لم ينجح أحد

القصة (:::)
قصة : فيصل سليم التلاوي – فلسطين المحتلة (:::)
منذ أيام معدودات وصلت إلى هذه القرية النائية، التي تتوارى وسط وهدة بين الجبال. كانت اختبارات الدور الثاني على الأبواب، حيث شاهدت فيها عجبا ما رأيت مثله طيلة سنواتي الماضية في مهنة التدريس .
هذا مدرس يدخل قاعة الامتحان، يتجاهل وجودي أنا المدرس الملاحظ على القاعة، ينتقي طالبا معينا، يجلس على كرسي بجانبه، يمليه الإجابة ثم ينتقل إلى غيره.
ثلاثة أو أربعة طلاب فقط. بينما عيون الآخرين تتحسر، وتتوسل بعضا مما ناله هؤلاء المحظوظون، لكنها لا تجرؤ على الاعتراض ولا تنبس ببنت شفة .
أخجلني الموقف كثيرا وأحرجني أيّما إحراج، فقلت له هامسا:
– يا أستاذ عبد السميع، دع خيرك يعم ولا يخص، جُد على أولئك المساكين ببعض كلمات حتى لا يفضحوننا .
كأنه ما سمعني مطلقا، لقد أدى مهمة موكلة إليه وانصرف. حِرت في الأمر الذي رأيت. انتظرت بفارغ الصبر نهاية الامتحان، وأسرعت إلى من أنست فيه جانبا من ثقة من المدرسين القدامى، أستوضح منه عما رأيت، قبل أن أحتج  وأشكو إلى مدير المدرسة، فهمس في أذني :
-“هوَ إنت شفت حاجة يا عم سعيد، الخير لقُدام، في امتحان الكفاءة في نهاية العام”             تكشفت لي الأمور يوما بعد يوم، فعرفت أن لمدرستنا تقاليدها العريقة في مواسم الامتحانات، في الإيماء للطلبة والتلميح والتصريح تحت شعار مزعوم، كلمة حق يراد بها باطل:
– ” لا يراك الله إلا محسنا .”
وإني لعلى يقين أن الله يراني مسيئا أيما إساءة وأنا أغشش طالبا في الامتحان .
مضى العام الدراسي بطيئا ثقيلا، وأنا أحاذر قدر استطاعتي أن ألج باب غرفة الإدارة إلا للضرورة القصوى، وأتجنب مخالطة زملائي من المدرسين القدامى ما استطعت إلى ذلك سبيلا، رغم ضيق السبل وقلة الحيَل في هذه القرية المنقطعة عن العالم .
انطويت على نفسي ولزمت الصمت معظم وقتي منتظرا ما يصنع الله بي في نهاية هذا العام. وأنّى لي أن أسبح ضد هذا التيار الجارف؟!
لو همست بكلمة اعتراض واحدة لنقلوني – على أحسن تقدير – إلى واد غير ذي زرع، لكنه بالتأكيد ليس عند بيت الله المُحرم، بل في أعماق الصحراء، أو لفقوا لي تهمة مُفصلة على مقاسي، والشهود أراهم من حولي وتحت الطلب، جاهزون لكل شهادة .
كان من التقاليد العريقة لهذه المدرسة أن مدرس التربية الفنية والبدنية لا يلاحظان أثناء الاختبارات. يستلم كل منهما إخلاء طرفه ويمضي بمجرد أن تبدأ الاختبارات، كأن من مؤهلات الملاحظ أن يكون مُلِمّا بالمادة، بل ويفضل أن يلاحظ على نفس المادة التي يُدرسها ليدلي بدلوه عند الحاجة .
لا نعلم على وجه اليقين من الذي أوحى لمدرس التربية الفنية أن يقدم شكواه لإدارة التعليم، لكننا نظن – وبعض الظن إثم – أنه مدير المدرسة  القديم المعزول، أراد أن ينتقم من خَلفه الذي حلّ محله. ادعى بأن هناك غشا في الامتحانات يمكن التأكد منه بتشابه إجابات الطلبة في مادتي الرياضيات واللغة الانجليزية، يصل إلى حد شطب الإجابات واستبدالها بإجابات جديدة وبشكل جماعي .
كان واثقا من صدق دعواه، فهو مدرس قديم في هذه المدرسة، ويعرف أعرق تقاليدها، لم يفطنوا مرة إلى مواراة سوأتهم، فيرسلوا المُلَقِن في بداية الاختبار، وذلك حتى لا يخرج الطلبة من القاعة سراعا. إنهم يحرصون حرصا شديدا على النظام ودقة التوقيت، فلا يجوز أن يغادر الطالب القاعة قبل انقضاء منتصف الوقت .
يرسلون المُلقن بعد انقضاء منتصف الوقت، فيقوم الطلاب بشطب إجاباتهم، وكتابة ما لقنهم إياه، ويكون الأمر مفضوحا، لولا أن لجان التصحيح تغض طرفها، ولا تسعى لإيقاظ الفتنة النائمة  ما لم يوقظها أحد بشكوى .
في صبيحة اليوم التالي باغتنا مشرف تربوي قادم من إدارة التعليم، لازمنا طيلة ما تبقى من اختبارات. ارتبنا في الأمر لأول وهلة، لكننا ما توقعنا أن وراء الأكمة ما وراءها، إلا عندما ألغيت نتيجة اختبارات مدرستنا في مادتي الرياضيات واللغة الإنجليزية، لتعاد في الدور الثاني .
قامت الدنيا ولم تقعد. انقضى العام التالي بطوله، وجزء من العام الذي يليه ونحن في دوامة لجان تحقيق في إثر لجان. بعضها يحقق معنا نحن المدرسين، وبعضها مع الطلبة، وبعضها مع أولياء أمورهم، ومع كل لجنة تسري إشاعة جديدة عن العقوبة المتوقعة والنقل التأديبي في نهاية العام. قلت لنفسي محاولا انتزاعها من هذا المستنقع الآسن بالشائعات والاحتمالات:
– ما لي وللنقل التأديبي، لِمَ لا أفعلها بنفسي، وبيدي لا بيد عمرو، رغم أنني قد ألفت هذا المكان، فقد أعجبتني خضرة جباله وأوديته، وراقت لي نزهات يوم الخميس والتسلي بصيد السمك في الأودية المجاورة. فأنا ما تخيلت قبل مجيئي إلى هنا أنني سأشاهد غير كثبان الرمال ووهج الصحراء. ها هنا ماء وخضرة وجبال شاهقة، لكن لا بد مما ليس منه بد، لابد من الرحيل، وملء استمارة النقل الخارجي .
عندما انتهت امتحانات الفصل الثاني، ذهب الأستاذ سعيد إلى المدينة، توجه إلى إدارة التعليم، واستلم خطاب نقله، وكانت مفاجأة مذهلة. لقد نقل إلى المكان الذي اختار له الترتيب الأول في استمارة الانتقال، وهو لا يحلم بإمكانية تحققه، لقد نقل إلى واد كان يوما غير ذي زرع  عند بيت الله المحرم .
اشترى جريدة ليطالع فيها أسماء الناجحين من طلابه في شهادة الدراسة المتوسطة. كانت نسبة النجاح مرتفعة رغم وجود مشرف تربوي مقيم في مدرستهم منذ عامين، وفي كل موسم اختبارات يأتيهم مشرف إضافي يقيم معهم من أول يوم إلى آخر يوم. لقد اعتاد الطلبة على ذلك، وصاروا ينجحون  باعتمادهم على أنفسهم لا على تلقين مدرسيهم .
جال ببصره مفتشا عن نتائج مدرسة مجاورة لمدرستهم، كان اسمها في كل عام يتصدر قائمة من عشرات الناجحين. فتش طويلا فلم يعثر على اسمها، يريد أن يراه هذا العام وقد سمعوا أن في المدرسة المجاورة مشرف تربوي مقيم لا يُؤمَن جانبه، فقد يباغتهم بزيارة مفاجئة. فضنوا على تلاميذهم حتى بالتلميحات والإيحاءات،  واصطنعوا الجد والصرامة.
فتش عنها ثانية وثالثة، وأخيرا وجد اسمها يقبع في ذيل الصفحة فريدا عاريا، وتحته انكمشت على بعضها ثلاث كلمات ضئيلة  تحاول أن تواري عريه  ” لم ينجح أحد”.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة