فوضى العراق.. من المسؤول؟

اراء حرة (:::)
بقلم : جيمس زغبي – واشنطن (:::)
على الرغم من حملة القصف المطولة التي يشنها ائتلاف تقوده الولايات المتحدة، حقق تنظيم «داعش» الإرهابي مؤخراً مكاسب في العراق، موسعاً الرقعة التي يسيطر عليها هناك. وفي أعقاب هذا التقدم، أضحت أصابع اللوم موجهة في كل حدب وصوب. ويواصل الديمقراطيون لوم الرئيس السابق بوش بسبب شن الحرب من الأساس، بينما يحاول المرشحون الجمهوريون قلب الأمور بتوجيه اللوم إلى الرئيس أوباما زاعمين أنه قد تخلى عن العراق.
ولكن المقلق بدرجة كبيرة ليس توجيه أصابع اللوم والاتهام، ولكن درجة سماح اللائمين للسياسة بالطغيان على التاريخ، وفي الواقع، يتحمل الجمهوريون والديمقراطيون على السواء مسؤولية الأوضاع الموحشة التي آلت إليها الأمور في العراق الآن.
ولابد من وضع الخطأ الأساسي وراء هذه الفوضى على عاتق إدارة بوش طبعاً. فهي من وضعتنا في الحرب، وفككت مؤسسات العراق، ثم أساءت إدارة الاحتلال، محاولة إعادة هيكلة الحكم في تلك الدولة عن طريق إدخال نظام محاصصة طائفية معيب وشديد الخطورة.
ولكن إدارة أوباما أخطأت هي أيضاً. وقد كنت أتفق مع أوباما عندما أشار إلى أنه لابد من إنهاء الحرب في العراق، بطريقة أكثر مسؤولية مما بدأت به. بيد أنه لم يرث فقط الحرب والاحتلال، ولكن أيضاً اتفاقاً تفاوض عليه سابقه مع العراقيين، الذين طالبوا القوات الأميركية بالرحيل بحلول نهاية عام 2011.
ومثلما أشرت في بداية عام 2009، لم يكن المهم هو التاريخ الذي تتعين علينا المغادرة فيه، ولكن الأهم هو ما كنا نفعله خلال السنوات الثلاث التي خصصناها لتأهيل العراق لما بعد انسحابنا. غير أننا لم نبلِ بلاء حسناً في هذا الصدد.
ومن المهم أن نتذكر أين كنا وأين كان الشعب العراقي في عام 2011. وفي سبتمبر من ذلك العام، طلب مني إجراء استطلاع حول توجهات الرأي العام العراقي والإيراني والأميركي والرأي العام العربي قبيل انسحاب الولايات المتحدة من العراق. وما سعينا لمعرفته كان كيفية رؤية جميع الأطراف للحرب وتوقعاتهم لحال العراق بعد انسحاب الولايات المتحدة. وكانت النتائج مثيرة للقلق، بل وأنبأت بالأزمة التي واجهها العراق فيما بعد.
وفي تقرير حول نتائج استطلاعات الرأي التي قدمتها قبل ثلاثة أعوام ونصف العام، أشرت إلى ما يلي:
كان من الملاحظ بشكل كبير الانقسامات العميقة بين الطوائف الثلاث الأبرز في العراق، العرب السنة والشيعة والأكراد. وفي الولايات المتحدة، كان ثمة انقسام واستقطاب حزبي شديد أيضاً.
وكل هذه الأنماط انعكست في الردود على جميع الأسئلة الموجهة في الاستطلاع. فعلى سبيل المثال، عندما سألنا: «هل العراقيون أسوأ أم أفضل حالاً مقارنة بما كانوا عليه قبل دخول القوات الأميركية لإلى العراق؟»، توصلنا إلى وجود اختلاف بين العراقيين، فنحو نصف كل من الشيعة والسنة قالوا إنهم «أسوأ حالاً»، في حين أن 60 في المئة من الأكراد قالوا «إنهم أفضل حالاً». وعلى صعيد الولايات المتحدة: اعتبر 58 في من الجمهوريين أن العراقيين «أفضل حالاً»، فيما بدا انفصالاً كاملاً عن الواقع الذي عايشه غالبية العراقيين، بينما لم يتبنّ سوى 24 في المئة من الديمقراطيين، وجهة نظر مماثلة.
وعندما بحثنا عن كثب كيفية تأثير الحرب على كثير من جوانب الحياة في العراق، بدا ذلك الانقسام بين الطوائف العراقية مرة أخرى شديد الوضوح. فالأكراد على سبيل المثال، أكدوا أن حياتهم قد تحسنت في كل الجوانب المنظورة، بينما أكدت الغالبية العظمى من العرب السنة والشيعة أن أوضاعهم تدهورت.
واختلف الأميركيون والعراقيون أيضاً حول أفق ما بعد الانسحاب الأميركي. وعندما سئلوا عن شعورهم حول تفكيرهم إزاء رحيل القوات الأميركية، أعرب ثلاثة أرباع الأميركيين عن سعادتهم. ولكن 22 في المئة فقط من العراقيين، تقاسموا معهم ذلك الشعور، في حين أن 35 في المئة آخرين ساورهم القلق، و30 في المئة أكدوا أن مشاعر مختلطة تنتابهم.
وفي نهاية المطاف غادرت الولايات المتحدة في أواخر عام 2011، وظل العراق منقسماً انقساماً عميقاً. وبعد عقود من الحكم القمعي، تحمل العراقيون الغزو والاحتلال، وعانوا من الإرهاب والتطهير العرقي. وبينما كانت زخارف الديمقراطية تعلق، ظل العراق في حالة من عدم اليقين. وبدا أن العراقيين يرغبون في إنهاء الاحتلال من جانب، إلا أنهم كانوا خائفين مما تخفيه لهم الأيام اللاحقة أيضاً.
وفي الوقت نفسه، أراد الشعب الأميركي أن يتبرأ من المشهد الذي بقي من خلفه، والجيش الذي أنهكته حربان فاشلتان خلال عقد من الزمن، لم يكن راغباً في مواصلة احتلال تلك الدولة، ولاسيما في غياب اتفاق على «وضع القوات» من شأنه شرعنة تواجده. وكانت لدى العراقيين مخاوف مشروعة بشأن الفترة التي أعقبت الانسحاب، ومثلما شاهدنا خلال الأزمة، التي اندلعت بعد ذلك، لم تكن تلك المخاوف بلا أساس.
وبينما كان القادة الأميركيون يحتفون بنهاية الحرب ويتحدثون بفخر عن الديمقراطية الجديدة في العراق، كانت الدلالات تشي بأن مشكلات خطيرة ستحدث، وتأكد ذلك من خلال الأحداث على الأرض

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة