الحالُّ المرتحلُ والجذور

فن وثقافة (:::)
بقلم : د . محمد الحريري (:::)
إنَّ أول مرة يتم لفت انتباهي الى هذا المصطلح الجذوري ( الحالّ المرتحل ) كان قبل أكثر من نصف قرنٍ من الزمن ، حيث كان الوالد ( رحمه الله ) يعلمنا ، عند إرادة ختم القرآن الكريم ، ألا نختم ونتوقف عند سورة الناس ( السورة الأخيرة من القرآن الكريم ذات الرقم 114 ) ، بل يطلب منا أن نتابع القراءة ونبدأ ختمة جديدة ، فنقرأ سورة الفاتحة وآياتٍ من سورة البقرة ، ويقول لي :
إنّك إنْ فعلْتَ ذلك فأنت الحالّ المرتحل ،  ارتحلت من ختمة قرآنيّة وحللْتَ في ختمة جديدة .
وكنا حريصين في الصغر ، أن نختم القرآن الكريم في شهر القرآن ( رمضان المبارك) فنقرأ كلَّ يومٍ جزءا ونختم المصحف مع نهاية الشهر الكريم ، حتى إذا كبرنا قليلاً صرنا نتسابق في ختمه مراتٍ عِـدّة !
الحال المرتحل :
الحالُّ من الجذر الثلاثي ( ح ل ل ) والمرتحل من الجذر ( ر ح ل ) ..
وجاء في الحديث: أَنه سئل أَيّ الأَعمال أَفضل فقال : الحالُّ المُرْتَحِل، قيل : وما ذاك؟ قال: الخاتِم المفتَتِح هو الذي يَخْتم القرآن بتلاوته ثم يَفْتَتح التلاوة من أَوّله؛ شبَّهه بالمُسافر يبلغ المنزل فيَحُلُّ فيه ثم يفتتح سيره أَي يبتدئه، وكذلك قُرَّاء أَهل مكة إِذا ختموا القرآن بالتلاوة ابتدأُوا وقرأُوا الفاتحة وخمس آيات من أَول سورة البقرة إِلى قوله: أُولئك هم المفلحون، ثم يقطعون القراءة ويُسَمُّون ذلك الحالَّ المُرْتَحِلأَي أَنه ختم القرآن وابتدأَ بأَوَّله ولم يَفْصِل بينهما زمان، وقيل: أَراد بالحالِّ المرتحل الغازِيَ الذي لا يَقْفُل عن غَزْوٍ إِلا عَقَّبه بآخر .
والحِلال: مَرْكَبٌ من مراكب النساء؛ قال طُفَيْل: وراكضةٍ، ما تَسْتَجِنُّ بجُنَّة، بَعِيرَ حِلالٍ، غادَرَتْه، مُجَعْفَلِ مُجَعْفَل: مصروع؛ وأَنشد ابن بري لابن أَحمر: ولا يَعْدِلْنَ من ميل حِلالا قال: وقد يجوز أَن يكون متاعَ رَحْل البعير .
وفي الباب تطالعنا حليلة الرجل وحليلها ، سُمِّي كل واحد بهذا الاسم لأنّ كلَّ واحدٍ منهما يقوم بِـحَـلِّ إزار صاحبه !!!
وفي الباب أيضا الحلال ضد الحرام ، والحلال أيضا ضد المحرم في الحج .
وفي حديث أَبي بكر رضي الله عنه : أَنه قال لامرأَة حَلَفت أَن لا تُعْتِق مَوْلاة لها فقال لها : حِلاًّ أُمَّ فلان، واشتراها وأَعتقها ، أَي تَحَلَّلِي من يمينك ، وهو منصوب على المصدر ؛ ومنه حديث عمرو بن معد يكرب : قال لعمر حِلاًّ يا أَمير المؤمنين فيما تقول . أَي تَحَلَّلْ من قولك .
وفي حديث أَنس: قيل له حَدِّثْنا ببعض ما سمعتَه من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال : وأَتَحلَّل أَي أَستثني .
ويقال : تَحَلَّل فلان من يمينه إِذا خرج منها بكفارة أَو حِنْث يوجب الكفارة ؛ قال امرؤ القيس في معلقته عند حديثه عن تعهّره ومشاركة محبوبته في هودجها :

ويـــوم عقرتُ للعذارى مطيتي*** فيا عَجَباً من كورِهــــا المُتَحَمَّـــلِ
فظلَّ العذارى يرتمينَ بلحمهــا ***وشحمٍ كهداب الدمقس المفتــــــل
ويوم دخلتُ الخدرِ خدر عنيزة ***فقالت لك الويلات إنكَ مُرجلـــــي
تقولُ وقد مالَ الغَبيطُ بنا معــاً ***عقرْتَ بعيري يا امرأ القيس فانزلِ
فقُلتُ لها سيري وأرْخي زِمامَهُ ***ولا تُبعديني من جنــــــاك المعللِ
فمِثلِكِ حُبْلى قد طَرَقْتُ ومُرْضعٍ *** فألهيتُهــا عن ذي تمائمَ محْــوِل
إذا ما بكى من خلفها انْصَرَفَتْ لهُ*** بشِقٍّ وَتحتي شِقُّهـــا لم يُحَوَّلِ
ويوماً على ظهر الكثيبِ تعذَّرت ***عَليّ وَآلَتْ حَلْفَـــــة ً لم تَحَلَّــــلِ
أفاطِمُ مهلاً بعض هذا التدلل ***وإن كنتِ قد أزمعت صرمي فأجملي
وَإنْ تكُ قد ساءتكِ مني خَليقَة ٌ*** فسُلّي ثيابي من ثيابِكِ تَنْسُـــــــلِ
… وتَحَلَّل في يمينه أَي استثنى .
والمُحَلِّل من الخيل : الفَرَسُ الثالث من خيل الرِّهان ، وحالُ الرجلِ : امرأَته ؛
والحَوَلُ في العين: أَن يظهر البياض في مُؤْخِرها ويكون السواد من قِبَل الماقِ، وقيل: الحَوَل إِقْبال الحَدَقة على الأَنف، وقيل: هو ذَهاب حدقتها قِبَلَ مُؤْخِرها، وقيل: الحَوَل أَن تكون العين كأَنها تنظر إِلى الحِجاج، وقيل: هو أَن تميل الحدَقة إِلى اللَّحاظ، وقد حَوِلَت وحالَت تَحال واحْوَلَّت حولاً، وغيرهم يقول: حَوِلَت عَيْنُه تَحْوَل حَوَلاً  .
واحْوَلَّت أَيضاً، بتشديد اللام، وأَحْوَلْتُها أَنا؛ رواية عن إمام اللغة الكسائي .
وجَمْع الأَحول حُولان ، والمثنى أحولان .
ويقال: ما أَقْبَحَ حَوْلَتَه ، وقد حَوِلَ حَوَلاً قبيحاً ، مصدر الأَحْوَلِ .
ورجل أَحْوَل بَيِّن الحَوَل وحَوِلٌ : جاء على الأَصل لسلامة فعله ، ولأَنهم شبَّهوا حَرَكة العين التابعة لها بحرف اللين التابع لها ، فكأَن فَعِلاَ فَعِيل ، فكما يصح نَحْوُ طَوِيل كذلك يصح حَوِلٌ من حيث شبهت فتحة العين بالأَلف من بعدها  !
وأَحالَ عينَه وأَحْوَلَها : صَيَّرها حَوْلاء ( أي تلاعب بها ) ، وإِذا كان الحَوَل يَحْدُث ويذهب قيل : احْوَلَّت عينُه احْوِلالاً واحْوالَّت احْوِيلالاً  .
وفي ( ر ح ل ) يقول ابن فارس :
الراء والحاء واللام أصلٌ واحدٌ يدلُّ على مُضيٍّ في سفَر. يقال: رَحَل يَرْحَل رِحْلَة.
وجملٌ رحِيل : ذو رُِحْلة، إذا كان قويّاً على الرِّحلة، والرِّحلة: الارتحال . فأمّا الرَّحْل في قولك : هذا رَحْلُ الرّجلِ ، لِمَنزِلهِ ومأواهُ ، فهو من هذا ، لأنّ ذلك إنّما يقال في السَّفَر لأسبابه التي إذا سافر كانت معه ، يرتحل بها وإليها عند النزول . هذا هو الأصل ، ثمَّ قيل لمأوَى الرّجل في حَضَرِه هو رحْلُه .  فأمّا قولهم لِما ابيَضَّ ظَهْرُه من الدوابّ :  أرحَلُ ، فهو من هذا أيضاً ؛ لأنّه يُشبَّه بالدابة التي على ظهرها رِحالة ، قلنا : ومن هنا كان وجه تسمية القماش المزخرف بالمُرَحَّـل ! أو أن أصول الزركشة والزخرفة كانت رسوما على البرود والأقمشة ، وهي عبارة عن رسوم الرِّحــــال .
والرِّحالة : السَّرج.
ويقال في الاستعارة إن فلاناً يَرْحَلُ فُلاناً بما يكره .
والمُرَحَّل ضَربٌ من برود اليمن ؛ وتكون عليه صُوَرُ الرِّحا ل ( كما قدما آنفــاً ) ..
ويقال أرْحَلَت الإبلُ : سَمِنَت بعد هُزالٍ فأطاقَت الرِّحْلة .
والرِّحال الطّنَافس الحِيرِيّة . قال : والرَّاحلة : المَرْكَب من الإبل ، ذكراً كان أو أنثى  .
ويقال رَاحَلَ فلانٌ فلاناً إذا عاوَنَه على رِحْلته .
ورَحَّله ، إذا أظْعَنَه مِن مكانه  .
ومن باب أن الشيء بالشيء يذكر أشير إلى عناية السلف والخلف بختم القرآن قديما وحديثا :
فسلفنا كانت تزداد عنايتهم بالقرآن في رمضان ، شهر القرآن الكريم تلاوة وتعلما وتعليما .
قال ابن رجب الحنبلي : “كان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها”. وكان قتادة التابعي رحمه الله ، يختم القرآن في كل سبع ليال مرة ، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث مرة فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة”. ( رَ : الحلية 2/338  لطائف المعارف ص191 ).
وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة ، وفي بقية الشهر في ثلاث”
( رَ : لطائف المعارف ص 191 )  .
ومن نماذج المعاصرين وكيف كان حالهم مع تلاوة القرآن وقيام الليل ، أورد الأمثلة التالية لعل الله أن ينفعنا بها في هذا الشهر الكريم :

الشيخ ابراهيم بن صالح التركي ( ت ١٤٢٦):
حفظ القرآن وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، وكان متقناً لحفظه ، مداوماً على تلاوته ، وكان يختمه في نشاطه وصحته كل يومين ، وفي رمضان يبلغ به عشرين ختمة .
وقد ذكر – رحمه الله – أنه انشغل عن المداومة على القرآن في مطلع شبابه قليلاً ، مما جعل بعض السور تتفلّت عليه فأغلق دكانه عصراً سنة كاملة ، يراجع القرآن ويستعيد ضبط الآيات المتشابهة حتى استعاد إتقان حفظه .

الشيخ أحمد ياسين ( ت ١٤٢٥ ) :
يقول الدكتور أحمد الصويان وفقه الله :
حدثنا ابن الشيخ أن والده كان يختم القرآن الكريم كل أربع ليالٍ ، حتى في أصعب المواقف وأحلك الأيام ، وحدثنا أنه كان يقلب صفحات المصحف لوالده وهو يقرأ – لأنه مشلول – وفي إحدى الليالي نامت عينه ، ثم انتبه أن والده يحاول قلب الصفحة بلسانه !

الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن قاسم (ت ١٤٢٩) :
كان يختم القرآن كل سبعة أيام وفي الشهور الأخيرة من حياته كان يختم كل ثلاثة أيام ، وكان يقوم من الليل منذ كان عمره ثمانية عشر عاماً لمدة ساعتين يومياً حتى أنهكه المرض ، وكان إذا غلبه النعاس آخر الليل اغتسل ليطرد عنه النوم ، أو بلّل طاقيته بالماء ووضعها على رأسه وهو يصلي ، وربما كرر ذلك مرات عدة في الليلة الواحدة !!

أحمد بن عبد الله الخضيري ( ت ١٤٠٥) :
يقول عنه حفيده الشيخ الدكتور محمد بن عبد العزيز الخضيري وفقه الله : ( كان يختم القرآن الكريم كل يوم ، وفي رمضان يختمه ٦٠ مرة ، ويدخل الحرم مع هلال رمضان ولا يخرج إلا إذا أكمل صيام الست من شوال ) .

سعد بن عبد الله العبيد ( ت ١٤٢٨) :
يقول ابنه الشيخ محمد : تقول والدتي : منذ أن تزوجته وهو صاحب قيام بالليل ، ولم أوقظه لصلاة الفجر أبداً طيلة حياته ، ولما أصيب بالمرض أراد السفر لأمريكا للعلاج ، فمكث فيها خمسة عشر يوماً فقط ولما عاد حدثني بأن أفضل ما وجده في أمريكا هو طول الليل ، فقد زاد الليل ساعتين عن المعتاد ، فبدل أن يقرأ أربعة أجزاء قرأ ستة ، فختم القرآن ثلاث مرات طيلة الأسبوعين .

الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان (ت١٤٣١):
يقول الدكتور سعد بن مطر العتيبي : مما رأيته من عبادته : كثرة قراءته للقرآن الكريم ، وعنايته به قصد التدبر .. وقد حدثني ابنه محمد أنه خرج مع الشيخ  في سفر إلى الطائف بالسيارة فما إن خرج من البنيان حتى قال : ( تقضّب لي أبي أقرأ ) قال : فبدأ بالفاتحة ، ودخلنا الطائف وهو في آخر الختمة ! قرابة سبع أو ثمان ساعات !
وقد حدثني عنه ابنه د. محمد  : أنهم كانوا ينصرفون من صلاة الفجر يوم الجمعة زمن الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله ثم يتسابقون بعد الصلاة لحجز أماكنهم لصلاة الجمعة في الصف الأول ويكون غالبيتهم قد ختموا القرآن قبل الأذان الثاني  .

محمد بن عبد الرحمن بن قاسم ( ت ١٤٢١):
يقول ابنه الشيخ عبد الملك : كان الوالد رحمه الله محباً للقرآن وأهله ، حافظاً له منذ حداثة سنه ، وفي رمضان يختم كل ثلاث ، وفي آخر عمره كان يختم كل يوم .. وقد عرف عن الوالد رحمه الله قيامه لليل منذ حداثة سنه ، وكان قيامه يتجاوز ثلاث ساعات ، وقد سأله أخي عبد المحسن : هل الشيخ محمد بن إبراهيم هو الذي دلكم على ذلك ؟ قال : لا ، قرأت كتاباً عن فضل قيام الليل وكان عمري سبعة عشر عاماً فما تركته ، وقد ذكرت والدتي أنه قام ليلة زواجه مثل الليالي الأخرى .
أما صلاة التراويح فكان رحمه الله لا يكتفي بها في رمضان ، خاصة في العشر الأواخر ، بل كان يحيي أيضاً ما بين التراويح والقيام .

الشيخ عبد الرحمن بن محمد الدوسري (ت١٣٩٩) :
يقول الشيخ / سليمان بن ناصر الطيار حدثني الشيخ أحمد الحصين عن الشيخ الدوسري أنه قال : ( أوجعتني عيوني في يوم من الأيام فأصابتني حالة نفسية واكتئاب ، وقلت في نفسي : إن أصابني عمى وأنا لم أحفظ القرآن ، وقد كنت أحفظ منه سبعة أجزاء فحبست نفسي ( ٢١ يوماً ) لا أخرج إلا لأداء الصلاة جماعة في المسجد أو قضاء الحاجة ، فحفظته كله بفضل الله ) .

محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي ( ت١٤٠٥):
يقول ابنه الشيخ محمد وفقه الله : جئت إلى الوالد رحمه الله وكنت حينها في السنة الثانية من الكلية ، وقلت له إن هناك من يستبعد ختم القرآن في ليلة ، فقال : هذا بسيط ، ختم القرآن في ليلة بسيط ، وهو خلاف السنة لكنه سهل جداً .
ثم قال : والله يابني ! الحمد لله ، مرّت عليّ في بداية الطلب سنوات لا أستفتح بعد العشاء بالقرآن إلا ويأتي السحر وأنا في آخر القرآن .

( من كتاب : شذا الياسمين من أخبار المعاصرين )  .

 

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة