الطَّائِفَةُ الْبَاغِيَةُ

فن وثقافة (:::)
بقلم : محمد جمال صقر (:::)
(1)
إن الذي خلق الشعراء وأَمْلَى لهم في التحصيل والتفكير والتعبير حتى أَشْرَفُوا على الناس من القمر، لَقادرٌ على أن يخلق النقاد ويُمْلي لهم في التأمل والاستيعاب والتمييز حتى يشرفوا على الشعراء والناس جميعا من الشمس! بل لولا مثلُ هؤلاء النقاد ما كان مثلُ أُولَائِك الشعراء؛ فهم الذين بعثوهم مِنْ رُقاد، ونبَّهوهم مِنْ غَفْلة، وعَطَفُوا عليهم من إِعْرَاض.
وإنما أَهْلَكَ الأدباءَ قَبْلَنا أنهم كانوا إذا أخطأ فيهم الشاعرُ الكبيرُ تَحَرَّجَ من تخطيئه الناقدُ الكبير؛ فحَمَلَ خطأَه النقادُ الصغار على أحسن مَحامله؛ ثم لم يلبث أن يصير أسلوبًا في الخطأ، بعد أن كان خطأ في الأسلوب، ويتَّسع الخَرْقُ على الراقع!
وربما خَلَا الناقدُ الكبير من ذلك الحَرَج إذا كان مع نقده الكبير شاعرا كبيرا؛ فعندئذ يُجرِّئه على غيره علمُه بحقيقةِ نفسِهِ، وأنه ربما عجز عن التحليق فأَسَفَّ، وعن الصواب فأخطأ عَفْوًا أو قَصْدًا. فأما الناقد الصغير فيتقي كِبَرَ الشعراء بالإعجاب بهم، ويتقرب إليهم بتقسيم وجوه الصواب عليهم!
وهل أَغْرَى بنقد الشعراء الكبار النابغةَ الذبيانيَّ والحطيئةَ…، وعليَّ بْنَ الجَهْم وأَبَا تَمامٍ والمُتنبيَ والمَعَريَّ وبشّارًا وأبا نُواسٍ وابنَ الرومي وابنَ المعتزّ…، والجُرجانيَّ والمرزوقيَّ وابنَ رشيق…، والباروديَّ والعقادَ والمازنيَّ والرافعيَّ وشاكرًا وعبدَ الله الطيّبَ ويوسفْ خُليفْ وأبا هَمّام… وغيرَهم، إلا أنهم كانوا شعراء كبارا.
وقد أحببتُ النقادَ الكبارَ الشعراءَ الكبارَ، حتى أطلعني حُبُّهم على دَخائِل نفوسهم. وخالطتُهم حتى دَعَاني فيهم خِلاطُهم. وزالتْ من قلبي هَيبةُ الشعراء الكبار بهَيْبة الصواب؛ فرأيتُ أن أُسَلْسِلَ في تخطيئهم سلسلةً أكون وإياها مَثَلًا شَرودًا، لا تدور كلُّ حَلَقَةٍ مُزجَّجة مَسْنونةٍ منها إلا بمَعَايبهم مَجْلُوَّةً وأَلْحِيَتِهِمْ مَلْحُوَّةً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
(2)
قال مَحمودْ دَرْوِيشْ (1941-2008):
“فِي بَيْتِ نِزَارْ قَبَّانِي
بَيْتٌ مِنَ الشِّعْرِ بَيْتُ الدِّمَشْقِيِّ مِنْ جَرَسِ الْبَابِ حَتَّى غِطَاءِ السَّرِيرِ كَأَنَّ الْقَصِيدَةَ سُكْنَى وَهَنْدَسَةٌ لِلْغَمَامِ بِلَا مَكْتَبٍ كَانَ يَكْتُبُ يَكْتُبُ فَوْقَ الْوِسَادَةِ لَيْلًا وَتُكْمِلُ أَحْلَامُهُ ذِكْرَيَاتِ الْيَمَامِ وَيَصْحُو عَلَى نَفَسِ امْرَأَةٍ مِنْ نَخِيلِ الْعِرَاقِ تُعِدُّ لَهُ الْفُلَّ فِي الْمَزْهَرِيَّةِ كَانَ أَنِيقًا كَرِيشِ الطَّوَاوِيسِ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ دُونْ جُوَانَ تَحُطُّ النِّسَاءُ عَلَى قَلْبِهِ خَدَمًا لِلْمَعَانِي وَيَذْهَبْنَ فِي كَلِمَاتِ الْأَغَانِي وَيَمْشِي وَحِيدًا إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ قَاطَعَهُ الْحُلْمُ فِي دَاخِلِي غُرَفٌ لَا يَمُرُّ بِهَا أَحَدٌ لِلتَّحِيَّةِ مُنْذُ تَرَكْتُ دِمَشْقَ تَدَفَّقَ فِي لُغَتِي بَرَدَى وَاتَّسَعْتُ أَنَا شَاعِرُ الضَّوْءِ وَالْفُلِّ لَا ظِلَّ لَا ظِلَّ فِي لُغَتِي كُلُّ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى مَا هُوَ الْيَاسَمِينُ أَنَا الْعَفَوِيُّ الْبَهِيُّ أُرَقِّصُ خَيْلَ الْحَمَاسَةِ فَوْقَ سُطُوحِ الْغِنَاءِ وَتَكْسِرُنِي غَيْمَةٌ صُورَتِي كَتَبَتْ سِيرَتِي وَنَفَتْنِي إِلَى الْغُرَفِ السَّاحِلِيَّةِ بَيْتُ الدِّمَشْقِيِّ بَيْتٌ مِنَ الشِّعْرِ أَرْضُ الْعِبَارَةِ زَرْقَاءُ شَفَّافَةٌ لَيْلُهُ أَزْرَقٌ مِثْلُ عَيْنَيْهِ آنِيَةُ الزَّهْرِ زَرْقَاءُ وَالسَّتَائِرُ زَرْقَاءُ سَجَّادُ غُرْفَتِهِ أَزْرَقٌ دَمْعُهُ حِينَ يَبْكِي رَحِيلُ ابْنِهِ فِي الْمَمَرَّاتِ أَزْرَقُ آثَارُ زَوْجَتِهِ فِي الْخِزَانَةِ زَرْقَاءُ لَمْ تَعُدِ الْأَرْضُ فِي حَاجَةٍ لِسَمَاءٍ فَإِنَّ قَلِيلًا مِنَ الْبَحْرِ فِي الشِّعْرِ يَكْفِي لِيَنْتَشِرَ الْأَزْرَقُ الْأَبَدِيُّ عَلَى الْأَبْجَدِيَّةِ قُلْتُ لَهُ حِينَ مِتْنَا مَعًا وَعَلَى حِدَةٍ أَنْتَ فِي حَاجَةٍ لِهَوَاءِ دِمَشْقَ فَقَالَ سَأَقْفِزُ بَعْدَ قَلِيلٍ لِأَرْقُدَ فِي حُفْرَةٍ فِي سَمَاءِ دِمَشْقَ فَقُلْتُ انْتَظِرْ رَيْثَمَا أَتَعَافَى لِأَحْمِلَ عَنْكَ الْكَلَامَ الْأَخِيرَ انْتَظِرْنِي وَلَا تَذْهَبِ الْآنَ لَا تَمْتَحِنِّي وَلَا تَشْكُلِ الْآسَ وَحْدَكَ قَالَ انْتَظِرْ أَنْتَ عِشْ أَنْتَ بَعْدِي فَلَابُدَّ مِنْ شَاعِرٍ يَنْتَظِرْ فَانْتَظَرْتُ وَأَرْجَأْتُ مَوْتِي”.
ما أَنفسَ هذا النص، وما أَلطفَه، وما أَخفَّه!
أما نَفاستُه فمِن أنه لمحمود درويش في نزار قباني (1923-1998)، وهما أشهر شعراء العرب المعاصرين الكبار، ولا يستغني طلاب الشعر عن الاطلاع على مساجلات الشعراء، ولاسيما إذا كانت من شعر بعضهم في بعض؛ إذ يستمتعون عندئذ ويستفيدون. وما زال على بالهم طَوالَ مئتي العام والألف السابقة شعرُ أبي تمام في عليّ بن الجهم، الذي اتخذوه شِعارَ قرابة الأدب التي تُعارض قرابة النسب.
وأما لَطافةُ هذا النص فمن أنه مثال القصيدة المتحققة بحقيقة الشعر الحُرّ الخارج من سعي الشاعر المعاصر على أثر بنية العمل الموسيقي السيمفوني الطويل المركب المتلاحم الذي ترتفع حركاته وتتموَّج غيرَ منقطعة ثم تنخفض أخيرا مرة واحدة، وإن حرص درويش على توزيع نصه توزيعا يُخفِي صنعته فيه، ولم أَعبأ بما أَظْهَرَ حرصًا على ما أَبْطَنَ؛ فرسمتُه على ما يستحقه.
ربما كان هذا النص أكثر من غيره تمثيلا موسيقيا مباشرا؛ ففيه أربع حركات على عدد حركات السيمفونية التقليدي:
الحركة الأولى:
“بَيْتٌ مِنَ الشِّعْرِ بَيْتُ الدِّمَشْقِي (…) غُرَفٌ لَا يَمُرُّ بِهَا أَحَدٌ لِلتَّحِيَّة”،
والحركة الثانية:
“مُنْذُ تَرَكْتُ دِمَشْقَ تَدَفَّقَ فِي لُغَتِي بَرَدَى (…) وَنَفَتْنِي إِلَى الْغُرَفِ السَّاحِلِيَّة”،
والحركة الثالثة:
“بَيْتُ الدِّمَشْقِيِّ بَيْتٌ مِنَ الشِّعْر (…) يَكْفِي لِيَنْتَشِرَ الْأَزْرَقُ الْأَبَدِيُّ عَلَى الْأَبْجَدِيَّةِ”،
والحركة الرابعة:
“قُلْتُ لَهُ حِينَ مِتْنَا مَعًا وَعَلَى حِدَة (…) فَانْتَظَرْتُ وَأَرْجَأْتُ مَوْتِي”.
تَحرَّكَ بالحركة الأولى تعبيرُ درويش عن بيت نزار الذي يعيش فيه، كيف تَكوَّن مثلما يَتكوّن بيت شعره الذي ينظمه. وتحرّكَ بالحركة الثالثة تعبيرُه عن بيت الشعر الذي ينظمه، كيف تَكوَّن مثلما يَتكوّن بيته الذي يعيش فيه. وتَحرّك بالحركة الرابعة تعليقُه على تعبير الحركة الثالثة، مثلما تَحرَّك بالحركة الثانية تعليقُه على تعبير الحركة الأولى.
ولقد حرص في الحركة الثانية على أن تطابق الأولى بالتعبير عن أسلوب نظم شعره؛ فتوقعتُ أن تكون الحركة الرابعة في التعبير عن أسلوب سُكْنَى بيته، فكانت كما توقعت، ولكن عن أسلوب سُكْنَى بيت مَثْوَاه الأخير الذي جهَّزه هو نفسه لنفسه!
ولم يستطع درويش ألا يشارك نزارا في الحركة الرابعة؛ إذ ربما كان حافزه إلى نصه هذا من أصله أنه رأى فيه نفسه، ولو لم يفعل لخانها! ولكنه لم ينج من تناقض مشاعره الطبيعي؛ فاجتمع له في هذه الحركة الرابعة نفسها تعبيرُه عن رغبته في مشاركة نزار في سكنى بيت مثواه الأخير، وتعبيرُه عن رغبته في حمل رسالته بعده إلى الناس، ثم غلب الانتظار على الذهاب، وإن دَلَّ سكونُ آخِرِ “يَنْتَظِرْ” من غير جازم، على أنه انتظار المقهور، وإن زعم أنه هو الذي أرجأ موته!
وأما خِفَّةُ هذا النص فمن أنه من وزن بحر المتقارب الحر (دَدَنْ دَنْ×…=فَعُولُنْ×…)، لا يَؤُودُه خَرْمُ تفعيلته الأولى (بَيْتٌ=دَنْ دَنْ=عُولُنْ)، اعتمادًا على نَبْرِ مقطعها الأول الباقي من وتدها المجموع (بَيْ=دَنْ). ولكنه يؤوده نطق “يَكُنْ دُونْ جُوَانَ”، من طرفيه، إلا أن أُقدِّر من أوله اختلاس المد قبل النون الساكنة -ولم أر أن أحرف النص، ولو جاز لي لرسمته “يَكُنْ دُنْ”، لتستقيم التفعيلة “دَدَنْ دَنْ=فَعُولُنْ”!- وقد عالجته له من آخره بفتح النون -ولم يَشْكُلْ درويش من نصه شيئا- لكيلا يتعثر الإيقاع (جُوَانَ=دَدَنْ دَ=فَعُولُ). وكذلك يَؤُودُهُ نُطقُ “فَلَابُدَّ مِنْ شَاعِرٍ يَنْتَظِرْ فَانْتَظَرْتُ” من وسطه إذا ارتفعَ الفعلُ المضارع، وقد عالجته له بجزمه دون جازم انتفاعا بسكون رائه وزنا ومعنى؛ فأما الانتفاع بمعنى سكونها فقد سبق قريبا، وأما الانتفاع بوزن هذا السكون فمن حيث تستقيم به التفعيلة “تَظِرْ فَانْـ=دَدَنْ دَنْ=فَعُولُنْ”.
ومن خفة هذا النص اصطناعُه هذه اللغة القريبة الخصيبة، التي تشبه لغة نزار كثيرا، حتى لَأَظُنُّ أن عبارته المفتاحية (بَيْتُ الدِّمَشْقِيِّ بَيْتٌ مِنَ الشِّعْر)، من كلام نزار نفسه، سَمِعَهَا منه درويش، وحفظها له، حتى ردَّها إليه! ولكنه تصرف في ترتيب شطريها (بَيْتٌ مِنَ الشِّعْرِ بَيْتُ الدِّمَشْقِي)، لِيَرَى الخبرَ من مَنظَر المبتدأ، كما رأى المبتدأَ من مَنظَر الخبر. وربما كان من تَنَسُّم النِّزاريَّة كذلك إقحام ضمير الغائب في قوله: “مَا هُوَ الْيَاسَمِينُ”، ولا قوة له غير تمثيل هوى نزار الذي كانت منه الركاكةُ نفسُها على بالٍ، يؤثرها على الجزالة عمدا؛ عسى أن تنتقم له بلينها من قسوتها!
(3)
قال عبد الله البَرَدُّوني (1929-1999):
“مُغَنٍّ تَحْتَ السَّكَاكِينِ
بِعَيْنَيْهِ حُلْمُ الصَّبَايَا وَفِي حَنَايَاهُ مَقْبَرَةٌ مُسْتَرِيحَهْ
لِنَيْسَانَ يَشْدُو وَفِي صَدْرِهِ شِتَاءٌ عَنِيفٌ طُيُورٌ جَرِيحَهْ
بِلَادٌ تَهُمُّ بِمِيلَادِهَا بِلَادٌ تَمُوتُ وَتَمْشِي ذَبِيحَهْ
بِلَادَانِ دَاخِلَهُ هَذِهِ جَنِينٌ وَهَذِي عَجُوزٌ طَرِيحَهْ
وَآتٍ إِلَى مَهْدِهِ يَشْرَئِبُّ وَمَاضٍ يَئِنُّ كَثَكْلَى كَسِيحَهْ
زَمَانَانِ دَاخِلَهُ يَغْتَلِي دُجًى كَالْأَفَاعِي وَتَنْدَى صَبِيحَهْ
وَرَغْمَ صَرِيرِ السَّكَاكِينِ فِيهِ يُغَنِّي يُغَنِّي وَيَنْسَى النَّصِيحَهْ
فَتَخْضَرُّ عَافِيَةُ الْفَنِّ فِيهِ وَأَوْجَاعُهُ وَحْدَهُنَّ الصَّحِيحَهْ
أَيَا شَمْعَةَ الْعُمْرِ ذُوبي يُلِحُّ فَتَسْخُو وَتُومِي أَأَبْدُو شَحِيحَهْ
فَيُولَدُ فِي قَلْبِهِ كُلَّ يَوْمٍ وَيَحْمِلُ فِي شَفَتَيْهِ ضَرِيحَهْ
يُوَالِي فَيَرْفُضُ نِصْفَ الْوَلَاءِ وَيُبْدِي الْعَدَاوَاتِ جَلْوَى صَرِيحَهْ
لَه وَجْهُهُ الْفَرْدُ لَا يَرْتَدِي وُجُوهًا تُغَطِّي الْوُجُوهَ الْقَبِيحَهْ
يُعَرِّي فَضَائِحَ هَذَا الزَّمَانِ وَيَعْرَى فَيَبْدُو كَأَنْقَى فَضِيحَهْ
تَرَى وَجْهَهَا الشَّمْسُ فِيهِ كَمَا تَرَى وَجْهَهَا فِي الْمَرَايَا الْمَلِيحَهْ”.
وعلى كثرة أمثلة المغنين تحت السكاكين لِلمُتمثِّلين من كل مكان وزمان، أرى أن البردوني في هذه القصيدة إنما امْتاحَ من ينبوع نفسه وتَمثَّلَ بمثالها؛ فقد رُزق الطموحَ إلى التغيُّر والتغيِير، حتى ابتُلي بالسجن على ضَرارته، فكابد من شأن قصيدته هذه ما رَفَدَهُ فيها بدقائق المشاعر.
وسكاكينُ مثل هذا المغني مُضاعفةٌ؛ فطائفةٌ منها تَجْرَحُهُ من داخله، وطائفةٌ تَجْرَحُهُ من خارجه جميعا معا؛ إذ كيف يطمح إلى تغيير ما جَمَدَ من حوله قبل تغيير ما جَمَدَ في نفسه؛ وفاقد الشيء لا يعرفه فضلا عن أن يعطيه. وكلتا طائفتي السكاكين فإنما شَحَذَها عليه اعتراكُ الأقطاب المتنافرة.
أما سكاكينُه الداخلية فقد شَحَذَها عليه في حاضره اعتراكُ ماضيه البَلِيِّ الخَنوعِ الجَثومِ ومستقبلِه القَشيبِ الأَبيّ النَّفورِ. وأما سكاكينُه الخارجية فقد شَحَذَها عليه في حاضره نفسه اعتراكُ أعدائه الخَوَنَة المنافقين المفسدين وأصدقائه الوطنيين المخلصين المصلحين. ولم يخل عمل إحدى الطائفتين من أثر عمل الأخرى؛ فما أَشبهَ أعداءه بماضيه، وأصدقاءه بمستقبله! وما أَعْلَقَ تغيِيرَه بتغيُّره! بل ربما انعكست في مرآة كل منهما صورةُ الآخر؛ فإن له في موالاة أصدقائه والانطلاق بمستقبله من الحياة، مثلَ الذي عليه في موالاة أعدائه والاحتباس بماضيه من الموت!
وقد جعل لحديث كلتا الطائفتين نصف قصيدته هذه ذات الأربعة عشر بيتا (سبعة أبيات)، وفي مطلع النصف الثاني (آخر البيت الثامن)، جعل جروح أعدائه الخونة المنافقين المفسدين، هي وحدها الصحيحة- مثلما جعل جروح ماضيه البَلِيّ الخنوع الجثوم في مطلع النصف الأول (آخر البيت الأول)، مقبرةً مستريحةً، وكلتا الاستراحة والصحة -مهما اعتذر عنهما ببقاء العذاب واستمراره- فَلْتَتَان غير مقبولتين في سياق السخط على هذه الجروح!
وكذلك لا يُعتذر عن هاتين الفَلْتَتَين، بانبناء القصيدة من أصلها على التناقض، من حيث عَبَّرَ البردوني بها وهي العَموديّة العَروض (المُتقاربيّة الأوزان الوافية الصحيحة الأعاريض والضروب، الحائيةُ القوافي المفتوحة المردفة بياء المد الموصولة بالهاء الساكنة، التي التزم في إرداف قوافيها من ياء المد ما لا يلزمه)، عن طموحه إلى التغير والتغيير، وكان الأجدر به أن يعبر بقصيدة حُرّة العَروض، يأتلف فيها المبنى والمعنى؛ فلا اعتذار بخطأ -إن كان- عن خطأ، وقد اشتهر في فهم المعاصرين أن الشعرين العمودي والحر يتقاسمان حالَيِ التأثير المتكاملتين، بأن العمودي شعر إثارة، والحر شعر ثورة، غيرَ البردّوني؛ فقد أبى حياتَه إلا أن يجمع على تأثير العمودي حالَيِ الإثارة والثورة المتكاملتين جميعا معا، بما استقام له في فهم الإصلاح الأصيل!
(4)
قال نزار قباني (1923-1998):
“رِسَالَةٌ مِنْ سَيِّدَةٍ حَاقِدَةٍ
لَا تَدْخُلِي وَسَدَدْتَ فِي وَجْهِي الطَّرِيقَ بِمِرْفَقَيْكْ وَزَعَمْتَ لِي أَنَّ الرِّفَاقَ أَتَوْا إِلَيْكْ أَهُمُ الرِّفَاقُ أَتَوْا إِلَيْكْ أَمْ أَنَّ سَيِّدَةً لَدَيْكْ تَحْتَلُّ بَعْدِيَ سَاعِدَيْكْ وَصَرَخْتَ مُحْتَدِمًا قِفِي وَالرِّيحُ تَمْضُغُ مِعْطَفِي وَالذُّلُّ يَكْسُو مَوْقِفِي لَا تَعْتَذِرْ يَا نَذْلُ لَا تَتَأَسَّفِ أَنَا لَسْتُ آسِفَةً عَلَيْكْ لَكِنْ عَلَى قَلْبِي الْوَفِي قَلْبِي الَّذِي لَمْ تَعْرِفِ مَاذَا لَوَ انَّكَ يَا دَنِي أَخْبَرْتَنِي أَنِّي انْتَهَى أَمْرِي لَدَيْكْ فَجَمِيعُ مَا وَشْوَشْتَنِي أَيَّامَ كُنْتَ تُحِبُّنِي مِنْ أَنَّنِي بَيْتُ الْفَرَاشَةِ مَسْكَنِي وَغَدِي انْفِرَاطُ السَّوْسَنِ أَنْكَرْتَهُ أَصْلًا كَمَا أَنْكَرْتَنِي لَا تَعْتَذِر فَالْإِثْمُ يَحْصُدُ حَاجِبَيْكْ وَخُطُوطُ أَحْمَرِهَا تَصِيحُ بِوَجْنَتَيْكْ وَرِبَاطُكَ الْمَشْدُوهُ يَفْضَحُ مَا لَدَيْكَ وَمَنْ لَدَيْكْ يَا مَنْ وَقَفْتُ دَمِي عَلَيْكْ وَذَلَلْتَنِي وَنَفَضْتَنِي كَذُبَابَةٍ عَنْ عَارِضَيْكْ وَدَعَوْتَ سَيِّدَةً إِلَيْكْ وَأَهَنْتَنِي مِنْ بَعْدِ أَنْ كُنْتُ الضِّيَاءَ بِنَاظِرَيْكْ إِنِّي أَرَاهَا فِي جِوَارِ الْمَوْقِدِ أَخَذَتْ هُنَالِكَ مَقْعَدِي فِي الرُّكْنِ ذَاتَ الْمَقْعَدِ وَأَرَاكَ تَمْنَحُهَا يَدًا مَثْلُوجَةً ذَاتَ الْيَدِ سَتُرَدِّدُ الْقِصَصَ الَّتِي أَسْمَعْتَنِي وَلَسَوْفَ تُخْبِرُهَا بِمَا أَخْبَرْتَنِي وَسَتَرْفَعُ الْكَأْسَ الَّتِي جَرَّعْتَنِي كَأْسًا بِهَا سَمَّمْتَنِي حَتَّى إِذَا عَادَتْ إِلَيْكْ لِتَرُودَ مَوْعِدَهَا الْهَنِي أَخْبَرْتَهَا أَنَّ الرِّفَاقَ أَتَوْا إِلَيْكْ وَأَضَعْتَ رَوْنَقَهَا كَمَا ضَيَّعْتَنِي”.
لقد احتشدت لنزار بهذا النص الجيد، مواهبه الفنية المختلفة (الرسم والموسيقى والشعر)، جميعا معا، وحَاطَتْها خبرتُه السياسية، وكان أعلم بذلك من غيره؛ فضمّنَه كتابه “أحلى قصائدي”، وغنَّتْه له فايزة أحمد بَلَدِيَّتُه السورية المصرية، بتلحين محمد سلطان زوجها المصري، وإن كان أقل كثيرا مما يتحمله النص ويستحقه، فضلا عن تغيير بعض ما لا غنى عنه من الكلمات!
لقد ادعى نزار في عنوان نصه أنه رسالة من سيدة حاقدة، ليوحي بأن صاحبته قد تركته مكتوبا لصاحبها وذهبت عنه، من حيث لم تستطع أن تواجهه بما حدث بعدما كان وهي السيدة الآن لا الفتاة، وأنها ربما احتقرت نفسها، واستهانت بحياتها. وقد جعلها حاقدة فأَلَّبَنا عليها من حيث الحقدُ إمساكُ العداوة في القلب والتربُّص لفرصة الانتقام، وما زال كريها إلينا منذ قال المُقَنَّعُ الكِنْدِيُّ المتوفى سنة 70 الهجرية -وأَحْسَنَ-:
وَلَا أَحْمِلُ الْحِقْدَ الْقَدِيمَ عَلَيْهِمُ وَلَيْسَ كَرِيمُ الْقَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ الْحِقْدَا
حتى إذا ما مضينا في النص تَأَلَّبْنَا على الشاعر نفسه لا السيدة؛ وهذا أسلوب السياسي الماهر الذي تعنيه النتائج أكثر من المقدمات!
إن النص قصيدة حُرَّة العروض (كامليَّة الأوزان متعدِّدة القوافي)، ذات اثنين وأربعين جُزْءًا بيتيًّا (شبيها بالبيت العمودي، في قصيدة حرة متصلة الأجزاء، ينبغي ألا تنقسم على أبيات)، متفاوتة الأطوال، في أربعة فصول مختلفة الألوان متداخلة الحدود:
الفصل الأول أَصْفَرُ (16 جزءا بيتيًّا): 1-5، 10، 15، 22-25، 27-28، 30، 39، 41.
والفصل الثاني أَزْرَقُ (6 أجزاء بيتيَّة): 6-9، 11-12.
والفصل الثالث أَحْمَرُ (16 جزءا بيتيًّا): 13-14، 16-21، 26، 29، 35-38، 40، 42.
والفصل الرابع أَغْبَرُ (4 أجزاء بيتيَّة): 31-34.
لقد اصفرَّ في نظري حديثُ الفصل الأول عن الحبيب الخبيث الخائن المعتذر بالكذب المفضوح، على رغم اختصاصه بقافية العَوِيل الكافيَّة الساكنة المُرْدَفَة بياء اللين؛ إذ التبس فيها بكاءُ الحبيبة عليه، بما ينبغي له في رأيها من بكائه على نفسه!
وازرقَّ في نظري حديثُ الفصل الثاني عن الحبيبة المحترقة بهَوانها على حبيبها في موقف الافتقار إليه، على رغم اختصاصه بقافية الرَّفِيف الفائيَّة المكسورة المجردة الموصولة بالياء؛ إذ التبس فيها انكسارُ القلب باحتقار الوفاء!
واحمرَّ في نظري حديثُ الفصل الثالث عن الحبيبة المقهورة بانتكاس أحلامها وانكشاف أوهامها وابتذال أيامها، على رغم اختصاصه بقافية الامْتِنان النونيَّة المكسورة المجردة الموصولة بالياء؛ إذ التبس فيها انعطافُ الحَنْي (الثَّنْي) الواهن، بانقلاب الحَيْن (الهَلَاك) الحائن!
واغبرَّ في نظري حديثُ الفصل الرابع عن البَدِيلة الجَدِيدة باستسلامها المنتظر لألاعيب الحبيب الخبيث الخائن وأكاذيبه نفسها، على رغم اختصاصه بقافية الانْفِجَار الداليَّة المكسورة المجردة الموصولة بالياء؛ إذ التبس فيها إيقاعُ التَّدَهْوُر بإيقاع الاندفاع!
وألطفُ ما في تفصيل هذه الفصول بعدَ تَداخُلِها الدّالِّ على مبلغ تَعقُّد الأزمة، استواءُ عَدَدَيْ أبيات الفصلين الأول الأصفر والثالث الأحمر، دلالةً خَفيَّةً على أَلَّا حِقْدَ بالسيدة المظلومة، بل رَغبةٌ كامنة في أن يعيدها حبيبها إلى جنته، فيراجعا نعيمها الزائل!
ولا ريب لديَّ في أن هذه القصيدة مِنْ زمانِ ما قبل اعتقاد الركاكة -ولا تَتَناقَضُ عندي السهولةُ والجزالةُ كما استفاض مقالٌ سابق- فقد ازْدَهَتْ بإِحكام أصواتها ومقاطعها وكلمها وتعابيرها وجملها وفقرها وفصولها، مبانيَ ومعانيَ، إلا أربعةَ مواضع:
أما أولها فقوله في الجزء البيتيّ الرابع من الفصل الأول الأصفر: “أَمْ أَنَّ سَيِّدَةً لَدَيْكْ”؛ فإن المعطوف أو المستأنف بـ”أم” هذه المنقطعة، لا يكون بعضَ جملة، ولو كان قال: “أَمْ إنَّ سَيِّدَةً لَدَيْكْ”، بـ”إنَّ” المتصدرة جملتها الكاملة- لاستقام؛ فإن المصدر المؤول “أَنَّ سَيِّدَةً لَدَيْكْ”، بـ”أن” المصدرية، بمنزلة بعضِ جملة لا يتحمَّل فائدة الجملة الكاملة إلا بتكلُّف مَقِيتٍ.
وأما الموضع الثاني فقوله في الجزء البيتيّ 26 من الفصل الثالث الأحمر: “وَذَلَلْتَنِي”؛ فـ”ذَلَّ” فعلٌ لازمٌ لا يتعدى، ولو كان قال: “أَذْلَلْتَنِي”، لاستقام، ولكنه آثر وجهه العامي تَشَوُّفًا كامنًا إلى الرَّكاكة التي سينتهجها في شعره بَعْدُ، وحَرَصَ على مثل إيقاع “وَأَهَنْتَنِي”، الجزء البيتي 29 من هذا الفصل الثالث الأحمر نفسه، وكلاهما على “دَدَدَنْ دَدَنْ=مُتَفَاعِلُنْ=سَالِمَة”، على حين “أَذْلَلْتَنِي”، إنما هي على “دَنْ دَنْ دَدَنْ=مُتْفَاعِلُنْ=مُضْمَرَة”.
وأما الموضعان الثالث والرابع فقوله في الجزأين البيتيَّينِ 33 و34 من الفصل الرابع الأغبر: “ذَاتَ الْمَقْعَدِ”، و”ذَاتَ الْيَدِ”؛ ف”ذَات” بمعنى “صاحبة” لا تكون بمعنى “نَفْس” عند المُجْزِلِينَ من الشعراء، ولو كان قال: “نَفْسَ الْمَقْعَدِ”، و”نَفْسَ الْيَدِ”، لاستقامَا، ولكنه آثَرَ الوجه المبتذل ضَجَرًا كامنا بالجزالة التي سيطَّرحُها عن شعره بَعْدُ، وكلُّ شيءٍ بمِقْدار!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة