الإمام المراغى : قيمة علمية ودينية كبيرة فى الإصلاح

كتابات ومواد دينية (:::)
بقلم : السيد محمد المسير ى – مصر (:::)
يعد الإمام المراغى … رحمه الله ذات قيمة علمية , ودينية كبيرة , لكونه أحد الدعاة المصلحين فى الدعوة , والوعظ , والإرشاد , وفى التاريخ الإسلامى المجيد . لذا , كان من الضرورى علينا ,ودورنا تجاهه أن نتعرف هنا سوياً على سيرته العطرة كأحد أعلام , وعظماء الإسلام من حيث إسمه , ونسبه , وميلاده , ونشأته , وحياته , ومواقفه الوطنية , ومناصبه , وآراؤه , واتجاهاته الإصلاحية , وآثاره العملية , ووفاته حتى يكون هذا إحياء لقلوبنا , وإيقاظ لضمائرنا , وزاد لنا فى معارفنا الإسلامية , وفى إثراء حياتنا الفكرية والدينية , وفى تراثنا الفكرى .
* اسمه , ونسبه , وميلاده :-
هو محمد بن مصطفى بن محمد بن عبد المنعم المراغى نسبة إلى مراغة فى محافظة سوهاج فى صعيد مصر , وولد فى 7 ربيع الآخر سنة 1298هـ – الموافق 9 مارس سنة 1881م (1) .
* نشأنه :-
لقد كان والده على قدر من الثقافة , ويتصف بسمعة طيبة , ومنزلة كريمة فى الوسط الذى يعيش فيه . فدفع ابنه إلى حفظ القرآن الكريم فى كتاب قريته . ولقنه نصيباً من المعارف الدينية . وظهر بنوغه , وذكائه . فأرسله والده إلى الأزهر حتى يكمل تعليمه فيه . وتلقى العلوم على أيدى كبار مشايخه ثم اتصل بالإمام محمد عبده , وانتفع بمحاضراته فى التفسير , والتوحيد , والبلاغة . وانتفع أيضاً بدروسه فى التاريخ , والإجتماع , والسياسة . وتفتحت على يديه مواهبه العقلية . وتأثر بمنهجه السلوكي والإصلاحي , ومواقفه الوطنية الغيورة , ودراساته العلمية . وكان المراغى معروفاً بين الطلبة بالأخلاق الحميدة , وحرصه على مواصلة البحث والدراسة .
وبالتالى , كان يواصل مع زملائه قراءة الدروس , والكتب المقررة قبل إلقاء المدرسين لها . ولا يكتفون بها , بل يقبلون على كل مصادر العلم والمعرفة ينهلون من شتى العلوم حتى حصل على شهادة العالمية فى سنة 1904م وكان أول زملائه فيها , وترتب على اثر ذلك أن دعاه الإمام محمد عبده إلى منزله تكريماً له .
* حياته :-
لقد اشتغل بعد تخرجه من الأزهر فى أول الأمر بالتدريس بضعة أشهر , وقد لفت الأنظار ببراعته فى الشرح حتى جذب إليه الكثير من طلاب العلم بالرغم من صغر سنه . وعندما طلبت حكومة السودان من الإمام محمد عبده إختيار قضاة السودان الشرعيين . كان المراغى فى مقدمة من اختارهم , فسافر إلى تولى قضاء مديرية “دنقلة” سنة 1904م . ثم نقل قاضيها لمديرية “الخرطوم” . وظل متصلاً بالإمام محمد عبده يتبادلان الرسائل فى الشئون الدينية والوطنية (2) .

إلا أنه فى سنة 1907م , قدم إستقالته لخلاف بينه وبين القضاة , والسكرتير القضائى الإنجليزى مستر كارتر Mr.Cartar . وعاد إلى مصر مرفوع العزة والكرامة . وفى سبتمبر فى نفس العام عين مفتشاً للدروس الدينية بديوان عموم الأوقاف “وزارة الأوقاف” .

-(2)-
ولكنه لحبه البحث والدراسة عاد إلى التدريس بالأزهر . وفى سنة 1908م عرضت عليه وظيفة القضاة بالسودان . فأصر أن يكون تعينه فيها بالأمر من خديوى مصر , وليس بأمر الحاكم الإنجليزى , وكان له ما أراد ينهض بالقضاء , واسترد مكانة القضاه .
* مواقفه الوطنية :-
إن مواقفه الوطنية فى حياته العملية كثيرة , ومشرفة تستحق منا وبحق أن نزخر بها , ونشير إلى بعضها فى الآتى :- (3)
• موقفه من ثورة 1919م عندما قامت هذه الثورة امتدت آثارها إلى السودان , حاولت إنجلترا قمع الثورة بأساليب البطش , فغضب المصريون بالسودان , واجتمعوا تحت زعامة الإمام المراغى , وشاركهم أشقائهم السودانيون بكل حماسة . فضج المديرون الإنجليز بالسودان . وأرسلوا برقيات إلى الحاكم العام الإنجليزى بأن “المراغى” أعلن الثورة فى السودان , وبعد مناقشة حادة بينه , وبين الحاكم العام قال له : “لقد حكت للإنجليز فى لندن أن “الشيخ المراغى” لا يمكن مناقشته والتغلب عليه ” .
• إنه وعقب قيادته رحمه الله لمظاهرة كبيرة جمع فيها التوقيعات لتأييد الثورة بزعامة “سعد زغلول” مما أثار الحكام الإنجليز فى السودان : فاقترح بعضهم سجنه , واقترح بعضهم نفيه . ولكن السكرتير القضائى بأى فى ذلك خطر فمنحه إجازة عاجلة غير محدودة عاد فيها إلى مصر . وإنتهى عمله بالسودان الذى استمر من سنة 1908م إلى سنة 1919م .
• موقفه من الحرب العالمية الثانية . فقد رفض الإمام المراغى فكرة إشتراك مصر فى هذه الحرب سواء بالتحالف أو التعاون مع الإنجليز أو التعاون مع الألمان للتخلص من الإحتلال البريطانى , كما أعلن الإمام المراغى موقفه صراحة بقوله : إن مصر لا ناقة لها ولا جمل فى هذه الحرب , وإن المعسكريين المتحاربين لا يمتان لمصر بأى صلة …” . وقد أحدثت كلمة الإمام المراغى ضجة كبيرة هزت الحكومة المصرية , وأقلقت الحكومة الإنجليزية , والتى طلبت من الحكومة المصرية إصدار بيان حول موقف الإمام المراغى باعتباره شيخ للأزهر من هذه الحرب , ومن الحكومة الإنجليزية . فما كان من رئيس الوزراء فى ذلك الوقت “حسين سرى باشا” إلا أن قام بالإتصال بالشيخ المراغى . وخاطبه بلهجة حادة طالباً منه أن يحيطه علماً بأى شئ يريد أن يقوله فيما بعد حتى لا يتسبب فى إحراج الحكومة المصرية … فرد عليه الإمام المراغى بعزة المؤمن الذى لا يخاف إلا الله قائلاً : أمثلك يهدد شيخ الأزهر ؟ , وشيخ الأزهر أقوى بمركزه ونفوذه بين المسلمين من رئيس الحكومة , ولو شئت لأرتقيت منبر مسجد الحسين , وأثرت عليك الرأى العام , ولو فعلت ذلك لوجدت نفسك على الفور بين عامة الشعب . وبعد فترة هدأت العاصفة لأن الإنجليز أرادوا أن يتفادوا الصراع مع الشيخ المراغى حتى لا يثير الرأى العام فى مصر ضد القوات البريطانية المحتلة فى مصر . وقد تزعم الإمام المراغى حملة لجمع تبرعات فى مصر لصالح المجاهدين فى السودان الذين يقاومون الإحتلال البريطانى . وبلغت حصيلة التبرعات ستة آلاف جنيه مصرى آنذاك تقدر اليوم بحوالى ستة ملايين جنيه مصرى .
• موقفه من رفض الإستجابة لطلب الملك فاروق ملك مصر , والخاص بإصدار فتوى تحرم زواج الأميرة فريدة طليقته من أى شخص آخر بعد طلاقها , فرفض الشيخ المراغى الإستجابة لطلب الملك فاروق , فأرسل الملك فاروق بعض حاشيته لكى يلحوا عليه لإصدار هذه الفتوى , فرفض الشيخ المراغى , ولما اشتد عليه المرض دخل مستشفى المواساة بالإسكندرية , وهناك زاره الملك فاروق للإطمئنان عليه من ناحية , وللإلحاح عليه مرة أخرى لإصدار الفتوى الخاصة بتحريم زواج الملكة فريدة , فصاح الإمام المراغى برغم ما كان يعانيه من شدة الألم بسبب المرض قائلاً “أما الطلاق فلا أرضاه , وأما التحريم بالزواج فلا أملكه , إن المراغى لا يستطيع أن يحرم ما أحل الله” . ولذلك لم يكن المرض يمنح الإمام المراغى من أداء واجبه فى خدمة الأزهر ليكون قلعة ومنارة للإسلام , ففى إحدى السنوات اشتد عليه المرض , وكانت فترة الإمتحانات بالأزهر قد بدأت , فأصر الإمام المراغى على الذهاب يومياً لمكتبه فى الأزهر حيث كانت تطبع أوراق الإمتحانات , وبرر ذلك بقوله “إننى أتقبل تعرض صحتى للخطر وهو أمر أهون على من أن تتعرض سمعة الأزهر للخطر” .

-(3)-
* مناصبه :-
من المناصب الهامة التى تولاها بعد عودته من السودان سنة 1919م ما يلى (4) :-
1-رئيس محكمة التفتيش الشرعى بوزارة الحقانية (العدل) سنة 1919م .
2-رئيس محكمة مصر الكلية سنة 1920م .
3-عضو بالمحكمة العليا الشرعية .
4-رئيس المحكمة العليا الشرعية سنة 1923م .
وفى هذه المناصب القضائية , قام بعدة إصلاحات هامة إلى أن تولى مشيخة الأزهر سنة 1928م . وهو فى الثامنة والأربعين من عمره .
* آراؤه واتجاهاته الإصلاحية :-
تكمن هذه الإتجاهات فى التالى :-
1- إصلاح القضاء لتحقيق العدل , والإصلاح بين الناس . وكان الإمام المراغى ينتهج أسلوباً جديداً مع المتقاضين , حيث كان يحاول أن يوفق بينهما دون اللجوء للتقاضى . وكان يرى أن القاضى يستمد أحكامه وقدراته من القرآن الكريم , والسنة النبوية الشريفة . ولا سلطان لأحد عليه سوى الله ثم ضميره حتى يستطيع أن يؤدى رسالته فى العدالة بين الناس دون الخوف من أحد حتى ولو كان الحاكم والسلطان , وكان الإمام المراغى يرى أن إصلاح القانون هو إصلاح لنصف القضاء . لذا , أمر بتكوين لجنة برئاسته تكون مهمتها إعداد قانون يكون فى الركيزة الأساسية للأحوال الشخصية فى مصر . وقد وجه الإمام المراغى أعضاء اللجنة المكلفة بإعداد القانون بعدم التقيد بمذهب معين حيث كان القضاة لا يحيدون عن مذهب الإمام أبى حنيفة الذى كان معمولاً به فى ذلك الوقت إلى غيره من المذاهب إذ كان فيها ما يتفق مع المصلحة العامة للمجتمع (5) .
وكان مما قاله لأعضاء اللجنة : ضعوا من المواد ما يبدو لكم أنه يوافق الزمان والمكان فالشريعة الإسلامية فيها من السماحة ما يجعلنا نجد فى تفريعاتها , وأحكامها فى القضايا المدنية والجنائية كل ما يفيدنا وينفعنا فى كل وقت . فأصدر فى يولية سنة 1920م قانون “الأحوال الشخصية” الذى حفظ للأسرة كيانها بإعتبارها أساس المجتمع الصالح .
2-إصلاح الأزهر وتطويره على رأس أوليات الإمام المراغى . لذلك , شكل فور توليه مشيخة الأزهر لجاناً لإعادة النظر فى قوانين الأزهر , ومناهج الدراسة فيه . كما قدم قانوناً لإصلاح وضع الأزهر للملك فؤاد الذى كان مشرفاً على شئون الأزهر آنذاك . إلا أن بعض حاشية الملك فؤاد أوعزوا له بأن الإمام المراغى يريد إستقلال الأزهر عن القصر , فرفض الملك فؤاد القانون , وأعاده إلى الإمام المراغى . إلا أن فضيلته وضع القانون الخاص بإصلاح الأزهر فى ظرف , وإستقالته من مشيخة الأزهر فى ظرف آخر , وطلب من الملك فؤاد حرية الإختيار فقبل الملك فؤاد إستقالته . وترتب على إثر ذلك إضراب علماء وطلاب الأزهر عن الدراسة , والتى استمرت أكثر من 14 شهراً أجبرت الملك فؤاد على إعادة المراغى شيخاً للأزهر مرة أخرى فى سنة 1935م , وظل شيخاً به حتى سنة 1945م , فضلاً على هذا , قام الإمام المراغى بتطوير التعليم بالأزهر , والنهوض ليتبوأ المكانة الجديرة له , والإهتمام بالدراسات العليا فيه . فأنشأ ثلاث كليات مدة الدراسة فيها أربع سنوات , وهى كلية اللغة العربية , والشريعة , وأصول الدين , مع إنشاء أقسام عديدة للتخصص , ودعا إلى ضرورة العمل على تحرير مناهج الأزهر من التفنيد والتقلين فى التدريس . والأخذ بالأساليب الحديثة . ودعا الطلاب إلى دراسة اللغات الأجنبية ليكونوا أكثر قدرة على نشر الإسلام , والثقافة الإسلامية لغير المسلمين (6) .
-(4)-
وقد شكل الإمام المراغى لجنة للفتوى داخل الجامع الأزهر تتكون من كبار العلماء تكون مهمتها الرد على الأسئلة الدينية التى تتلقاها من الأفراد والهيئات . كما شكل أكبر هيئة دينية فى العالم الإسلامى وهى جماعة كبار العلماء , والتى تتكون من ثلاثين عضواً . واشترط الإمام المراغى فى عضويتها أن يكون العضو من العلماء الذين لهم إسهام فى الثقافة الدينية , وأن يقدم رسالة علمية تتسم بالجرأة والإبتكار .
3-نادى بفتح باب الإجتهاد , ودعا إلى توحيد المذاهب بقدر الإمكان , والبعد عن التعصب المذهبى , ومراعاة التيسير الذى هو من أسمى صفات الإسلام .
4-دعا إلى توثيق روابط الصداقة بين المسلمين فى شتى أرجاء العالم .
5-دعا إلى التضامن بين الهيئات العلمية والتعليمية فى البلاد الإسلامية لنشر التعليم بصفة عامة , والثقافة الإسلامية على وجه الخصوص .
6-دعا إلى تعليم الشعوب الإسلامية المتأخرة , وهدايتها إلى أصول الدين .
7-ضرورة إحياء التراث العلمى المجيد الذى تركه لنا كبار العلماء المسلمين .
8-عرض الإسلام على الأمم غير المسلمة عرضاً صحيحاً .
* آثاره العلمية :-
كان للإمام المراغى آثار مخطوطة , وترك آثار مطبوعة لها أهمية عليمة كبيرة منها :-
1-بحوث فى التشريع الإسلامى , وأسانيد قانون الزواج مطبوعة .
2-بحث فى وجوب ترجمة القرآن الكريم طبع سنة 1936م .
3-رسالة “الزمالة والإنسانية” كتبها لمؤتمر الأديان بلندن – مطبوعة .
4-الأولياء والمحجورون , بحث فقهى فى الحجر على السفهاء – مخطوطة بمكتبة الأزهر .
5-تفسير جزء تبارك لا يزال مخطوطا .
6-مباحث لغوية بلاغية .
7-الدروس الدينية , وهى تفسير لبعض السور والآيات منها : سورة لقمان , والحجرات , والحديد , والعصر , وآيات البر والصيام , وعباد الرحمن . وقد ألقى الإمام المراغى هذه الدروس فى المساجد الكبرى فى القاهرة , والإسكندرية . وحضرها الملك فاروق فى الفترة من سنة 1356هـ حتى سنة 1364 هـ . ونشرت هذه الدروس فى كتيبات مستقلة (7) .
* وفاته :-
إنه وبعد رحيله علمية زاخرة بالعطاء الإصلاحى , وبالزاد الإيمانى لحق الإمام المراغى بخالقه فى ليلة الأربعاء الرابع عشر من رمضان سنة 1364هـ الموافق الثانى والعشرين من أغسطس سنة 1945م . رحمه الله بواسع رحمته , وأسكنه فسيح جناته .
الخلاصة :
نخلص من الإطار السابق إلى أن الإمام المراغى … طيب الله ثراه , وجعل الجنة مثواه كان وبحق ذات قيمة علمية دينية كبيرة لكونه عالم جليل من أعلام الإسلام المصلحين الإجتماعيين , والغيوريين على وطنه , والمدافعين عنه لا يهاب أى أحد مهما كانت سلطته إلا قول الحق وإحقاقه . وظل صلباً قوياً فى مواقفه الوطنية المشهود له بها بأحرف من نور فى سجل تاريخنا الإسلامى , وفى أرائه وإتجاهاته الإصلاحية تجاه وطنه , وتجاه عالمه الإسلامى بأسره . وبالتالى , ينبغى حقاً علينا نحن المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها أن نقتدى بسيرته الحافلة بعظائم الأعمال , وبأثاره المخطوطة , والمطبوعة المشار إليها آنفاً سائلين الله عز وجل أن ينفعنا بعلمه , وبسيرته , ونهجه , وبسير ونهج أمثاله الصالحين . والله هو الحق , والهادى إلى سواء السبيل .
-(5)-
الهوامش
1-موقع ويكيبديا , الموسوعة الحرة .
2-موقع المنتدى .
3-موقع إسلام ويب .
4-موقع المنتدى .
5-موقع المعرفة .
6-موقع إسلام ويب .
7-موقع إسلام ويب .

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة