فلسطين : صفحات مطوية من ثورة 1936 \ 3

فلسطين (:::)
تميم منصور – فلسطين المحتلة (:::)
توقفنا في الحلقة الثانية امام دروب تجدد اشتعال فتيل الثورة بسبب خيبة آمال الفلسطينيين من بريطانيا ووعودها ، وقد ايقنوا بانها جادة للعمل على سلخ جزءا هاما من فلسطين ، او كل فلسطين لتصبح وطنا قوميا للحركة الصهيونية، وايقن الفلسطينيون بان مراوغة بريطانيا وتراجعها عن وعودها للملوك والامراء العرب لم تحرك شعرة في جفونهم ، ولم يعترفوا للقيادة الفلسطينية بان بريطانيا خذلتهم .
لقد اتخذت الثورة بعد ان تجددت منحى آخر ، يختلف في اساليبه القتالية والنضالية عما كان عليه عام 1929 وعام 1936 ، والسبب ان طابعها وروحها كان شعبيا هجوميا شبه شامل ، لقد امدها هذا الزخم والاندفاع ميزة وقوة في فعالياتها وتأثيرها ، اجبر السلطات البريطانية على الاعتراف بأن الثورة كانت اقرب الى الانتصار ، خاصة في الشهور التي امتدت بين أوائل 1937 واواخر 1939 ، لقد ضعفت في هذه الفترة سيطرة القوات البريطانية على فلسطين ، ووصلت هيبة الاستعمار الى الحضيض حتى أصبحت سمعة الثورة ونفوذها  هما القوة الاساسية في البلاد .
كان لهذا الوضع الجديد مردودا واحدا وهاما ، وهو ازدياد قناعة بريطانيا بانه يتوجب عليها الاعتماد على القوى الصهيونية ، وقد وفر لها الصهاينة حالة فريدة لم تكن متوفرة لها في أي مستعمرة من مستعمراتها ، هذه الحالة تتلخص بوجود قوة محلية تقوم بدعمها ضد خطر وجودها ، هذا الامر شجع السلطات البريطانية الاسراع بتنظيم قوة دفاع يهودية متطوعة ، بالإضافة الى القوة التي كانت قائمة من قبل ، وقد بلغ تعدادها حوالي 6500 مسلح .
رغم هذا التحول الصعب في موقف بريطانيا بسبب ضربات الثورة ، لكنها لم تقطع حبل الوصال مع المفتي ، فقد بقي ممدوداً ، كما انها عملت كل جهدها لتوفير الهالة له كي يكون الممثل بدون منازع لعرب فلسطين ، لأن البديل للمفتي بالنسبة لها الثوار المتواجدون في الجبال ، وقد اعترف المندوب السامي بهذه الحقيقة ، ومما زاد من حالة الحرج والتوتر التي عايشتها بريطانيا في هذه الفترة اكفهرار الاجواء وتلبد سماء اوروبا بغيوم حرب كونية جديدة ، فقررت مضاعفة جهودها لقمع الثورة بكل ما توفر لديها من وسائل البطش ، خاصة في مناطق الريف الفلسطيني لأنه كان رحم الثورة .
اشتدت المواجهات بعد تكرار حالات زحف خلايا الثورة من الريف الى المدن والسيطرة عليها لفترات زمنية ، هذا يعني أن الفلاحين والقرويين بصورة عامة هم وقود الثورة ، ففي عام 1938 اعدم عدد من الفلاحين لمجرد حيازتهم الاسلحة ، واذا استعرضنا قوائم اولئك الذين تم زجهم في السجون أو اعدامهم شنقاً ، نرى بأن الغالبية الساحقة كانوا من فقراء الفلاحيين ، وعلى سبيل المثال فقد حكم على جميع سكان قرية عين كارم وعددهم ثلاثة آلاف ، أن يسيروا عشرة كيلو مترات يومياً لإثبات وجودهم لدى مركز الشرطة . هذا ما ورد في كتاب جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن من تأليف صالح بوبصير ، وفي تلك الفترة كانت بريطانيا قد أصدرت أحكامها بالسجن مدداً طويلة على حوالي 2000 عربي ، وهدمت أكثر من خمسة آلاف بيت ، واعدمت شنقاً في سجن عكا 148 مواطناً ، وبلغ عدد المعتقلين أكثر من خمسين الفاً . كانت نتائج الثورة الأولى تراجع بريطانيا عن مشروع التقسيم الذي اوصى به تقرير ” لجنة بيل”  واستبدلته بقرار عقد مؤتمر الطاولة المستديرة في لندن شباط 1939 ، ان استجابة القيادة الفلسطينية للمثول في هذا المؤتمر يؤكد بأن هذه القيادة كانت دائماً على استعداد للمساومة . لم يذهب جمال الحسيني ممثل المفتي الى المؤتمر لوحده ، بل شاركه في هذا المؤتمر توطئة لمطالب بريطانيا ، ممثلين عن الدول العربية بهدف استخدامهم للضغط على الوفد الفلسطيني .
وقد اتضح ذلك من خلال الكلمات التي القاها في المؤتمر كل من ممثل السعودية الامير فيصل ، وممثل اليمن الامير حسين ، وممثل مصر علي ماهر ، وممثل العراق نوري السعيد ، اشادوا في كلماتهم الى ثقتهم المطلقة في بريطانيا ، كانت بريطانيا واثقة بأن موقف الفلسطينيين بقيادة المفتي سوف يتجاوب مع مواقف ممثلي الملوك والامراء العرب الذين يرفضون الاستمرار باستخدام العنف واللجوء الى التفاوض مع بريطانيا من جديد .
كانت مطالب قادة الدول العربية في ذلك الوقت وقف اعمال الثورة ، وقد استجابت القيادة الفلسطينية بزعامة المفتي لهذا الرأي ، الا أن اعمال الثورة لم تتوقف مرة واحدة كما كان عليه الأمر عام 1936 . استمرت المواجهات لأنه كان للثوار أكثر من قيادة ميدانية واحدة وكان يصعب الاتصال والوصول الى خلايا الثوار المنتشرين ، في الجبال لإبلاغهم بقرارات وقف المواجهات العسكرية ، لقد اكدت حصيلة شهر شباط من عام 1939 سقوط 110 قتلى ، و112 جريحاً في 12 معركة ضد البريطانيين من العرب ، كما تم تفتيش 40 قرية ، وفرض منع التجوال في ثلاث مدن ، وتم اعتقال حوال 2000 قروياً ، كما تم اشعال النيران في خمس دوائر حكومية ، واعدام عشرة من المواطنين العرب بتهمة حمل السلاح ، وهوجمت عشر مستعمرات يهودية ، بالإضافة الى قيام الثوار بنسف انابيب البترول مرتين ، وتم نسف قطار حيفا اللد ، أما خسائر القوات البريطانية فكانت 18 قتيلاً و 29 جريحاً .
أن موقف قيادة المفتي الازدواجي قد اربك الثورة وقادتها، فهو امام الثوار شيخ الثوار ، وأمام الملوك والأمراء العرب العبد المطيع ، وأمام بريطانيا تارة يعتبرها العدو اللدود ، وتارة يتحدث عن الصداقة التقليدية والمصالح المشتركة معها ، وتارة تصل هذه القيادة الى حد قبولها منح ادارة ذاتية لليهود في المناطق التي يتواجدون فيها ، لا شك ان تذبذب القيادة ورخاوتها وعدم قدرتها على تحديد هدف واضح للقتال قد اسهم في ارباك الثوار وقياداتهم الميدانية ، استغلت السلطات البريطانية هذا الارباك والتراجع في معنويات الثوار وقامت بحشد فرقتين عسكريتين جلبتهما من مصر ، كما استعانت بعدد من اسراب الطائرات والشرطة ، كما استعانت بقوة حرس الحدود الاردنية ، بالإضافة الى استعانتها بالعصابات الصهيونية التي بلغ تعدادها حوالي ستة آلاف ارهابي ، لقد قذفت بريطانيا بكل هذه القوات لوضع حد للثورة ، وكانت أول خطوة قامت بها قطع شرايين الامدادات التي كانت تصل الى الثوار من القرى والمدن التي تمركزوا حولها ، ادى هذا الاعتداء الى انهاك الثورة ، وجاء استشهاد القائد عبد الرحيم الحاج محمد في آذار من عام 1939 بمثابة ضربة قاصمة للثورة ، اذ فقدت واحداً من أكثر القادة الشعبيين الثوريين شجاعة وحكمة واستقامة ، واخذت القيادات المحلية بعد ذلك تنهار وتغادر ميادين القتال ، ولا شك ان التقارب الفرنسي البريطاني عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية ، هذا التقارب لعب دوراً بارزاً في محاصرة الثوار ، فقد استسلم عارف عبد الرازق مع بعض اتباعه القرويين ، بعد ان انهكه التشرد والجوع ، والقت القوات الاردنية القبض على يوسف أبو درة أحد قادة الثورة وسلمته للبريطانيين فاعدموه ، ولا شك أن انعدام الحد الأدنى من التنظيم قد حال دون القدرة على تجاوز هذه العراقيل … يتبع

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة