نبراسكا: دراما كوميدية وشخصيات كرتونية!

فن وثقافة (:::)
مهند النابلسي – الاردن (:::)
عرضت لجنة السينما بمؤسسة شومان بعمان الفيلم الأمريكي اللافت نبراسكا، من اخراج أليكسندر بين، وهو نفس المخرج الذي قدم بالعام 2002 التحفة السينمائية “حول سميدت” الذي أبدع ببطولته جاك نيكلسون (والذي يتحدث عن معاناة وهواجس رجل أرمل وحيد يسعى جاهدا لتخريب زواج ابنته الوحيدة من شاب أبله وتافه!)، كما  انه قدم فيلمي “عاليا بالهواء والأحفاد” (من بطولة جورج كلوني) بعد حوالي عقد من الزمان، وتتميز أفلام هذا المخرج جميعها بتعمقها بالبعد الانساني   لأبطاله التائهين المعزولين، وبقدرته الفنية على تقديم هواجس الشخصيات ومعاناتهم ببساطة درامية مؤثرة وبدون حذلقة وتعقيد!
يتحدث فيلم نبراسكا عن العجوز المدمن على الكحول وودي، الذي يدعي أنه ربح جائزة المليون دولار، لذا عليه ان يسافر مئات  الكيلومترات لولاية نبراسكا وتحديدا لبلدة لنكولن للحصول على الجائزة الثمينة من مكتب الصحيفة، ويسعى ابنه الأصغر البار ديفيد لاقناعه  بالعدول عن  فكرته، محاولا اقناعه بأن الجائزة مزيفة، ولكنه عنيد صعب الاقناع، كما أنه يجد بالسفر فرصة للهروب من واقعه البائس وللهروب من زوجته النكدة المستبدة سليطة اللسان…ويمرا بطريقهما على مسقط رأسه ليلتقي بأقربائه وأصدقائه القدامى، وتلحق الزوجة والابن الأكبر بهما للزيارة العائلية ولتقديم الاحترام للأقرباء بمقبرة البلدة، وهنا يقدم لنا الشريط مشاهد ساخرة كوميدية لذكريات العائلة وجشع الأصدقاء والأقرباء عندما يعلمون قصة الجائزة، وينتهي الفيلم كما كان متوقعا بفشله بالحصول على الجائزة المجزية، وبربحه لقبعة رياضية مضحكة بدلا عنها،  ولكن الابن البار الكريم يتأثر كثيرا بدوافع والده لنيل قيمة الجائزة، والتي تتضمن شراء “بيكآب وكمبرسر” ومن ثم ترك مبلغ كبير لعائلته لتوريثهم بعد موته، فيسعى كتعويض لخيبة ابيه، أن يحقق حلم والده فيشتري له سيارة نقل صغيرة (مستبدلا سيارته الصغيرة)، كما يشتري له مضخة مياه جديدة بدلا من القديمة التي سرقت! كما يطلب من أبيه أن يقود السيارة أمام سكان القرية  “الانتهازيين-السذج” ليثبت لهم صحة ادعاء والده وليرفع من معنوياته وليعيد له رغبته بالحياة!
صور هذا الفيلم بالأسود والأبيض وكأنه يتماثل مع أفلام ستينات القرن الفائت الكلاسيكية، وربما ليذكرنا بالبؤس وشيخوخة الحياة وبساطة العيش بالبلدات الصغيرة المنسية، وبمصاحبة موسيقى نائمة ريفية معبرة، وقد نجح بتقديم فيلم اجتماعي كوميدي ساخر شيق ومبهج، كما قدم شخصيات كرتونية نمطية وبسيطة وذات بعد واحد، وسلط أضواء كاشفة لعلاقة استثنائية فريدة  بين أب عجوز بائس خرف وابن شاب ذكي حساس وكريم، ومثل نموذجا نادرا لأفلام الطريق، كما عبر ببراعة ساخرة عن سؤ الحظ ومعاناة الشيخوخة وطريقة التعامل مع الناس، وحافظ ببراعة على توتر ممتع متصاعد، وتماثل لدرجة كبيرة مع نمط أفلام المخرج الفرنسي الفذ “جان رنوار” الذي يتجنب عادة بأفلامه تقسيم البشر ما بين جيد وسيء، وانما يغوص بالنفس البشرية ويتعاطف مع الدوافع والنزعات الانسانية المتغيرة، التي تقود الشخصيات احيانا للتصرف بغرابة وأنانية وجشع، وهو بذلك ربما يختلف عن النمط السائد المعهود بالسينما الأمريكية الذي يركز كثيرا على “الأخيار والأشرار” بمعظمه! ربما كان ايقاع الفيلم بطيئا أكثر من اللازم، ولكنا لم نشعر كمشاهدين بالملل نظرا لبراعة التمثيل  وتماسك السيناريو وطرافة القصة وزخم الأحداث، ولكن كل هذه الايجابيات لا تبرر الحفاوة الكبيرة التي استقبل بها هذا الفيلم والتي ترتبط كثيرا ربما بخصوصية المجتمع الأمريكي والغربي عموما، وطريقة تعاملهم مع المرضى كبار السن!
مهند النابلسي

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة