الرشوة في القانون : المصري والفساد المجتمعي

دراسات (:::)
بقلم  : عادل عامر – مصر (:::)
جريمـــة الرشــــوة
إن من الأمور الخطرة التي يمكن أن تحطم المجتمع، هي تهشم الصلة بين الفرد والدولة، حيث من المعروف ان هناك علاقة تعاونية بين الفرد والدولة تتمثل بصيغة الحقوق والواجبات، فعندما يلاحظ الفرد استشراء الفساد في مؤسسات الدولة وحتى في أركانها، فقد لا يعير أهمية لما يصدر عنها من قرارات ولا ينظر لها نظرة احترام بل ويخالفها لعدم جدواها في محاربة الفساد، وربما تكون هي منغمسة فيه وممهدةً له، وتلك الوضعية ربما تشجع البعض على الانغماس في ممارسة الفساد ليقينٍ منهم بعدم جدوى القانون في معاقبة المخالفين، واطمئنانهم بعدم وقوعهم تحت طائلة القانون لضعفه وتهاونه في هذه المسألة.
1. تمهيد :
وفقاً للمادة 106 من قانون العقوبات رقم 47/1936 المرتشي في جريمة الرشوة هو الموظف في الخدمة العامة والمعهود إليه القيام بأي واجب بحكم وظيفته (فقرة أ).
المادة 106/1936 توضح لنا الأفعال الإجرامية التي يقترفها الموظف العام أو من بحكمه وبالتالي تتبعها أفعال الراشي.
هكذا طلب الموظف يقابله إعطاء من الراشي والأخذ من الموظف المرتشي يقابله إعطاء من الراشي وقبول المال أو المنفعة من المرتشي يعني عرض بوعد من الراشي.
2. أركــان الرشــوة :
في الأصل أركان الرشوة تشير إلى الركن المادي الذي يعبر عن النشاط الإجرامي والأفعال المكونة لجريمة الرشوة وإلى الركن المعنوي الذي يعبر عن إرادة و علم المرتشي باقتراف أفعال الركن المادي لجريمة الرشوة. أما فيما يتعلق بصفة الموظف العام فمن المفيد أن نحدد صفة المرتشي كموظف عام لأن جريمة الرشوة لا يمكن اقترافها إلا من فاعل يتمتع بصفة الموظف العام أو من بحكمه.
3. صفة المرتشي كموظف عام :
يصنف القانون الجنائي جريمة الرشوة و يدرجها ضمن الجرائم التي تشترط توافر صفة معنية في شخص الفاعل الرئيسي للجريمة، ويترتب علي ذلك أن الرشوة لا تقع إلا من فاعل يتميز بصفة الموظف العام أو من بحكمه وفقا لقانون العقوبات رقم 74 لسنة 1936 و ما ورد في المادة 5 من تعريف لمصطلح الموظف في الخدمة العامة.
التفسير اللغوي للحالات التي يسردها المشرع في المادة 5 تشير إلى الموظف العام ولا تشمل الأشخاص الذين تحال إليهم مهام من الدولة لتنفيذ أعمال عمومية. بشكل عام الموظف العام هو كل شخص يعمل بشكل دائم في أحد المرافق العامة التي تديرها الدولة أو شخص قانون عام (وزارات الحكومة ومصالحها ووحدات الحكم المحلي وخدمة الهيئات العامة وجهاز الشرطة والجيش و الأمن.. الخ
4. شروط صفة الموظف العام :
أداء وظيفة من أجل خدمة الدولة أو شخص إداري عام.
أن يخضع الموظف لنظام اللوائح الداخلية التنظيمية للقطاع العام.
تقاضي أجر من أموال الدولة أو شخص إداري عام.
لا يشترط في الموظف أن يؤدي وظيفته بصفة دائمة.
الموظف العام قد يكون أيضا أجنبي بصورة دائمة أو مؤقتة بشرط أن تسمح له قوانين الدولة بأداء وظيفة عامة.
تظهر قي الأفق مشكلة حول إذا ما كان يتوجب أن يكون قد صدر قرار صحيحبتعيين الموظف أو تم وقف أو انقطاع علاقته الوظيفية لفترة مؤقتة أو نهائية، فهل تتوفر جريمة الرشوة في هذه الحالات أم لا ؟
يرى بعض الفقهاء وجوب أن يكون قرار التعيين صحيحا كي يكتسب الشخص صفة الموظف وبالتالي في حالة بطلان القرار بتعيين الموظف لا يمكن تطبيق أحكام الرشوة عليه، أما إذا كانت إجراءات التعيين فقط ناقصة عندئذ يحتفظ الموظف بصفته كموظف عام ويمكن مساءلته عن جريمة رشوة.
الرأي الآخر يرى أن مباشرة الموظف مهام وظيفته بشكل فعلي رغم بطلان التعيين أو نقص إجراءاته لا يحول دون تطبيق أحكام الرشوة. من ناحيتنا نتفق مع وجهة النظر الثانية التي تقبل بتطبيق أحكام الرشوة رغم بطلان إجراءات التعيين أو نقصانها لأن الانطباع الفعلي الواقعي الذي يتركه الموظف هو تمثيله للدولة والقيام بأداء مهمة وظيفة عمومية فعلية. وقف الموظف عن العمل مؤقتا للبث في مخالفة إدارية أو جنائية لا يحول دون مساءلته عن جريمة رشوة في حالة اقترافها أثناء وقفه عن أداء وظيفته لأن هذا الوقف لا يلغي صفته كموظف عمومي، أما في حالة فصله بشكل نهائي أو تقاعده وعدم ممارسته مهام فعلية لوظيفته عندئذ تزول صفته كموظف عمومي ولا يمكن مساءلته عن جريمة رشوة في حالة اقترافها منه.
المادة 5 من قانون العقوبات 74 لسنة 1936 تعتبر الأشخاص التالية في حكم الموظف العام: – كل من يشغل وظيفة مدنية. – كل وظيفة يعين أو يختار لها الشخص الذي يشغلها بحكم القانون.
كل وظيفة مدنية انتهت صلاحية التعيين لها أو العزل منها بأي شخص أو جماعة من الأشخاص الذين يشغلون وظيفة من الوظائف السابقة.
كل حكم أو فيصل في أية إجراءات أو قضية أحيلت للتحكيم. – أي عضو لجنة تحقيق عين بمقتضى تشريع. – الشخص المنوط به تنفيذ إجراءات محكمة. – جميع الأشخاص المنتسبون إلى الأجهزة العسكرية أو البوليس. – الأشخاص المستخدمون في دوائر الحكومة. – رجال الدين. – الشخص المستخدم لدى سلطة بلدية. – مختار القرية.
نظراً لاتساع دائرة الأشخاص التي يشملها تعريف الموظف العام في عصرنا هذا نرى أنه من أجل تحديد هذه الأشخاص يجب الرجوع إلى تعريف القانون الإداري وذلك لأن الحقبة الزمنية التي أقر القانون 74 لسنة 1936 للعمل به في فلسطين لا تتجاوب ومعطيات التطور الهائل في عمل مؤسسات الدولة والأشخاص العاملين فيها وبشكل عام التنظيم الإداري وبالتالي تحديد معنى الموظف العام لا يتعارض مع مبدأ “لا العقوبة ولا جريمة دون نص قانون”. فيما يلي نذكر بعض الفئات التي يجب أن يشملها مصطلح “الموظف العام”:
المستخدمون في المصالح التابعة للحكومة أو الموضوعة تحت رقابتها.
أعضاء المجالس النيابية العامة والمحلية (منتخبين أو معينين).
المحكومون والمدراء ووكلاء النيابة والحراس الفضائيون.
كل شخص مكلف بخدمة عمومية.
أعضاء مجالس إدارة ومديرو ومستخدمو المؤسسات والشركات والجمعيات والمنظمات والمنشآت إذا كانت الدولة تساهم في مالها.
القائمون على شئون الأحزاب السياسية والعاملون بها (رئيس الحزب) يعتبرون موظفين للحكومة فيما يتعلق بالأعمال الحزبية.
5. الركن المادي لجريمة الرشوة
يتمحور تحقيق الركن المادي لجريمة الرشوة وفقا للمادة 106 من القانون رقم 74 لسنة 1936 حول قيام الموظف العام أو من بحكمه بأخذ أو قبول مال أو منفعة لنفسه أو لغيره أو القبول بوعد مقابل القيام بأداء فعل أو امتناع عن فعل يدخل في مجال وظيفته.
مما سبق نستنج أن الركن المادي لجريمة الرشوة يتألف من ثلاثة عناصر أساسية:
الأخذ و القبول و الطلب
المنفعة التي يحصل عليها الموظف جراء فعله أو امتناعه.
الإخلال بمهام وظيفته والقيام بفعل أو الامتناع عنه مقابل الفائدة.
1.5. الأخـــذ والقبـــول والطــلب
الأخـــذ :
يعتبر الأخذ أحد أهم مظاهر تنفيذ الركن المادي لجريمة الرشوة التي تنص عليها المادة 106 من القانون رقم 74 لسنة 1936. الأخذ يعني تسلم الفائدة أو المنفعة من المرتشي ودخولها في حيازته.
القبـــول :
يعبر مصطلح القبول عن عرض الراشي بتقديم منفعة أي كان نوعها إلى المرتشي (الموظف) وقبول الأخير بأخذها. كما نرى إثبات قبول الموظف بالمنفعة يعرض صعوبة مقارنة مع الأخذ الذي يعبر عن فعل إيجابي ملموس يمكن إثباته. القبول يرتكز إلى طلب الفائدة أو المنفعة من المرتشي وموافقة الراشي بالمقابل على القيام بها أو بعرض من الراشي بتقديم منفعة و قبول من المرتشي
من وجهة نظرنا نرى أن إثبات فعل القبول يجب أن يحاط بضمانات موضوعية أكثر من أن تكون معنوية لأننا كما نعلم فعل القبول ينطوي على إرادة داخلية تكمن في عالم الراشي أو المرتشي الداخلي ومن الصعب أن يثبت اقتراف الجريمة بناءاً على عناصر معنوية، لذلك نرى أن تجريم أفعال القبول يتوجب القبول بها فقط في حالة اقترافها بشكل أكبر من خلال قواعد النظرية الموضوعية.
الطـــلب :
آخر صور تحقيق الركن المادي لجريمة الرشوة هو طلب الموظف العام أو من بحكمه الحصول على فائدة أو منفعة أيا كانت مقابل القيام بفعل أو امتناع عن فعل. طلب الموظف من الشخص ذو الحاجة قد يرتكز إلى إعطاء فائدة أو الحصول على وعد منه بتقديم الفائدة.
عنصر الطلب يتحقق بالتالي إما بالاستجابة لطلب الموظف وتنفيذ إعطاء الفائدة من الراشي وإما بقبول الموظف وعداً من الراشي بتقديم الفائدة فيما بعد.
في حالة أن الموظف قد طلب منفعة لكن الشخص ذو الحاجة لم يستجيب إلى هذا الطلب من الأرجح أن الموظف ينفذ شروع في جريمة رشوة لأن الطلب كفعل يعتبر أحد عناصر الركن المادي لجريمة الرشوة ولاكتماله يجب الإدلاء بقبول هذا الطلب من الراشي
2.5. المنفعـــة :
تطرقت المادة 106 من القانون رقم 74 لسنة 1936 إلى تحديد موضوع المنفعة بمصطلح “مالاً أو منفعة مهما كان نوعها”. وفقاً لهذه العبارة يمكن لموضوع المنفعة أن يكون مادي أو غير مادي. مع كذلك يشترط القانون بالمنفعة أن تكون محددة فلا يمكن القبول بعرض الراشي منفعة على المرتشي دون تحديد لها مثل أن يتفوه بعبارة “أعطيك كل ثروتي” أو ” سوف تكون راضياً” الخ. موضوع المنفعة قد يكون نقودًا أو عقاراً أو مأكولات الخ
مشكلة تدور حول وجوب توافر تناسب فيما بين المنفعة والفعل أو الامتناع عن الفعل. يذهب الفقه المصري إلى عدم وجوب تناسب فيما بينهما لأن العبرة في الإخلال بنزاهة الوظيفة العامة والنصوص المتعلقة بالرشوة و لا يشترط تناسب بينهما فالجريمة تتحقق بأي حجم من المنفعة، بينما يجب لفت الانتباه إلى أننا يجب أن نقبل بانتفاء القضية الجنائية في حالة قبول الموظف لقطعة من الحلوى أو كوب شراب و بالتالي لا تقع جريمة الرشوة.
بشكل عام لا يشترط بالمنفعة أن تكون ذات صلة مباشرة مع الفعل أو الامتناع عن الفعل الوظيفي كما لو أن كانت هذه المنفعة مستحقة للموظف (كدين علي سبيل المثال أو هدية من صديق أو صهر) فلا تتحقق جريمة الرشوة على الإطلاق. كذلك لا يشترط في المنفعة أن تكون مشروعة مثل عرض أشياء مسروقة أو مخدرات أو مستند مزور
3.5. الإخلال بالمهام الوظيفية :
الركن المادي لجريمة الرشوة وفقا للمادة 106 من القانون رقم 74 لسنة 1936 يتحقق بإثبات الأخذ أو الطلب أو القبول من الموظف ولكن يجب أن تتعلق هذه العناصر أو بعضها بأداء فعل أو امتناع عن القيام بفعل أو مهمة وظيفية من الموظف العام أو من بحكمه أو الإخلال بها.
المادة 106 لا تشترط أن يقابل أفعال الأخذ أو الطلب أو القبول فعل أو امتناع بل قد لا يقدم الموظف علي تنفيذ الفعل أو الامتناع الذي وعد الراشي به، وبالتالي يكفي لوقوع جريمة الرشوة مجرد الأخذ أو القبول أو الطلب مقابل تنفيذ الفعل أو الامتناع عنه في المستقبل وهذا ما يسلم به أيضا الفقه المصري
أما في حالة الاستحالة النسبية فمن الممكن تحقيق جريمة الرشوة و يشترط الفقه في العمل الوظيفي فقط أن يكون ممكنا و لكن في حالة استحالة تحقيق العمل بشكل مطلق لا تقوم جريمة الرشوة
مثـــال:
أن يقوم رجل الشرطة بتهديد أحد الشهود الذين رأوا شخص يقترف جريمة سرقة بالقبض عليه بتهمة عدم إعاقة تنفيذ جريمة السرقة.
العمل الوظيفي قد يكون عملا ايجابيا مثل إصدار حكم في دعوى أو إسراع في تسوية مستندات من دائرة أو الإقرار بشهادة من مستشفي عمومي الخ. أيضا العمل الوظيفي قد يكون امتناع جزئي عن فعل مثل شرطي المرور الذي يمتنع عن تحرير مخالفة سير مقابل مبلغ من المال أو امتناع كلي أي الامتناع عن فعل بشكل تام مثل الامتناع عن تجديد إقامة أجنبي إلى أن ينتهي سريانها.
القانون لا يشترط أن يكون الفعل أو الامتناع عنه منافياً أو موافقا للوائح النظامية الإدارية
مثـــال1: شرطي المرور يوقف سائق السيارة ويقبل منه منفعة رغم عدم إخلال السائق بقواعد السير.
مثـــال2: امتناع الموظف المسئول عن تبليغ النيابة للقيام بإجراءات الملاحقة الجنائية ضد موظف آخر اقترف جريمة اختلاس مقابل منفعة من الموظف الذي اقترف جريمة الاختلاس. المادة 106 تشترط أيضا قيام الموظف بالفعل أو الامتناع عن الفعل (جزئيا أو كليا) ضمن حدود اختصاصه الإداري الوظيفي وهذا يتبين من عبارة “…. أو سيمتنع عن أدائه في المستقبل أثناء ممارسته لمهام وظيفته…”.
4.5. الاختصــاص الــوظيفي :
يشترط الفقه الجنائي أن يقوم الموظف العمومي بالفعل أو بالامتناع عن الفعل ضمن حدود الاختصاص الوظيفي بمعنى أن الموظف المرتشي يتوجب أن ينفد فعل أو امتناع ذات علاقة بوظيفته وإلا لن يتحقق الركن المادي لجريمة الرشوة. وهذا ما يدل عليه نص المادة 106 حينما يذكر المشرع أن “… أثناء ممارسته لمهام وظيفته”. الفقه الجنائي المصري يقبل أيضا بهذا الشرط ويعتبر أي فعل أو امتناع عن فعل خارج عن اختصاص الموظف كفعل أجنبي بالتالي الاختصاص الوظيفي يدخل ضمن أركان جريمة الرشوة المادية بغض النظر عن مشروعية العمل أو الامتناع عنه كما ذكرنا سابقاً و يجب أن يكون الفعل أو الامتناع ذات علاقة مباشرة مع الوظيفة.
الاختصاص الوظيفي يثبت بإحدى الطرق التالية:
مباشرة بحكم القانون (مثل وظائف الدولة الكبرى). – وفقاً للوائح الإدارية استناداً للقانون.
وفقاً لقرار إداري من رئيس مخول بإصداره.
في حالة أن الموظف المرتشي يزعم اختصاصه في تنفيذ الفعل أو الامتناع عنه رغم عدم اختصاصه عندئذ تقع جريمة الرشوة إذا كان موضوع الرشوة ذات علاقة بالاختصاص الوظيفي[13]. الفقه المصري يقبل بوقوع جريمة الرشوة من الموظف الذي يعتقد أن لديه الاختصاص الوظيفي في تنفيذ الفعل أو الامتناع عنه رغم عدم اختصاصه في الواقع]
من جهتنا نرى أن جريمة الرشوة لا تقع إلا في حالة إثبات اختصاص الموظف.
مثـــال: وكيل النيابة يطلب من المجني عليه المصاب جراء حادث طرق مبلغ من المال مقابل حصوله علي شهادة طبية تشهد بإصابة المجني عليه إصابة بليغة. من الواضح عدم اختصاص العمل الوظيفي لوكيل النيابة وبالتالي لا يمكن أن يشكل طلب المبلغ هذا عنصرا من عناصر الركن المادي لجريمة الرشوة بينما من الممكن أن نعتبره مساهما في جريمة رشوة في حالة أن الطبيب قد وافق علي إصدار هذا القرار بعلمه بدفع المبلغ من المجني عليه إلى وكيل النيابة. أيضا من الممكن أن نصف فعل وكيل النيابة علي أنه مخالفة لأداء واجب.
6. الركن المعنوي لجريمة الرشوة :
جريمة الرشوة وفقا للمادة 106 من القانون رقم 74 لسنة 1936 جريمة عمدية بمعنى أن القانون يشترط توفر قصد جنائي لدى الموظف العام المرتشي أو من بحكمه.
القصد الجنائي المطلوب توافره في جريمة الرشوة هو قصد عام بمعنى أن يتألف من إرادة الموظف الفاعل بتنفيذ نشاطه الإجرامي معلمه بجميع عناصر الركن المادي المكون لجريمة الرشوة. بالتالي كي تتحقق جريمة الرشوة يجب أن يطلب الموظف أو يقبل أو يأخذ وعد وهو يعلـــم بأن الأخذ أو الطلب أو الوعد هو مقابل لفعل أو امتناع عن فعل يقع ضمن دائرة اختصاصه الوظيفي.
الحالات التي ينتفي فيها قصد الموظف المرتشي في جريمة الرشوة هي التالية:
-انتفاء العلم بأحد عناصر الركن المادي لجريمة الرشوة (أخد، قبول، وعد).
انتفاء علم المرتشي بأنه موظف (عدم تبليغه بقرار التعيين أو عزله من منصبه بسبب تبليغ مزور).
انتفاء علمه بأنه غير مختص بالقيام بالفعل أو الامتناع عن الفعل.
انتفاء علمه بأن العطية هي مقابل فعل أو امتناع عن فعل (كما أن يعتقد أنها هدية).
انتفاء إرادة الموظف بأخذ العطية (وضع العطية في الملف).
الفقه المصري يقبل بوقوع جريمة الرشوة بمجرد علم المرتشي عند طلب أو قبول المنفعة بأنه يفعل مقابل هذه المنفعة من خلال قيامه بفعل أو امتناعه عنه ضمن دائرة أعماله الوظيفية
يرى بعض الفقهاء المصريون أن جريمة الرشوة هي جريمة قصد خاص أي أن يعلم المرتشي بأنه يفعل لقاء القيام بعمل أو امتناع عن عمل و يتطلب أيضا اتجاه نيته إلى الاتجار بأعمال الوظيفة.
بتنفيذ عناصر الركن المادي لجريمة الرشوة وتغطيتها من علم المرتشي وإرادته تكون الجريمة قد تحققت، بينما علي سبيل المثال في جريمة السرقة كما سنرى مجرد انتزاع ملكية الشيء المملوك للغير دون علمه لا يكفي لوقوع جريمة السرقة لأن كل هذه العناصر لا تدل علي تحقيق النتيجة الإجرامية بل يجب أن تتوفر نيـــة تملك الشيء الذي تم انتزاع ملكيته. بالتالي وقائع القصد الجنائي في جريمة الرشوة تثبت من خلال الطلب أو القبول أو الأخذ و يجب الانتباه إلى أن القصد الجنائي يشترط بأن يتزامن مع فعل الأخذ أو الطلب أو القبول.
7. عقوبــــة الرشــوة :
تنص المادة 106 من القانون رقم 74 لسنة 1936 على أن كل من اقترف جريمة الرشوة يعتبر أنه ارتكب جنحـــة، بينما وفقا للمادة 47 من نفس القانون عقوبة الجنح هي الحبس لمدة ثلاث سنوات أو غرامة مالية 100 جنيه أو كلتا هاتين العقوبتين. عقوبة الرشوة وفقا للمادة 106 لا تتناسب وحجم الجريمة بحيث أن الثقة والأمانة التي يمنحها القانون والمجتمع للموظفين العموميين تتطلب إنزال أشد العقوبات ضدهم في حالة خيانتهم لهذه الأمانة واستغلال وظيفتهم وصلاحياتهم من أجل الحصول على منافع مادية وغيرها.
ولا يخفى على أحد منا مدى خطورة الأفعال التي تتصل بجريمة الرشوة وتنفيذها من الموظفين أو من بحكمهم الذين يحتلون أعلى درجات السلطة في الدولة. بالتالي نعتقد أن العقوبة الواجب إنزالها في الموظفين المرتشين يجب أن تكون قاسية و شديدة و أن يتم إرجاعها إلي عقوبة جناية. كما أنه يتوجب فرض عقوبة السجن بالإضافة إلي العقوبة المالية في بعض الحالات التي يقدرها القضاء. كذلك يتوجب حرمان الموظف من ممارسة حقوقه السياسية والوظيفية كعقوبة تبعية يتحتم فرضها مع العقوبة الأصلية السالبة للحرية. لقد طرحت العديد من الاشتقاقات المهمة في تعريف الفساد، حيث عرفه البعض كلاً حسب اختصاصه وهناك من اتفق على تعريف محدد له، ومع ذلك سنطرح وجهات النظر المختلفة في إيضاح مفهوم الفساد.
يكاد مفهوم الفساد يرتبط في الأذهان بمفهوم الشر، ويعد من التعريفات الواضحة للفساد هو التعريف الذي يشير إليه بأنه إساءة استخدام السلطة لتحقيق كسب خاص (1).
في حين ينظر علم الاجتماع إلى الفساد بأنه (علاقة اجتماعية) تتمثل في انتهاك قواعد السلوك الاجتماعي في ما يتعلق بالمصلحة العامة (2).
وحقيقة أن ممارسة الفساد مرجعها إلى عدم استقامة ذاتية للشخص الذي يمارسه وبالتالي فهو انتهاك لقيمه وقيم المجتمع الذي يمارس ضده هذا السلوك.
أما أصحاب القانون والاتجاه القانوني فيعدون الفساد انحرافاً في الالتزام بالقواعد القانونية، وهناك إجماع على أن للفساد أثرا مدمراً على القانون وعلى القضاء عندما يطاله ويشمله بمؤثراته المهلكة (3).
وقد اختارت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد للعام 2003 ألا تعرف الفساد تعريفاً فلسفياً أو وصفياً، بل انصرفت إلى تعريفه من خلال الإشارة إلى الحالات التي يترجم فيها الفساد إلى ممارسات فعلية على أرض الواقع ومن ثم القيام بتجريم هذه الممارسات وهي الرشوة بجميع وجوهها وفي القطاعين العام والخاص والاختلاس بجميع وجوهه والمتاجرة بالنقود وإساءة استغلال الوظيفة وتبييض الأموال والثراء غير المشروع وغيرها من اوجه الفساد الأخرى (4).
إن الفساد يحدث عندما يقوم موظف بقبول رشوة أو ابتزاز لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمناقصة عامة، كما يتم عندما يقوم وكلاء أو وسطاء لشركات أو أعمال خاصة بتقديم رشاوى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة للتغلب على منافس وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية، كما قد يحدث الفساد بأوجه أخرى كاللجوء في تعيين الأقارب إلى المحسوبية وكذلك سرقة أموال الدولة بطرق متعددة (5).
وصندوق النقد الدولي (imf) له مفهومه الخاص للفساد، حيث يراه بأنه (علاقة الأيدي الطويلة المتعمدة التي تهدف لاستنتاج الفوائد من هذا السلوك لشخص واحد أو لمجموعة ذات علاقة بالآخرين) (6).
ويمكن التمييز بين حالتين من الفساد، الأولى تتم بقبض الرشوة عند تقديم الخدمة الاعتيادية المشروعة والمقررة، أما الحالة الثانية فتتمثل بقيام الموظف بتأمين خدمات غير شرعية وغير منصوص عليها ومخالفة للقانون مقابل تقاضي الرشوة، كإفشاء معلومات سرية أو إعطاء تراخيص غير مبررة أو القيام بتسهيلات ضريبية وإتمام صفقات غير شرعية وغيرها (7)، من التعاملات غير القانونية التي يحصل مقابلها المرتشي على مبالغ ومردودات مادية مقابل تسهيلاته التي يقدمها وتضر قواعد العمل التي من المفروض أن يكون ملتزماً بها.
إن الفساد جريمة مبنية على التفكير والحساب والتخطيط وليس على العاطفة، وعليه فهو من الجرائم التي تزيد التراكمات المادية غير الشرعية (8)، والمخالفة للقوانين والمؤثرة تأثيراً سلبياً في بنية المجتمع واقتصاده.
وعليه فالفساد عموماً هو عكس الاستقامة والنزاهة والإيجابية والبناء، وهو ممارسة وسلوك لتغليب المنفعة الشخصية على المنفعة العامة واستغلال المصلحة العامة لتحقيق المنافع الشخصية دون النظر إلى المنفعة العامة (9).
من جميع هذه الاشتقاقات يمكن الإشارة إلى الفساد بأنه سوء سلوك ذاتي ينعكس على الآخرين وما قد يجنيه الشخص من ذلك السلوك من تحقيق أرباح مادية طائلة، إلا أنها تكون على حساب المجتمع المحيط به وما قد يلحق ذلك من آثار سلبية في المجتمع، والتي تتجسد في ازدياد صور الانحراف وامتدادها عبر شبكات تتاجر وتقامر باقتصاد ومقومات البلد من خلال إضعافه داخلياً للانتقال إلى المتاجرة بمقدراته خارجياً، إضافة إلى غرس صفات الابتزاز والجشع والاحتيال والنصب، نتيجة لوجود نفوس ضعيفة تمارس الفساد بأوجهه أطره المختلفة.
وعليه فالفساد يمكن النظر إليه بمثابة الداء المعدي الذي يبدأ من الفرد أو بعض الأفراد ليعم ضرره على المجتمع كافة.
أنواع الفساد
يظهر الفساد من ناحية التصنيف على نوعين (10):
النوع الأول هو الفساد العادي (الصغير): ويتمثل هذا النوع بالرشاوى الصغيرة التي يتقاضاها الموظفون الصغار وبعض المسؤولين الحكوميين من ذوي الرواتب المحدودة نتيجة القيام بتسهيلات غير مشروعة.
أما النوع الثاني فهو الفساد الشامل (الكبير): والذي يتمثل بقيام بعض القادة السياسيين وكبار المسؤولين بتخصيص الأموال العامة للاستخدام الخاص وكذلك اختلاس الأموال وتلقي الرشاوى، وإبرام العقود والصفقات التي يكون رأسمالها من مقدرات الدولة مقابل تحويل أرصدة منافعها إلى جيوب هؤلاء المسؤولين والقادة.
إن التفرقة بين الفساد الصغير والفساد الكبير ليست تفرقة في الحجم، فالفساد الصغير يتعلق بإتمام إجراءات روتينية على وجه السرعة أو عدم إجرائها أصلا، مثل ما يقوم به بعض موظفي الهجرة والجمارك وغيرهم، بينما الفساد الشامل أو الكبير يتعلق بالتأثير على اتخاذ القرارات مثل قرارات إنشاء المشروعات الاقتصادية وترسية العطاءات والمناقصات وعقد الصفقات الكبيرة وفي مختلف المجالات (11).
كما يزداد الفساد الشامل عندما تنهار رقابة الحكومة المركزية، وأيضا عندما تنهار الدولة في مواجهة الأزمات وتحل محلها الجريمة المنظمة، كما هو الحال بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وأيضا يحدث الفساد الشامل عندما تنتقل الوظائف الفيدرالية إلى المحليات والبلديات (12).
ومهما كان الأمر من ناحية إعطاء أهمية للفساد الصغير أو الكبير، فكلاً منهما وعلى حدة ممكن أن يؤدي إلى انهيار كلي في مرتكزات الدولة وأسسها البنيوية، فقد يستشري الفساد الصغير إلى الدرجة التي لا يمكن السيطرة عليه، وقد يبقى كداء خفي وربما غير معروف لعدم وضوحه بشكل مباشر، إلا أن أثره فتاك من خلال التلاعب بالقواعد الشرعية والتي يجب انتهاجها والسير وفقها، أما الفساد الكبير فهو يقضي على المجتمع بأكمله لان جميع مقدرات المجتمع بيد من يتحكمون فيه من الذين امتهنوا الفساد لمصالح شخصية تؤدي إلى إفقار المجتمع وتعطيل قدراته وتعود به إلى التأخر والانحطاط.
في مسببات الفساد
هناك العديد من الأسباب التي تدفع إلى ممارسة هذا السلوك، وهذه الأسباب قد تكون خفية وأخرى ظاهرة، فالخفية قد تعود إلى الشخص نفسه وتتعلق بطبيعته وتكوينه وصفاته الخلقية، والظاهرة قد تعود إلى الظروف المجتمعية التي تدفع بالبعض إلى ممارسة الفساد.
فالفساد بات آفة سلوكية ترمي بظلالها على جميع المجتمعات دون استثناء ولكن بدرجات متفاوتة على اختلاف نظمها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حيث يظهر في كلا نصفي العالم الشمال والجنوب، وتتفاوت تلك المجتمعات في تحليل مفهوم الفساد وما هي أسباب ظهوره واستشرائه (13).
فقد تكون من الأسباب الدافعة للفساد هي وجود خلل في شخصية الممارس لسلوك الفساد وقصور في صفاته الأخلاقية، كأن تكون صفة الطمع لديه متأصلة على الرغم من تمتعه بمستوى مادي قد لا يدفعه إلى ممارسة هذا السلوك، إلا أنه يقدم عليه، أي انه مصاب بحب الاستغلال وجمع الأموال والابتزاز بأية طريقة.
وقد يكون السبب هو انخفاض أجور الموظفين الحكوميين، إذ أن ذلك قد يغري بالفساد من أجل زيادة رواتبهم (14)، وتحسين أحوالهم المعاشية فيحاولون تعويض ذلك بتقبل الرشاوى وتسهيل بعض التعاملات غير المشروعة، وعلى الرغم من الحاجة إلى تلك الأموال إلا أن البعض رغم حاجته لا يتسم بسلوك المفسد، وذلك يعود لدوافع أخلاقية في ذات الشخص.
وأيضا من أسباب الفساد العدد المتزايد من القرارات التي تتخذ في القطاع العام، واللامركزية الإدارية التي تزيد من مصادر اتخاذ القرار (15)، حيث أن عدم وضوح المركزية يؤدي إلى خلخلة التعامل مع ما يصدر من قرارات بشكلٍ صحيح، كما أن عدم تحديد الجهة الرئيسية في اتخاذ القرارات يؤدي إلى حالات فساد متعمدة لوجود تعدد في الجهات التي تصدر القرارات، إضافة إلى ذلك عدم وضوح النظام الضريبي وعدم كفاية شفافية القوانين والإجراءات الضريبية، وإعطاء صلاحيات كبيرة لمحصلي الضرائب مع غياب الرقابة، وكبر حجم بعض مشاريع القطاع العام وصرف مبالغ طائلة عليها والتي تغري بعض الموظفين الطامعين إلى جني أرباح طائلة، وأيضا عدم استقرار البيئة القانونية والتشريعية التي تحكم المؤسسات الحكومية، وعدم شفافية القوانين والتشريعات المرتبطة بالفساد، حيث تغيب هذه السمة لدى العديد من الدول وعلى الأخص في بلدان العالم الثالث؛ الأمر الذي يجعل من القوانين غير واضحة وقابلة للتفسير بصورة خاطئة، إضافة إلى عدم الإعلان المناسب عن أية تغييرات على هذه القوانين مما يفقدها فاعليتها وتصبح أداة فعالة لانتشار الفساد واستشرائه (16).
فتعثر نظام الدولة في ضبط الإجراءات القانونية التي تتعلق ببنية واقتصاد البلد، إضافة إلى ترك ثغرات كبيرة تشجع المستعدين لممارسة الفساد إلى الدخول فيها، من قبيل مثلاً قلة أجور الموظفين وعدم المركزية في القرار وغيرها من الثغرات الأخرى، جميعها تساعد على انتشار الفساد وغرس جذوره في المجتمع وممارسة دوره بإنهاك مؤسسات المجتمع المختلفة وتعطيل إمكانياتها.
إضافة إلى هذه الأسباب يمكن إدراج سبب آخر وجوهري في تركز الفساد وحتى في انتشاره، وهو ما لعبته الثورة الثقافية من خلال وسائلها الإتصالاتية السريعة والمتعددة، حيث أن هذه الثورة قد فتحت عقول الكثير من الأفراد من مواطني الدول الفقيرة على مستويات ووضعيات معيشة عالية، ومن هنا تبدأ المقارنة بين أوضاعهم وأوضاع الآخرين ومحاولة الوصول إليها برغم ضعف الإمكانيات، والتي قد تؤدي بالتالي إلى حالات فساد متعددة لغرض الوصول إلى مستويات الرفاهية عند الآخرين (17). وهذه مسألة خطيرة إذ أن جل سلبيات الثورة المعرفية المعلوماتية تتمثل بأنها خلقت حالة من الانبهار بأوضاع الآخرين ومحاولة الوصول إلى مستويات معيشتهم، وحتى وان كان ذلك بالطرق غير المشروعة، وعليه فممارسة البعض للفساد ربما يكون بدافع ما جاءت به هذه الثورة المعرفية، وذلك كفيل بالاستخدام غير المناسب لآليات هذه الثورة وكيفية التعامل معها، فإن ما سبق لا يعني أن جميع من تأثر بثورة المعلومات ربما قد انحرف إلى جادة الفساد لردم الهوة بين واقعهم والواقع الآخر عبر هذه الآليات، فذلك رهن بمستوى التعامل المنطقي معها، إضافة إلى ضرورة امتلاك الفرد المتعامل مع ثورة المعلومات لخاصية التحكم بها دون أن تتحكم هي به وتدفعه إلى الانحراف في الفساد.
في ما ينجم عن الفساد من مؤثرات
لعل مؤثرات الفساد التي تنخر في جسم المجتمع عديدة وسنحددها حسب تأثيرها في جوانب المجتمع المختلفة.
فمساوئ الفساد لا تقتصر على جانب معين وإنما تكاد تطال جميع جوانب المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والسياسية (18).
فعلى الجانب الاجتماعي يكاد الفساد أن يشوه البنى الاجتماطبقية والنسيج الاجتماعي، لغرض أن تصعد النخب الأقلية ويجري دفع الأكثرية إلى القاع الاجتماعي، كما أن مواصلة إنتاج الفساد فهو انعكاس لسوء توزيع الثروة توزيعاً عادلاً وبقاء تطبيق القرارات أسير البرقرطة وبقاؤها في إدراج المكاتب (19).
إن اقتصاد الفساد يؤدي إلى توزيع الدخول بشكل غير متكافئ ومشروع، ويحدث تحولات سريعة ومفاجئة في التركيبة الاجتماعية؛ الأمر الذي يكرس التفاوت الاجتماعي واحتمالات زيادة التوتر وعدم الاستقرار السياسي (20). فتركز الموارد بأيدي ممارسي الفساد يؤدي إلى اختلال التوازن في المجتمع وصعود هذه الفئة مع انخفاض فئة الأكثرية الفقيرة إلى مستوى التدهور.
إن الفساد يزيد من الإفقار وتراجع العدالة الاجتماعية نتيجة تركز الثروات والسلطات وسوء توزيع الدخول والقروض والخدمات في المجتمع وانعدام ظاهرة التكافؤ الاجتماعي والاقتصادي وتدني المستوى المعيشي لطبقات كثيرة في المجتمع (21)، وما قد ينجم عن ذلك الإفقار من ملابسات كثيرة قد تؤدي بهذه الفئات المسحوقة إلى ارتكاب الرذائل وبالتالي تعطيل قوة فاعلة في المجتمع ممكن الاستفادة منها لو احسن التعامل معها.
ولعل اخطر ما ينتج عن داء الفساد هو ذلك الخلل الذي يصيب أخلاقيات العمل والقيم الاجتماعية؛ الأمر الذي يؤدي إلى شيوع حالة ذهنية تسبغ على الفرد ما يبرر الفساد والقيام به (22)، حيث يغير الفساد من سلوك الفرد الذي يمارسه، ويجره للتعامل مع الآخرين بدافع المادية والمصلحة الذاتية، دون مراعاةٍ لقيم المجتمع والتي تتطلب منه النظر للمصلحة العامة، إضافة إلى الإخلال بكل قواعد العمل وقيمه.
وإضافة إلى تأثير الفساد بقيم العمل، فقد يؤدي إلى إلغاء أو أضعاف مفعول الحوافز الموضوعية العادلة، حيث انه بطبيعته الديناميكية القاتلة يثبط عزيمة المنتجين والعاملين الجادين، ويجعل اغلب الإدارات متثاقلة واقل فعالية (23)، في منح الحوافز، نتيجة تغلغل الفساد فيها والذي يلغي معه الجدية في العمل.
إن إضرار الفساد بتوزيع الدخول وتهشيم النسيج الاجتماعي وخلق طبقة فقيرة جداً وطبقة غنية بالانتفاع من موارد الفقراء، بالتأكيد سيكون له دوره في زعزعة أسس بناءات المجتمع وتفكيكه.
أما مؤثرات الفساد في الجانب الاقتصادي، فيمكن القول أن اكثر ما يغرسه الفساد من سموم هو في الجانب الاقتصادي، لان المحصلة النهائية للفساد هي الحصول على الأرباح المادية، وما يمكن أن يلعبه الاقتصاد وبشكلٍ أساس من دورٍ فعال في حياة المجتمع واستقراره.
فالفساد يؤثر على أداء الاقتصاد الوطني ويضعف النمو الاقتصادي، حيث يؤثر في استقرار البيئة الاستثمارية ويؤدي إلى زيادة تكلفة المشاريع ويهدد نقل التكنولوجيا ويضعف الأثر الإيجابي لحوافز الاستثمار بالنسبة للمشاريع المحلية والأجنبية، وخاصةً عندما تطلب الرشاوى من أصحاب المشاريع لتسهيل قبول مشاريعهم، أو يطلب الموظفون المرتشون حصة من العائد الاستثماري (24).
إن المبلغ الذي يدفعه رجل الأعمال كرشوة للموظف لغرض الحصول على تسهيل معين، مثلاً الحصول على أذن باستيراد سلع معينة من الخارج أو الحصول على مناقصة أو عطاء أو المتاجرة بأشياء ذات ضريبة عالية، لن يتحمل ذلك المبلغ رجل الأعمال، وإنما يتم نقل عبئه إلى طرف ثالث قد يكون المستهلك أو الاقتصاد القومي ككل أو كليهما معاً، حيث يقوم رجل الأعمال برفع سعر السلعة التي استوردها من الخارج، أو رفع تكلفة المناقصة أو العطاء، لغرض تعويض ما دفعه من رشوة، والمستهلك الذي يشتري هذه السلع هو الذي يتحمل سعرها المرتفع دون غيره، أو قد تتحملها ميزانية الدولة إذا كانت الحكومة هي التي تشتري السلعة، إضافة إلى ذلك قد يؤدي استيراد هذه السلعة إلى زيادة الطلب على العملة الأجنبية؛ الأمر الذي يضعف من قوة العملة المحلية وينقص قيمتها، وذلك له مؤثراته على الاقتصاد القومي (25). فكثيراً ما نلاحظ أن ارتفاع أثمان السلع في السوق، قد لا يعود إلى ارتفاع تكلفتها الإنشائية، وإنما يعود إلى ملابسات من هذا النوع والمتمثلة بدفع رشاوى لنقل واستيراد هذه السلع والتعويض عن ما دفع عنها برفع أثمانها على المستهلك؛ الأمر الذي يؤدي إلى أحداث ضغط كبير على ميزانية ذوي الدخول المحدودة؛ مما يزيد من العوز وعدم المقدرة على مواجهة أمور الحياة.
كما أن الفساد يغير المعايير التي تحكم إبرام العقود، حيث أن التكلفة والجودة وموعد التسليم وغيرها من المعايير المشروعة هي التي تحكم إبرام العقود في الظروف الاعتيادية، ولكن في ظل الفساد يصبح المكسب الشخصي لكبار المسؤولين عاملاً هاماً في إبرام العقود، ويقلل من أهمية المعايير الأخرى كالتكلفة والجودة وموعد التسليم، وهذا يؤدي إلى اختيار موردين أو مقاولين اقل كفاءة وشراء سلع أقل جودة (26).
ويؤدي الفساد إلى إضعاف جودة البنى التحتية والخدمات العامة، ويدفع بذوي النفوس الضعيفة إلى السعي إلى الربح غير المشروع عن طريق الرشاوى دون المشاركة في الأنشطة الإنتاجية، والحد من قدرة الدولة على زيادة الإيرادات والإفضاء إلى معدلات ضريبية متزايدة تجبى من عدد متناقص من دافعي الضرائب، وذلك بدوره يقلل من قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية لأفراد المجتمع (27).
وفي الوقت ذاته قد يؤدي الفساد إلى تبديد الموارد القومية ويجعل مساهمتها في التنمية الاقتصادية للدولة هامشية، وتصبح القضية صعبة عندما توضع مقدرات الدولة الاقتصادية بيد مجموعة من المرتشين (28)، من الذين لا يعباؤن بالدولة والمجتمع ومصالحهما، فالمهم في القضية هو الإثراء الشخصي على حساب الآخرين حتى وان كان ذلك يهدد بنسف اقتصاد البلد بأكمله.
ومن مؤثرات الفساد أيضا في الجانب الاقتصادي، إنه يؤدي إلى رصد أموال طائلة وتحديد الميزانيات لمشاريع أو شراء سلع غير ضرورية أو غير ذات فائدة أو أنها قليلة الأهمية، وذلك ما يلاحظ من خلال إعطاء تسهيلات وقروض لمشاريع بناء مدن ترفيهية وسياحية وملاهي وملاعب الجولف في دول نامية تعاني الفقر وأزمة إسكان، أو شراء معدات عسكرية وإبرام الاتفاقيات العسكرية التي تفوق قدرة وحاجة البلد إليها (29)، وأيضا إنفاق الأموال على قضايا غير ذات أولوية في مجتمعات تعاني الفقر، مثلاً رصد المبالغ الكبيرة لإقامة المعسكرات الرياضية في الدول الأوربية، والتي تتطلب إيرادات كبيرة، في حين أن هناك مشاريع كثيرة في تلك الدول بحاجة إلى هذه الأموال والتي لو صرفت عليها لسدت الحاجة إليها بشكلٍ كبير وزاد عدد المنتفعين منها دون تبذيرها وهدرها في قضايا لا مبرر لها، إلا لاستفادةٍ خاصة من ورائها التي تذهب إلى جيوب القلة دون الأكثرية، إضافة إلى هدر الأموال الضخمة دون توظيفها لقطاعات مجتمع ما كالتعليم والصحة وغيرها، الذي قد يبقى فقيراً في دولٍ بحاجة إلى تطوير.
وفي الجانب القانوني فللفساد مؤثرات بالغة الأثر، تبدأ من أن الفساد في أحد أوجهه هو مخالفة للقانون ومخالفة للقواعد الشرعية القانونية التي تسير عليها أنظمة المجتمع.
فالفساد يؤدي إلى إفقاد القانون هيبته، لان المفسدين يملكون خاصية تعطيل القانون، وقتل القرارات التنظيمية في المهد، والمواطن عندما يتأكد له من أن القانون مهزوز في قراراته وفي سبات عميق، وان الجزاءات واللوائح لا تطبق ضد المخالفة والمخالفين لأنظمة وقواعد الدولة ؛ فالأمر يؤدي بذلك المواطن إلى فقدان ثقته بهيبة القانون في المجتمع وسلطانه، وتصبح مخالفته للقانون هي الأصل والتعدي عليه مباح، واحترام القانون هو الاستثناء وغير ذات أهمية (30). ومن ذلك نرى التجاوز الصريح على القانون وعدم احترامه، وكأن القوانين لا تمثل سطوة على الأفراد وغير فعالة، فيلجأ الأفراد إلى الانحرافات والجريمة، ومنها ممارسة الفساد وعدم الاكتراث لسلطة القانون.
ولما كان الفساد يضعف ثقة الأفراد في الحكومة ومؤسساتها وخاصةً عندما تكون للفساد مساحة واسعة في الدولة، فإن ذلك يمهد وبشكلٍ كبير لكل حالات الفوضى والانفلات (31)، والتعدي الواضح على حرمة القوانين.
وتبرز مؤثرات الفساد في البيئة بشكلٍ واضح من خلال قيام المسؤولين المفسدين في العديد من الدول النامية بتقاضي الرشاوى والعمولات مقابل تسهيلات يقدمونها للدول الصناعية، والقاضية بدفن النفايات الصناعية بكل ما تحمله من مواد سامة في أراضيهم، حيث توجد ضوابط أقل صرامة من ناحية شروط المعالجة والتعبئة والدفن وأقل تكلفة بالمقارنة مع الدول الصناعية نفسها، فتلجأ الدول الصناعية إلى اختيار المفسدين في الدول النامية لاستخدام أراضيهم لهذا الغرض إن من الملاحظ أن أكثر الدول النامية تعاني أمراضا كثيرة وفتاكة، منها ما هو ناجم عن إشعاعات ومواد سامة ساهمت بها إضافة إلى الحرب دفن هذه النفايات الصناعية بمؤثراتها المختلفة على بيئة البلد الذي تدفن فيه من ناحية الغازات السامة المنبعثة منها إلى الهواء وتسربها إلى ماء الشرب وغيرها من المؤثرات التي من الممكن إن تؤدي إلى كارثة بيئية في هذه البلدان.
إضافة إلى ذلك فإن أعمال الفساد في ثورة المعلومات تساهم أيضا في كوارث إنسانية وبيئية من خلال ما تقوم به من عدة اختراقات في نظم محطات نووية، والتي قد تؤدي إلى كوارث بيئية مدمرة. فالتقنية المعلوماتية الآن تتحكم بكل شيء وبمجرد كبسة أزرار معينة على هذه الآليات تتغير الكثير من الأمور ومنها القضايا التي تتعلق بالبيئة، كاستخدام المتفجرات بالتقنية الحديثة والسيطرة عن بعد، ونقل المواد السامة في رؤوس الصواريخ الحاملة لها وتفجيرها عن بعد، وجميع هذه بالتالي سيكون مردودها آثاراً سلبية للبيئة تلحق ضرراً في الاختلافات الولادية للإنسان واستفحال وتمركز الأمراض المعدية والفتاكة في البلدان المتضررة بيئياً وخاصةً تلك المبتلية بوجود مفسدين فيها يقومون بتسهيلات مقابل عمولات لاستغلال أراضيهم كمناطق طمر غير شرعية.
وعلى الرغم من كل هذه المؤثرات إلا انه يمكن القول أن مؤثراً واحداً إذا انفرد بالمجتمع وبناءاته ممكن أن يحطمه، فالمسألة باتت تتعلق بكل ما له صلة بالإنسان من ناحية ازدياد الإفقار المجتمعي وتركز الثروة بأيدي المفسدين واختلال في نظم المجتمع وفقدان الهيبة الحقيقية للدولة والحكومة، إضافة إلى مؤثرات كثيرة يساهم الفساد وبشكلٍ فعال في استفحالها في المجتمعات المريضة به.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة