(بين المُتْرَف والأَشِـر)

فن وثقافة (:::)
بقلم :د. محمد فتحي راشد الحريري (:::)
مما يشيع تداوله بين جمهور الفقهاء والمحدثين أن شهر رمضان والصوم عموما قد فرضه الله ليقلِّص الفجوة بين المترفين الأغنياء وجمهور الفقراء من سواد الناس .
والمترفون ليسوا سواء ً كما لا يخفى على أحد !
ومما يروج استخدامه عند الفئة المثقفة ان يسموا الأغنياء والطبقة المنعمة بـ( الأرستقراطيين) جمع مفرده ارستقراطي ، والأفضل أن نقول المُترَفون (جمع مترف ) ،أما الحكم الارستقراطي فيفضّل أن نسميه حكم الإتراف ؛ لا الأرِستُقْراطيون ولا الأرِستُقْراطية .
ويقترح الدكتور مصطفى جواد أن نقول: المُترفون والإتراف. وأنا أكاد أؤيد اقتراحه ، لأن معنى: أتْرَفَتْهُ النعمة: أبطرتْهُ، والأرِستُقراطية تُبطر أبناءها.
وأنا أورد بديلا آخر وهو الحكم الأَشِـر !!!
ومن الأسباب الوجيهة التي أوردها الدكتور جواد :
( أ ) الأرِستُقراطية كلمة يونانية مركبة من لفظين هما “أرِستُوي” أي: العظماء، و “كراتوس” أي: السلطان، ثم استعمِلتْ لحكم العظماء والأغنياء. وهي كلمة طويلة ثقيلة.
( ب ) جاء في الصِّحاح: أتْرَفَتْهُ النعمةُ: أطغتْهُ.
( ج ) جاء في اللسان: المُتْرَف: المُتوسِّع في ملاذ الدنيا وشهواتها. وهو الذي أبْطَرَتْهُ النعمة وسَعَةُ العيش.
( د ) أورَدَ خمس آيات عن المترفين، منها قوله تعالى في الآية 16 من سورة الإسراء: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}. أي أمرناهم بالخير وفعل الصالحات ، لكنهم أبوا واستكبروا وفسقوا فلزمتهم الحجّـة ، وهي أن الإنسان ليطغى ويبطر ويتمرد بسبب الثراء الفاحش !
والمُتْرَفون هم: المُنَعَّمون.
ولا نستطيع استعمال كلمة ( أرستقراطية )، إلا بعد أن يوافق على ذلك أحد مجامعنا. ومعجم القاهرة لم يذكرها في معجميه “الوسيط” أو “المعجم الوجيز”، ولم يذكرها المحيط وأقرب الموارد ومتن اللغة، وهي من المعاجم الحديثة أيضا ؛ وحسن مافعلته بعدم ذكرها كي لا تتم شرعنتها وبالتالي شرعنة مفردات أخرى على شاكلتها، فنكون قد أدخلنا الفساد على لغتنا ، وكما يقول المثل العامي : ( نكون كمن أدخل الثعالب إلى كرمِـهِ ) !!!.
وأقول أنا العبد الفقير لله إنَّ ابلغ سبب لاقتراحي وهو إطلاق مصطلح الحكم الأشِــر ؛ يمكن استخلاصه من القرآن الكريم ، وأنا أدعو القارئ الفاضل الى أن يقرأ قول الله تعالى : (( فقالوا أبشراً مَنَّا واحداً نتبعه إنا إذاً لفي ضلالٍ وسُعُر . أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر . سيعلمون غدا منِ الكذَّابُ الأشِر  )) . سورة القمر – الآيات /24- 26
وبقليل من التدبر مع ملاحظة سبب النزول وهو قصة النبي صالح عليه السلام وتكذيب قوم ثمود له ؛ حيث أطلقوا عليه لقب الكذاب الأشر فأسقطوا ما ينطبق عليهم عليه ، بدليل ما أثبته الله تعالى ؛ فيترجح لدينا اطلاق مصطلح الحكم الأشِر على حكم المترفين الأغنياء لتضمنه إضافةً إلى عدم الإحساس بمشاعر الآخرين ، معاني الخسة واللؤم والتبلد .
أو كما يعبِّر الأستاذ حذيفة الشيخ حسين ( بما لديهم من معاني وسِمات النذالة العالية ) ،والأشِر في اللغة، تشير الى الحِدَّة ، من ذلك قولهم: هو أَشِرٌ، أى بَطِرٌ مُتَسَرِّع ذو حِدَّة [1].وهي أعمق وأكثر دلالة هنا من البطر .
وقد أورد لها اللغويون عدَّة معانٍ أخرى ، جاء فى اللسان :
الأَشَر : المَرَح ، والبَطَر .
وفى حديث الزكاة وذكر الخيل: “ورَجُلٌ اتَّخَذَها أشَرًا ومَرَحًا”.
الأشر: البَطَر، وقيل: أشَدُّ البطر [2].
وقال الراغب الأصبهاني صاحب المفردات: الأَشَر: شدة البَطَر [3].
• والبطر فى اللغة: الطغيان عند النعمة ، وفى الحديث الشريف الصحيح: “الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغمط الناس”، وقيل: الدَّهَشُ والحيرة [4].
وجمع الراغب الأصفهانى بين هذه المعانى في مفرداته فقال: البَطَر دَهَشٌ يعترى الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلَّة القيام بحقِّها، وصرفها إلى غير وجهها [5].
وقد وردت كلمة “أشِر” فى القرآن الكريم مرتين مقترنة فيهما بالكذب، كما أسلفنا قبل قليل ، وذلك فى قول الله عز وجل: ((أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ * سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ)) سورة القمر/25-26.
الأشِر هنا: الذى يريد العُلُوَّ على الناس والتعاظم والتكبر عليهم بما ادَّعاه مِن كَذِب [6]. واقتران الوصفين “كذاب ـ أشِر” يوحى بوجود ارتباط معنوى بينهما، وذلك أن الكذاب ـ فى مثل هذه الدعوى ـ يريد التعاظم والتكبُّر على الناس. فالأشَر إذن: طغيان وتكبُّر وتعاظُم، فهو أشدُّ من البطر.
وأمَّا البطر فقد ورد فى القرآن الكريم مرتين، فى الآيتين التاليتين:
– {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الأنفال/ 47.
– {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} القصص/58.
البطر: سوء احتمال النعمة، وهو أن لا يحفظ حَقَّ الله فيها [7].
وسياق الآيتين فى ذكر من أساؤوا التصرف فى نعمة الله ووجَّهوها فى غير حقها، طغيانًا وكبرًا [8].
• ونخلُص مما سبق إلى أن لفظى “الأشر ـ البطر” بينهما تقارب دلالىٌّ؛ حيث يشتركان فى معنى: الطغيان عند النعمة، والتكبُّر.
• إلَّا أن “الأشر” أشدُّ من البطر، وكأنَّ الأشِرَ من شدة طغيانه عند النعمة قد دهش وتحيَّر؛ فلم يحفظ هذه النعمة، وراح يصرفها فى غير وجهها فى حِدَّة ونشاط عارم وسَـفَهٍ ، فما بالك اذا أوتي مقاليد الحكم والسلطة ؛ أو التسلط على رقاب العباد ؟!
هذا ما دعانا الى اختيار الحكم الأشِر بديلا لحكم المترفين او مصطلح الارستقراطية الشائع في الساحة السياسية .ومناسبة شهر رمضان المبارك هي الدافع للحديث عن هذه الطبقة من الناس والتي فرض الله الصوم لتهذيبها والعودة بها الى جادة الصواب.. أليس الصائم ينأى بنفسه عن جميع أشكال البطر والأشر والتغافل عن فقراء المجتمع ومحتاجيه ؛ بل يحس بـآلامهم وهمومهم !

*********** ***
حاشية :

[1] مقاييس اللغة (أ ش ر).
[2] النهاية، اللسان (أ ش ر).
[3] مفردات الأصفهانى (أ ش ر).
[4] النهاية، اللسان (ب ط ر).
[5] مفردات الأصفهانى (ب ط ر).
[6] الكشاف 4/39، البحر المحيط 8/180.
[7] الكشاف 3/186.
[8] الكشاف 2/162، 3/186.

 

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة