الإصلاح التربوي كيف يجب أن يكون ؟

فن وثقافة (:::)
بقلم : محمد علي القايدي – تونس (:::)
بعد سقوط النظام البائد الذي حكمنا لأكثر من عقدين ونيف ، وكان بطبيعة الحال  امتدادا  لحكم جائر مستبد تواصل  لأكثر من ثلاثة عقود ،  وما تركاه من آثار مدمرة على مجتمعنا بعد ان سلباه هويته وأكملا عمليّة اقتلاعه من جذوره العربيّة الإسلامية بدعوى الالتحاق بركب الحضارة الغربيّة , ففي سنة 89 عيّن على رأس وزارة التعليم  وزيرا ” أفاقيّا متحررا ” جيء به عن قصد لإدخال تحويرات انتقائية مسّت بالأساس مادة التربية الدينيّة والنظام التأديبي والامتحانات وشروط الارتقاء … بدعوى اصلاح  المنظومة التربويّة المتقادمة كما يروّج لها الحداثيون والعلمانيون فقد احدث  هذا الأخير تغيّرات جذريّة  في مناهج التّربية  الاسلاميّة  الهدف منها تجفيف منابع الدين الاسلاميّ لدى ابنائنا حيث من خلالها تم تلقين ابنائنا وحشو ادمغتهم بما يفسد العقول الناشئة و يصحّرها  ويضعف الايمان الذي في الصدور ، في جوّ اعلامي متواطئ يشجّع على الانحلال الخلقي والتفسخ الأخلاقي ، و مؤيد لإنجازات وإصلاحات  قائد التغيير. فنشأت أجيال دون قيم ودون ضوابط اخلاقيّة ،تربّت  أساسا على عدم احترام الآخر  وعدم تقديس العمل وحبّ الوطن والتفاني في خدمته جيل تساوى عنده الحلال والحرام والخير والشرّ فأضحى الغش شطارة وذكاء  والرشوة هبة من الأغبياء والمحسوبيّة ميزة أصحاب النفوذ الفضلاء . تعمّد النظام القديم عبر برامجه التعليميّة والثقافيّة وحزم القوانين المجحفة والمطلقة من فرض  سلوكيات أقل ما يقال فيها مشينة  ومفسدة للطبائع كالتطاول على الكبار وعلى المربين سبّا وشتما وضربا زد عليه الكلام  الفاحش الذي نسمعه من الصغير والكبير  والذكر والأنثى  على حدّ سواء  مع العلم أن بذاءة اللسان هو نوع من العنف اللفظي الذي يفضي في أغلب الاحيان إلى العنف المادي والجسدي … نعم عادات فاسدة  زرعت و ترسّخت فينا وتقاليد سيئة غريبة التصقت بنا وقبل بها الكثيرون  بدعوى حريّة الاختيار وحرّية الفكر والمعتقد والناس أحرار فيما يختارون ويفعلون . نعم  انها عادات دخيلة عن مجتمعنا مما أفسد أخلاقنا جميعا إلا من رحم ربك . مما يستوجب مراجعة جذريّة للمنظومة التربويّة و التعليميّة فمجتمعنا يشكو حقا أزمة قيم وأخلاق ، لأنّ قطاع التعليم والتربية قطاع حسّاس جدّا وخطير جدّا وأي انحرافات تشوب مناهجه يتحوّل إلى كارثة لهدم الاخلاق وهدم المجتمعات تصديقا لقول الشاعر:
إنّما الأمم الأخلاق ما بقيت     …     وإنهم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ……                                                                      وقبل الشروع في إحداث أيّ تغييرات يكون من الواجب فتح نقاش وطني عام وواسع ، يشارك فيه أهل الاختصاص من رجال التعليم والتربية والتكوين ورجال الدين ورجال الفكر وكل المنظمات الوطنيّة وممثلي المجتمع المدني والأولياء ، لأن النظام القديم خلّف لنا أمراضا اجتماعيّة مزمنة ومستعصية  يصعب علاجها في الظروف الدوليّة والإقليمية التي نعيشها حاليّا بعد أن تحوّلت  الكرة الأرضية إلى  قرية صغيرة  وأصبحت الفضائيات الموجهة لشعوبنا خصّيصا مصدر افساد لشبابنا وفتياتنا  وكذلك ازعاج وقلق للأولياء . مع العلم أنّ  أي نزعة إصلاحية  تقوم هنا أو هناك ان لم تكن مدعومة بإرادة قوية وصادقة من أولي الأمر أي الحاكم وكل القوى الحيّة والأطياف السياسيّة بالبلاد ، إلا وتجد مكبّلات  وعراقيل من الداخل قبل الخارج وخاصة اذا كانت تتعارض ومصالح القوى العظمى التي تريد املاء سياساتها في كل المجالات السياسيّة والاقتصادية والتربويّة  .  وأيّ هبّة شعبيّة هنا او هناك إلا وتجد من يسعى لإطفائها إن كانت لا تصبّ في مصلحة الغرب وهذا ما حصل في بلدان الربيع العربي فأجهضت الثورة بطريقة ليّنة في تونس  بعد ان عشنا فترة مخاض حرجة نتيجة تآمر قوى الظلام المتمثلة في اليسار المتطرّف والمدعوم من قبل المركزيّة النقابيّة  مع أصحاب المال والأعمال والدولة العميقة ، التي سعت بكل ما أوتيت من جهد لإفشال المسار الديمقراطي في تونس .  وحدث انقلاب دموي قاده العسكر في مصر على رئيس شرعيّ انتخبه الشعب  انتخابا حرّا وديمقراطيا .  فالغرب يسوؤه تمرّدنا على حكّامنا الذين هم مصدر بلائنا وتخلّفنا وفقرنا وبؤسنا وشقائنا ، وسيضلّ  حائلا ومعرقلا لكل توجه صحيح نريده لبناء مجتمع نظيف محصن من الامراض التي تنخر المجتمعات  وتسعى لخرابها . فمتى سننهض ومتى سنمسك بزمام أمورنا ونرسم بأيادينا طريق مستقبلنا .
الأستاذ : محمد علي القايدي
باجة في 13 مايو 2015 .
تونس  .

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة