولا تسمية الجمهورية العربية السورية سيجعلها قلب العروبة  وحضنها الدافيء في ظل أوضاعها الراهنة  ،وكذلك جمهورية مصر ( العربية ) لن يحصنها من مطالبة الأقباط أو المسلمين بحقوقهم الثقافية والاجتماعية أو السياسية  ،ولا المغرب ( العربي ) الهارب بمشاكله وأوضاعه عن كل المشرق ، أو المملكة ( العربية ) السعودية  ستلغي كلمة العربية  سلطة آل سعود  فيها  ، أو الإمارات العربية  التي لا يشكل العرب من سكانها إلا نسبة قليلة ودخولهم إليها أصعب من دخولهم خرم إبرة ستحرر العرب وتحقق وحدتهم .
لقد أصبح الاتفاق على المصطلح ضرورة لتحقيق المواطنة المتساوية والمتشاركة للمواطنين في كل بلد من البلدان العربية  ولن يتم ذلك إلا عبر حوار جاد بين مكونات الوطن الواحد وخاصة السياسيين والمثقفين ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب  للوصول لتسمية توافقية  لكل بلد من البلدان تحدد ( من نحن ؟ )   وتكون مدخلاً لتصويت المواطنين وفق  قانون يتفق عليه عندما تتوفر الظروف كما يمكن إجراء نقاش جاد أيضاً على صعيد البلدان العربية عبر نخبة من الفاعلين لتحديد التسمية الملائمة لهذه المنطقة الجغرافية .
ليس المطلوب هنا من أحد أن يتنازل عن انتمائه أيا كان هذا الانتماء  أو عن مشاعره ، ولكن المطلوب منه التفاعل مع جميع المشاركين له في الوطن قل عددهم أم كثر  ليس استرضاءً لهم بل كحق من حقوقهم و بما يحقق وحدة هذا الوطن  الجغرافية والسكانية ويبعد عنه التوترات والنزعات الفاشية المدمرة  .
إنها قضية  للنقاش ليس إلا .
 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة