ابـــــــن رشیق القیروانــــــــــــــي \حیاته وأدبه

دراسات (:::) عن موقع ديوان العرب (:::)
بقلم  : مریم ترکاشوند – ايران (:::)
إعداد: الدکتور بیژن کرمي میرعزیزي استاذ بجامعة العلامة الطباطبائي ومریم ترکاشوند خریجة مرحلة الماجستیر بجامعة العلامة الطباطبائي
الملخص:
أبو علي الحسن بن رشیق القیرواني أحد من أفضل البلاغیین والناقدین والشعراء والأدباء في تاریخ الأدب العربي. هو قد ولد في المسیلة وتسمّی المحمدية. أما عن أسرته، «فليس للمؤرخين به ولا بأسرته عناية ولا حفل وأما في أبيه قيل: إنه کان روميا وکان مولی من موالي الأزد.حينما کان عمره ست عشرة سنة، رحل إلی القيروان لأنها کانت في قديم الزمان دار العلم بالمغرب وکان اشتهر بها ومدح صاحبها المعز بن باديس واتصل بخدمته وأمضی أربعين سنة ما بين قصره وحلقات العلم في المسجد، فعرف بالقيرواني.
کان ابن رشيق قنوعاً مسالماً، يتجنب معاداة الناس، ولم يکن أبو علي صاحب همة في التنقل سعياً لمنصب أو عطاء وکان متدينا إلی حدّ ما، أما سلوکه العلمي ففيه تواضع العلماء وأمانتهم. هو تتلمذ علی عدد من علماء عصره منهم: القزاز، ابي الرجال، الحصري، النهشلي و… وله آثاره منها: العمدة في محاسن الشعر و آدابه ونقده وقراضة الذهب في نقد أشعار العرب والشذوذ في اللغة، وطراز الأدب والممادح والمذام وديوانه الشعري. قد فقد معظم شعره وإن اکثر ما عثرنا عليه حتی الآن هو مقطوعات صغيرة لاتتجاوز بيتين، وشعره الذي وصل إلينا وإن کان ناقصا يدل علی أن ابن رشيق عالج فنونا مختلفة وقد طرق أکثر الأبواب الشعرية وأغراضها، منها: الوصف، والعتاب والمدیح والمجون و… .
الکلمات الدلیلیة: ابن رشیق القیرواني، القیروان، ابن شرف، العمدة، الأغراض الشعریة.
المقدمة:
هو أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي أحد البلغاء الفضلاء الشعراء وناقد، مصنّف، وأديب. ولد سنة (390هـ/1000م) بالمسيلة. ووراء اختیار هذا الموضوع دوافع وهي:
عدم اهتمام وافٍ في حیاة ابن رشيق القيرواني وأدبه وأغراضه الشعریة. وأن هذا موضوع لم یدرس بصورة وافية. من جهة أخری رغبة الکاتبة في ابن رشیق کأدیب وبلاغي ومصنف کبیر سبب في اختیار الموضوع.
ومن أهم المراجع والمصادر التي أمدّتني فی کتابة هذه المقالة وكانت ذات أهمية كبری هي: معجم الأدباء للحموي، وفيات الأعيان لابن خلکان، الروض المعطار للحميري، المعجب في تلخيص أخبار المغرب للمراکشي، کشف الظنون للزمخشري، تاريخ الأدب العربي لبروکلمان، ديوان ابن رشيق و … .
وأما في البدایة درسنا مدینة القیروان علماً بأن ابن رشيق قد اختار مدينة قيروان للتزيد من أدبه وعلمه وينبغي علينا معرفة شيء من شأن هذه المدينة في قديم الزمان لکي نعلم سبب رحلته إلی هناک من بين البلاد الإفريقية. ثم کتبنا في حیاته ونفسیته وشیوخه وآثاره وفي النهایة أدبه وأغراضه الشعریة في دیوانه.
نبذة عن تاریخ القیروان
القيروان هي قاعدة البلاد الإفريقية، وأم مدائنها، وکانت أعظم مدن المغرب نظراً، وأکثرها بشراً، وأيسرها أموالاً، وأوسعها أحوالاً، وأربحها تجارة، وأکثرها جباية، والغالب علی فضلائهم التمسک بالخير والوفاء بالعهد واجتناب المحارم والتفنّن في العلوم [1]إنها بين مدينة تونس وتوزر ( هي قاعدة کور قصطيلية من البلاد الجريدية، ولها سور عظيم، وبها نخل کثير، وتمرها کثيرو…) [2].
قال الحميري: کان عقبة بن نافع أول من اختط القيروان، وأقطع مساکنها ودورها للناس، وبنی مسجدها، وتنازعوا في قبلة الجامع، فبات عقبة مغموماً، فرأی في المنام قائلا يقول له: خذ اللواء بيدک، فحيث ما سمعت التکبير فامش، فإذا انقطع التکبير فارکز اللواء؛ فإنه موضع قبلتکم، ففعل عقبة ذلک، فهو موضع القبلة، وهو محراب جامع القيروان إلی اليوم. [3].
القیروان کانت عاصمة بلاد المغرب، منذ تأسیسها علی ید عقبة بن نافع، إلی أن ذهبت الدولة الأمویة وحلت محلها الدولة العباسیة، وقد تعاقب علی حکمها العمال من دمشق ثم من بغداد، حتی ولي علیها ابراهیم بن الأغلب من قبل الخلیفة العباسي هارون الرشید سنة 184هـ. الذي عمل للاستقلال بها وقطع کل صلاتها بالخلافة العباسیة.
استطاع ابن الأغلب أن یستقل عن الخلافة العباسیة ویؤسس دولة الأغالبة التي اتخذت من القیروان عاصمة لها. لقد عظمت دولة الأغالبة وتوسعت أراضیها بعد فتح عدة جزر والبلاد کانت في الرخاء وازدهار ولکن بعد فترة أصابها الوهن والانهیار نتیجة للسیاسة الخاطئة وأتاح الفرصة لداعیة الفاطمیین أبي عبدالله محمد بن عبید الله المهدي ویقضي علی دولتهم بعد الاستیلاء علی القیروان.
في عهد الفاطمیین ازدهرت الحیاة الأدبیة والعلمیة والاقتصادیة ولما قوي نفوذهم تحولت أنظارهم إلی المشرق لذا تحرکت جیوشهم شرقا فاستولوا علی مصر والیمن والحجاز والشام. قبل مغادرة الخلیفة القیروان متوجها إلی مصر ولی بلکین بن زیري الصنهاجي إمارة المغرب نیابة عنه. تتابع علی حکمها بعده ابنه منصور ثم حفیده بادیس. بعد وفاة بادیس تولی الحکم ابنه المعز بن بادیس الذي أعلن انفصاله عن الفاطمیین وأظهر ولاءه للعباسیین ولکن ذلک الانفصال والاستقلال عن الفاطمیین لم یدم طویلا لأن هؤلاء أرسلوا أعراب الصعید بمصر وأغروا قبائل بني هلال بالمال لمحاربة المعز فهاجموا جیش المعز الذي لم یستطع أن یثبت أمامهم دخلوا إلی القیروان فدمروها فلجأ المعز إلی المهدیة واتخذها عاصمة له.
یعد العصر الصنهاجي العصر الذهبي لإفریقیة وقد کان لأمراء البیت الصنهاجي أکبر الاثر في ازدهار ونهوض، بما عرف عنهم من حب للعلم وتشجیع للعلماء وإغداقهم الأموال علی العلماء والأدباء ولکل هذا صارت القیروان أیام المعز قبلة الطلاب ووجهة العلماء والأدباء وقدنعمت في ظلال العصر الصنهاجي بأزهی عصورها الفکریة والثقافیة وفي تلک الفترة کان ابن رشیق من المقربین للمعز وأحد ندمائه الذین نعموا برعایته وعنایته [4].
فلم يزل زيري وبنوه ملوکا عليها إلی أن کان آخرهم الذي أخرجه العرب عنها تميم بن المعز بن باديس، فانتهبتها الأعراب وخربتها فهي کذلک خراب إلی اليوم فيها عمارة قليلة يسکنها الفلاحون وأرباب البادية [5].
حياته
هو أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي أحد البلغاء الفضلاء الشعراء وناقد، مصنف
وأديب. ولد سنة (390هـ/1000م) بالمسيلة، وتسمّی المحمدية، «ذکر هذا نفسه في کتابه الذي صنّفه في شعراء عصره، ووسمه بالنموذج فقال في آخره: صاحب الکتاب هو حسن ابن رشيق، مولی من موالي الأزد، ولد بالمحمدية سنة تسعين وثلاثمائة، وتأدب بها يسيراً» [6] فکان يعرف بالمسيلي وبالمحمّدي. وقيل: وُلد بالمهدية.
أما عن أسرته، «فليس للمؤرخين به ولا بأسرته عناية ولا حفل، وحتی بعد أن کبر و لمع في بلاط المعز ( المعز بن باديس بن المنصور بن بلکين بن زيري بن مناد الحميري الصنهاجي، صاحب إفريقية وما والاها من بلاد المغرب، لقبه شرف الدولة، وکان عالي الهمة، کثير العطاء، وأخباره کثيرة وسيرته مشهورة). [7] لا نجد لأسرته ذکراً إلا ما توحي به أبيات قالها يوجهها للمعز بن باديس ويقول فيها:
معز الهدی لا زال عزک دانيا و زينت الــــــــدنيـا لنـــــــا بحياتـک
أتتني أنثــــی يعلـــــــــــــــــم الله أنـني سـررت بها إذ أمها من هباتـک
وقد کنت أرجو أنها ذو بلاغة يقوم مقامي عن بديع صلاتـک
وما نحن إلا نبت جودک کلنا و کل نبات الأرض من برکاتک
فإن في هذه الأبيات ما يشير إلی أن ابن رشيق تزوج وأقام أسرة و ولدت له بنت وسر بها ولو أنه کان يرجو لو کانت غلاماً يقوم مقام أبيه في مدح ولي نعمة، کما تشير الأبيات إلی أن زوجته کانت جارية و کانت إحدی هدايا المعز بن باديس إليه أو أنه في الأقل دفع له صداقتها» [8].
هناک أبیات أخری في دیوانه حول زوجته یقول الشاعر في سبب إنشادها: «کنت أمیل إلی قینة اسمها لیلی فعشقها بعض خدام الحصون، وکان یحسب خدمتها وکنسها منزلة لایثلم جاه متولیها فنهیته عنها فلم ینته فقلت فیه:
ظنَّ أن الحُصون مُلکُ سلیما نَ ولیلــــی بجهلـــه بلقیســا
وله في العصـــــا مآربُ أخـــــری حاشَ لله أن تکونَ لموسی [9]
وأما في أبيه قيل: إنه کان روميا و کان مولی من موالي الأزد، «ذکر ذلک هو في الرّد علی ابن شرف، بعد ذکره نسبَ ابن شرفٍ: هو اسم امرأة نائحة ثم قال: واما أنا- فنضّر الله وجه هذا الشيخ فيَّ، وأتمّ به النعمة عليّ-، فما أبغي به أباً، ولا أرضی بمذهبه مذهباً، رضيتُ به رومياً، لا دعياً، ولا بدعياً» [10]. ولم يکن لأبيه شأن في ملک أو سلطان و «کان صنعة أبيه في بلده- وهي المحمدية- الصياغة، فعلّمه أبوه صنعته، وقرأ الأدب بالمحمدية وقال الشعر» [11]. إذن لا شک في أنه نشأ بها أيامه الأولی واشتغل في حرفة أبيه ونزع منذ طفولته إلی الأدب.
حينما کان عمره ست عشرة سنة، « تاقت نفسه إلی التزيد من الأدب وملاقاة أهله ، فرحل إلی القيروان (406هـ) واشتهر بها ومدح صاحبها المعز بن باديس واتصل بخدمته» [12] وأمضی أربعين سنة ما بين قصره وحلقات العلم في المسجد، فعرف بالقيرواني.
کانت القيروان في قديم الزمان دار العلم بالمغرب و کان يرحل إليها أهل العلم في طلبه إلی أن خربتها الأعراب (433هـ/1051م). قال ابن رشیق في رثاء القیروان:
کم کان فیها من کِرامٍ سادَةٍ بیضِ الوُجوهِ شَوامخِ الإیمان
مُتعاونینَ علی الدِّیانة و التُّقی للهِ فـــــي الإســــرارِ والإعـــــلانِ
و مُهذَّبٍ جَمِّ الفضائلِ باذلٍ لنَــــــــــــوالهِ و لِعِرضِــــــه صَـــــــــــوّانِ
و إئمةٍ جَمعوا العلومَ و هذَّبوا سُننَ الحدیثِ ومُشکلَ القرآنِ
ثم تفرق أهلها ووجهوا إلی بلاد أخری منها صقلية، الأندلس، ومدينة فاس. فانتقل ابن رشيق علی إثرها إلی المهدية، وعاش في کنف أميرها تميم بن المعز ومدحه.
قال قصیدة بالمهدیة ساعة وصوله إلی الملک المعز عن اقتراح بعض شعراء وقته هي:
و ذیّالٍ له رِجــــــــــــلٌ طَـــــــــحونٌ لمــــــــا نزلت به و یَدٌ زَجــــــوجُ
یطـــــــــــیرُ بأربعٍ لا عیبَ فیهــــــــا لِظَهرانِ الصَّفا منها عَجیجُ
خرجتُ به عن الأوهامِ سَبقاً و قلَّ له عن الوَهمِ الخُروجُ
إلــــــــی المَلِک المـــــــــــُعزِّ أبي تمیمِ أمُــــــــــرُّ بمن سِواهُ فلا أعیجُ
ثم غادر أبو علي المهدية بعد خلاف مع المعز، وتوجّه إلی صِقِليّة (جزيرة مشهورة بالمغرب، بين إفريقية والأندلس. وهي مشتملة علی قری کثيرة، و قد تخرج منها جماعة من الأعلام في کل فن، منهم: أبوالفضل العباس بن عمرو بن هارون الصقلي، وأبو الحسن علي بن الفرج بن عبدالرحمن). [13]، وأقام بـ«مازر» إحدی مدنها إلی أن مات سنة (456هـ/1064م).ويحکي ابن بسام في سبب ذلک قصة تتلخص في أن أسطول الروم هجم ليلا علی المهدية«فأصبح النهر ثنايا تطلع منايا وأکاماً يحمل موتاً زؤاماً وأن ابن رشيق دخل علی المعز- الذي کان قد التجأ إلی المهدية عند ابنه تميم- في فجر ليلة هجوم الأسطول فوجده ابن رشيق في مصلاه و الرقاع ترد عليه و هو ينظرها في نور شمع بين يديه فقام ينشده قصيدته التي يقول فيها:
تثبت لا يخامرک اضطراب فقد خضعت لعزتک الرقاب
فلم يعجب المعز ذلک المطلع وابتدر ابن رشيق بقوله: متی عهدتني لا أتثبت؟ إذا لم تجئنا إلا بمثل هذا فما لک لا تسکت عنا؟ وما تعود ابن رشيق من صاحبه هذا المبادرة وزاد المعز أن أمر بالرقعة التي فيها القصيدة فمزقت ثم أدنيت من الشمع فأحرقت، فعز ذلک علی ابن رشيق الذي عاش ما عاش في بلاط الرجل مقرباً وخرج من يومه علی غير طريق إلی أن ولی وجهه شطر صقلية فبقي فيها إلی أن مات» [14].
«و کانت بينه وبين ابن شرف القيرواني وقائع، وهما أديبا بلاد المغرب وشاعراها. وکان ابن شرف أعور» [15].
نفسيته
کان ابن رشيق قنوعاً مسالماً، وقال في القناعة: [16]
یُعطی الفتــــــــــــــی فَیَنالُ في دَعَةٍ ما لم یَنَل بالکدِّ و التَّعبِ
فاطلُب لنفسک فضلَ راحتها إذ لیست الأشیاءُ بالطَّلبِ
إن کــــــــــــــان لا رزقٌ بــلا سببٍ فرَجاء ربِّک أعظمُ السَّببِ
و قال أیضا [17]:
قناعــــــةُ المرء الرِّضـــــــــــــــــی و حرصُه أقصــــــی العَدَم
و ما لـــــــــــــــه من مــــــــــــــــالِه إذا انقضی غـــــــــــــــیرُ النَّدَم
«و کانت في ابن رشيق قناعة تصل به إلی حد القنوع والرضا بالمنزل السهل والبعد عن المغامرة والإقدام ولذلک نراه عاش حياته کلها في طريق واحد لم يجترئ علی تبديله أو تغييره» [18].
هو يتجنب معاداة الناس، ويؤثر مودتهم وقال في المحبة [19]:
قسماً بما لاقیتُ من مَضَض الهوی إنـــــــــي لأســــــــــرارِ الهَوی لکَتوم
أمـــــــــا المحــــــــــبَة في المــَــــــــــذاقِ فإنـــــــــــها کـــــــــالشَّهدِ إلا أنّـــــــــه مَسمـــــــــومُ
والشاعر الأحمق عنده من أدخل نفسه في دائرة المهالک، وجعلها عُرضة للحتوف، وهو قادر علی أن يراثي ويجامل، کما فعل الشاعر سُديف بن ميمون الذي جاهر بعدائه لدولة بني العباس، فأمر المنصور بدفنه حيًا. [20]
ولم يکن أبو علي صاحب همة في التنقل سعياً لمنصب أو عطاء. وهذا ما يفسر إقامته الطويلة في القيروان. وکان يميل إلی الدعابة والتظرف.
«و کان ابن رشيق متدينا إلی حدّ ما، وکان يقوم ببعض الواجبات الدينية. وذهب عبدالعزيز مخلوف إلی أن ابن رشيق لم يُقِم للخلق و الدين کبير وزنٍ أو اعتبار، مستندا إلی ما صرّح به ابن رشيق نفسه حين قال» [21]::
إنـــــــــــــي لـقيتُ مَشَقّـه فابعـــــــــــــث إليّ بشِقَّـه
کمثل وجهکَ حُسناً و مـــتثلِ دينــــــــــيَ رِقّـه
«فنميل إلی الجمع بين الطرفين، فابن رشيق کغيره من الشعراء و الأدباء، کان يأخذ نصيبه من الدنيا، ولا ينسی التزوّد للآخرة. و ليس غريباً علی مثله أن يبعث ويلهو ولم يصل إلی حدّ اللامبالاة والزندقة. ويبقی في الوقت نفسه حريصاً علی أداء بعض فروضه الدينية، ومعظم سابقيه و معاصريه کانوا کذلک، ومنهم الولاة و الأمراء، وإلا فما معنی تردّده المستمر علی حلقات العلم في مسجد القيروان، وکان يدرّس فيها الفقه والحديث والقرآن، و الشعر والأدب في آن؟
«أما سلوکه العلمي ففيه تواضع العلماء وأمانتهم، فلم يشمخ أو يباه، لأن الذي يصنعه لن يتواری عن الناس. وکان يتحری الصدق والأمانة فيما ينقل، فلم يغيّر أو يحوّر، أو ينحل. ولم يعدم ابن رشيق إبداء رأيه الشخصي فيما ينقل إذا رأی ذلک ضرورياً، ولم يمنعه تواضعه من الاعتذار برأيه في بعض الأحيان، ومن الخروج عن هدوء طبعه حين يُتّهم بالانتحال والسرقة، فنراه يشتم ويُعنِّف، ويتحدّی منتقديه أن يأتوا بمثل صنيعه قائلا:
وکم في بلدنا هذا من الحفاث قد صاروا ثعابين، ومن البغاث قد صاروا شواهين، إن البغاث في أرضنا يستنسر… » [22].
حين يشک في قضية فإنه يشير إلی ذلک – يقول في باب تنقل الشعر في القبائل… «ومنهم سعد بن مالک الذي يقول:
يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط فاستراحوا
ولا أدري هل هو أبو عمرو بن قميئة الشاعر والمرقشي الأکبر أم لا» [23]
شيوخه
تتلمذ ابن رشيق علی عدد من علماء عصره منهم:
1: أبو عبدالله محمد بن جعفر القزاز، القيرواني النحوي : «أبو عبدالله التميمي کان إماماً علامة قيماً بعلوم العربية، ذکره الحسن بن رشيق في کتاب أنموذج فقال: مات بالقيروان سنة اثنتي عشرة وأربعمائة و قد قارب التسعين وهو جامع کتاب الجامع في اللغة. قال ابن رشيق: وکان مهيباً عند الملوک والعلماء وخاصة الناس، محبوباً عند العامة، يملک لسانه ملکاً شديداً وقد مدحه الشعراءُ. من تصانيفه أيضا: کتاب أدب السلطان والتأدب له عشر مجلدات، کتاب التعريض والتصريح مجلد، کتاب إعراب الدريدية مجلد، کتاب شرح رسالة البلاغة في عدة مجلدات، کتاب أبيات معان في شعر المتنبي، کتاب ما أخذ علی المتنبي من اللحن والغلط، کتاب الضاد والظاء مجلدٌ». [24] وعنه أخذ مقومات اللغة وأصولها. من آثاره (کتاب الحلي، والعثرات في اللغة، و ضرائر الشعر)» [25].
2: أبو الحسن علي بن أبي الرجال: «(ت454هـ/1062م) و کان رئيساً لديوان الإنشاء في قصر المعز بن باديس، وهو الذي سعی لتعيين ابن رشيق کاتباً فيه. وکان يجزل له العطاء، فأهدی إليه ابن رشيق کتاب «العمدة» تکريماً له وعرفاناً بجميل صنعه. ومن آثاره: کتاب (البارع في النجوم، وأرجوزة في الأحکام، وأرجوزة في دليل الرعد)» [26].
وقال من قصیدة مدح بها السید أبا الحسن بن أبي الرجال وهذا من نسیب القصیدة [من مجزوء الکامل]:
قـــــــــــد طالَ حتّــــــــی خِـــــــــــــلتُه مــــن کـــــلِّ ناحــــــیةٍ وَسَــــــط
و تکــــــــرّرت فیـــــــــه المـَــــــــــــــــنا زلُ مـــــــنه لا مـــــــنّي الغَلَــــــط
3: أبو إسحاق ابراهيم بن علي الحصري: «قال ابن صهيب: مات بالمنصورة، من أرض قيروان سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. قال: و کان شاعراً، نقاداً، عالماً بتنزيل الکلام وتفصيل النظام، يحب المجانسة والمطابقة ويرغب في الاستعارة. من تصانيفه: زهرة الآداب، وکتاب النورين، وهما يتضمنان أخباراً وأشعاراً حساناً وکتاب المصون والدر المکنون، و کتاب الجواهر في الملح والنوادر» [27]. «ذکر ابن رشيق في کتابه الأنموذج، وحکی شيئاً من أخباره وأحواله وأنشد جملة من أشعاره وقال: کان شبان القيروان يجتمعون عنده ويأخذون عنه، ورأس عندهم وشرف لديهم وسارت تأليفاته وانثالت عليه الصلات من الجهات» [28].
4: أبو محمد عبدالکريم النهشلي: الذي نقل عنه ابن رشيق کثيراً، وتمثّل بشعره في «عمدته». وکان شاعراً، أديباً، ولغوياً.
5: أبو عبدالله عبد العزيز بن سهل الخشني الضرير: «يقول عنه ابن رشيق: کان مشهوراً بالعلم والنحو واللغة جداً مفتقراً إليه فيها بصيراً بغيرها، ولم ير قط ضريراً أطيب منه نفسا ولا أکثر منه حياء مع دين وعفة. ونقل عنه في العمدة رأيه في القطع والطوال من الشعر، فيقول حدثنا الشيخ أبو عبدالله عبد العزيز بن أبي سهل رحمه الله تعالی ولا يذکر صفته بدنه الضرير، وکأنما يأبی التلميذ أن يذکر شيخه بما لا يجب أن يذکر به تأدبا واحتراما» [29].
ومن الذين عاصرهم ابن رشيق، واحتک بهم، وأفاد من مجالستهم ومناقشتهم من غير أن يکون تلميذاً لديهم:
خلف بن أحمد: القيرواني الشاعر. قال ابن رشيق في النموذج: شاعر مطبوع بأدب إفريقية ودخل مصرَ وله شعر معروف وجيّد. مات بزويلة المهدية سنة أربع عشرة وأربعمائة [30].
أبو عبدالله الصفار الصقلي: «لقيه وأنشده شعراً للصنوبري، واستمع إلی بعض شعره في غلام والقصة علی ما يرويها ابن بسام عن أبي عبدالله أنه قال:
«کنت ساکنا بصقلية وأشعار ابن رشيق ترد علي، فکنت أتمنی لقاءه حتی قدم الروم علينا، فخرجت فاراً من مهجتي تارکاً لکل ما ملکت يدي…» [31].
ابن شرف القيرواني: «محمد بن أبي سعيد محمد المعروف بابن شرف الجذامي القيرواني الأديب الکاتب الشاعر أبو عبدالله. قرأ النحو علی أبي عبدالله محمد بن جعفر القزاز، وأخذ العلوم الأدبية عن أبي إسحاق ابراهيم الحصري وغيرهم، فبرع في الکتابة والشعر، وتقدم عند الأمير المعز بن باديس أمير إفريقية… ولابن شرف القيرواني من التصانيف: أبکارالأفکار جمع فيه ما اختاره من شعره، وأعلام الکلام مجموع فيه فوائد ولطائف وملح منتخبة، ورسالة الانتقاد وهي علی طراز مقامة نقد فيها شعر طائفة من شعراء الجاهلية والإسلام وديوان شعر وغير ذلک» [32].
و کان بينه وبين ابن رشيق مهاجاة و معاداة، ولابن رشيق فيه عدة رسائل يهجوه فيها ويذکر أغلاطه وقبائحه، منها: رسالة ساجور الکلب، ورسالة قطع الأنفاس و …
قال ابن رشیق في هجاءه [من المتقارب] [33]:
بنو شرفٍ شـــــرفٌ أمّهـــــــم و لیست أباکم فلا تکذِب
و لکنّها التقطت شیخَکم فأثبِتَ في ذلـــــــک المنــــــصبِ
أبینــــــــوا لنـــــــــــا أمَّـــــــکم أولاً و نحــــــــن نُسامحُکـــــــم بالأبِ
آثاره
قد خلّف ابن رشيق آثاراً شعرية ونثرية کثيرة جدا، لکن معظمها قد ضاع بسبب خراب القيروان علی أيدي عرب بني هلال وفرار ابن رشيق منها. آثاره متعددة ومتنوعة ويذکر له الرواة حوالي الثلاثين کتاباً في الأدب والنقد واللغة والشعر، نجد أسماءها مبثوثة هنا وهناک في کتب التراجم والأدب، منها:
کتاب العمدة في محاسن الشعر و آدابه و نقده): هو کتاب في نقد الشعر مع مقدمة مفصلة عن فن الشعر عموماً، وقد امتدحه ابن خلدون بأنه رائد في سبيل الحکم علی الشعر المحدث. وله مختصر بعنوان (العدة في اختصار العمدة) لأبي عمرو عثمان بن علي الأنصاري الخزرجي الصقلي النحوي». العمدة هو الکتاب الذي حمل اسم ابن رشيق وجعله خالداً بين أدباء العرب. «قد بدأ ابن رشيق کتابة هذا الکتاب بعد سنة 412هـ وذلک لأنه يذکر عند الحديث عن صوت دعبل الخزاعي بزويلة بني الخطاب قبر ابن شيخه أبي عبدالله محمد بن جعفر النحوي ويقول: فإذا قلنا إن الدعاء بالرحمة إنما هو لشيخه، وإنه کان قد مات في أثناء کتابة قصة دعبل وخبره، وهو مات سنة 412 هـ. ومن هذا يتبين لنا أن العمدة قد ألف في الفترة ما بين 412-425هـ».
تضمن الکتاب مجموعة من الأبواب معظمها في نقد الشعر وصناعته وتاريخه، وما يتصل به من مباحث الوزن والقافية، والصور الفنية التي تتصل بفن القول عموماً وفن الشعر بخاصة. هو يضم موضوعات أخری إلی الموضوع الأصيل وکان يتحدث في باب عن أصول النسب وبيوتات العرب وفي باب ينناول ملوک الراب وفي باب يذکر العتاق من الخيل و …
وابن خلکان قد ذکر له هذه الکتب:
کتاب «(قراضة الذهب في نقد أشعار العرب): هو لطيف الجرم کبير الفائدة. موضوع هذا الکتاب کما هو واضح من اسمه نقدٌ، ومنه صورة في دار الکتب المصرية، وقد طبعت في مطبعة النهضة سنة 1344هـ.
«ومن ضروب السرقات التلفیق وهو أن یمیّز الشاعر المعاني المتقاربة ویستخرج منها معنی مولَّداً یکون له کالاختراع وینظر به جمیعها فیکون وحده مقام جماعة من الشعراء وهو مما یدلّ علی حذق الشاعر وفطنته ولم أر ذلک دکثر منه في شعر أبی الطیب وأبي العلاء المعري فإنهما بلغا فیه کل غایة ولطُفا کلّ لطفٍ وکان أبوالطیب أجمع الناس لکثیر من المعاني في قلیل من اللفظ وبذلک تقدّم عند الفضلاء. وضرب المثل الذي ساد به أبوالطیب الشعراءَ ضربٌ من ذلک الإیجاز الذي فیه وإذا تأملت قوله:
سَقاک و حیّانا بک الله إنّما علی العِیس نَورٌ و الخُدورُ کَمائمُه
علمت أن بنیة هذا الفضل غیر مُتأتی المثل وإن کان مأخوذا من قول ابن الرومي:
أمطِر بذاک حیاتي تَکسُهُ زَهَراً أنت المــُـــــــحیّا بریّاهُ إذا نَفَحـــــــــــا
و (الشذوذ في اللغة)، يذکر فيه کل کلمة جاءت شاذة في بابها. وکتاب (طراز الأدب) و(الممادح و المذام) وکتاب (متفق التصحيف) وکتاب (تحرير الموازنة) و کتاب (الاتصال) وکتاب (المن و الفداء) وکتاب (غريب الأوصاف ولطائف التشبيهات لما انفرد به المحدثون) وکتاب (أرواح الکتب) وکتاب (شعراء الکتب) وکتاب (المعونة) في الرخص والضرورات وکتاب (الرياحين) وکتاب (صدق المدائح) وکتاب (الأسماء المعربة) وکتاب (إثبات المنازعة) وکتاب (معالم التاريخ) وکتاب (التوسع في مضايق القول) وکتاب (الحيلة والاحتراس)» [34].
وصنّف عدة رسائل في الردّ علی ابن شرف القيرواني، منها:
«رسالة سمّاها (ساجور الکلب)، ورسالة (نجح المطّلَب) ورسالة (قطع الأنفاس)، ورسالة (نقض الرسالة الشعوذية، والقصيدة الدَّعية)، و (الرسالة المنقوضة)، و (رسالة رفع الإشکال ودفع المُحال).
وله کتاب «(أنموذج الزمان في شعراء القيروان) وکتاب (تاريخ القيروان)» [35]. أنموذج الزمان في شعراء القيروان كتاب ثبتت نسبته إلى الحسن بن رشيق القيرواني والدافع إلى تأليف الكتاب إن ابن رشيق كان يعمل على تدارك النقص الملحوظ في كتب طبقات شعراء إفريقية. وهذا الكتاب يعد أجمل وأشمل ما كتب الكاتبون في تراجم أدباء أفريقية. قصر ابن رشيق كتابه على شعراء زمانه، غذ أن عدد شعراء الأنموذج المثلث الأخير من القرن الرابع إلى العقد السادس من القرن الخامس، وقد راج هذا الكتاب في المشرق والمغرب خاصة في القرنين السابع والثامن من الهجرة. وكانت طريقة ابن رشيق في جمع مواد الكتاب تعتمد على المحفوظ لديه وعلى المخالطة والمراسلة كما أن إثباته للنصوص الشعرية لم يكن على جهة الاختيار وإنما على نسبة ما توفر لديه منها. ولعل أهمية الكتاب تتمثل في إثبات النصوص الشعرية والتعريف بمائة شاعر وشاعرة من أعلام الأدب في أفريقية خلال قرن من الزمان كما يفيدنا الأنموذج ببعض الأخبار عن الوقائع الحربية بين الصنهاجيين وأمراء زناته وما سجله من أخبار عن رجالات صنهاجة وقوادهم ووزرائهم مما لا نظفر به في كتب التاريخ العام.
وقد ذکر له أيضاً «کتاب (فسح اللمح)» [36]وذکر له صاحب کشف الظنون: «ميزان العمل في تاريخ الدول: اقتصر علی عدد الأيام من دول الملوک، وشرح موطأ مالک» [37].
بالإضافة إلی ذلک کله: ديوانه الشعري الذي جمع نتفاً منه الأستاذ عبد العزيز الميمني، کما جمع الدکتور عبدالرحمن ياغي ما ظفر به من شعره طبع ببيروت.
جدير بالذکر أن نقول أن جميع آثاره النثرية ضاعت، ولم يبق منها إلا کتاب “العمدة” ورسالة “قراضة الذهب” و”أنموذج الزمان في شعراء القيروان” الذي في حکم المفقود وشبه الموجود باعتبار الأقوال في بعض الکتب.
شعره
يعد ابن رشيق من أشهر شعراء القيروان، فهو قد ترک ديواناً شعريا لکنه لسنا ندري بالضبط حجم هذا الديوان لأنه قد فقد معظم شعره وإن اکثر ما عثرنا عليه حتی الآن هو مقطوعات صغيرة لاتتجاوز بيتين، ولکن لاشک في أنه ديوان ضخم لنظمه الشعر منذ الصبا، وشعره الذي وصل إلينا، وإن کان ناقصا، يدل علی أن ابن رشيق عالج فنونا مختلفة وقد طرق أکثر الأبواب الشعرية و أغراضها، منها:
الوصف: أکثر شعره يرجع إلی الوصف ولا سبيل إلی حصره، فهو قد وصف أکثر ما وقع له في حياته، وتناول موضوعات کثیرة منها وصف الطبيعة بشقیها الحي والصامت، وصف الطیور بأجناسها المختلفة کالحمام والحجل والدیک، وصف بعض الحیوانات کالفرس والبغل، الليل والنهار، الحيوانات، النبات والزهور، مجالس الشراب، واجنماع الندمان، من أشعاره في وصف الحيوان، وصف زرافة جاءت للمعز هدية من مصر:
و أتتکَ مِن کسبِ الملوکِ زرافةٌ شتی الصفاتِ بکونها أثنـاءُ
جمعت محاسنَ ما حکت فتناسبت في خَلقِها و تنافت الأعضاءُ [38]
وقال في البغل:
فَأوصیکـــــــــــم بالبَغــــــــلِ شرّاً فإنّه من العیرِ في سوء الطِّباع قریبُ
وَ کیفَ یجيءُ البغلُ یوماً بحاجةٍ تُسُرُّ و فیه للحِـــــــــــــمار نصیبُ
وقال في الموز [39]:
مــــــــــــوزٌ ســــــــــریــــــــــــــــــعٌ أکــــــــــــــلُه مــــــــــــن قَبلِ مَضـــــــــــــــــغِ الماضــــــــــــــغِ
مَـــــــــــــــــــــــــــأکلـــــــــــــــــــــــةٌ لآکِـــــــــــــلِ و مَشــــــــــــــــــــــــــــــربٌ لـــــــــــــسائــــــــــــــغِ
فالفـــــــــــــــــــــــــــــــــــمُ من لینٍ بـــــــــــــه مَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلآنُ مثلُ فــــــــــــــــــارغ
یُــــــــــــــــــــــــــــخالُ و هـــــــــو بالــــــــــغٌ للحــــــــــــــــــــــلقِ غـــــــــــــــــــــیرَ بالـــــــــــــــــــغِ
من شعره في وصف الفواکه والزهور، قوله في البنفسج:
بنفسجٌ جاءَک في حينِ لا حرٌّ يُری فيه و لا فَرطُ بـــــــــرد
کـــــــــــــــــــــــــــأنـه لمــــّــــــــــــــا أتينـا بـــــه منغمسُ الأثوابِ في اللازَوَرد [40]
المديح: بما أن ابن رشيق کان شاعر بلاط، ومن المقربين جدا للمعز بن باديس، فإن شعره المدحي غزير جدا. ومن الذين مدحهم أيضا الأمير تميم، وعلي بن أبي الرجال، وجعفر بن عبدالله الکوفي وغيرهم.
وقال یمدح المعز [41]:
ذُمّت لعَینِک أعــــــــــینُ الــــــــــــــــغِزلان قمــــــــرٌ أقـــــــــــــرَّ لحُــــسنِه القَمَرانِ
و مَشت ولا واللهِ ما حِقفُ النَّقا مما أرَتک ولا قضـــــیبُ البانِ
وَثَــــنُ المَلاحَةِ غـــــــــــیرَ أنّ دیـــــــــــانتي تـــــــــأبی عــــــــليَّ عبادةَ الأوثانِ
یا ابن الأعزّة من أکــــــــابر حِــــــمیَرٍ وسُلالة الأملاکِ من قحطانِ
من کلِّ أبلجَ آمــــــــــــــــــرٍ بلِســــــــــــــــــانه یَضَعُ السیوفَ مواضعَ التِّیجان
و حللتَ من علیاءِ صبرةَ موضعاً أکرِم به من موضعٍ و مــــــکانِ
زادَت بناه علی الخَوَرنقِ بســــــــــــــطةً وحشوت أعزَّ حِمی من النّعمان
و غَدا ابنُ ذي یزنٍ بسُـــــــفلٍ دونَه هِمـــــــماً نزلنَ به عــــــلی غَمــــــــدانِ
المجون والخمرة: فقد التفت إلی الشراب ومعاقرة الخمرة، فنظم العديد من القصائد في الخمر، ويقول من خمرية:
قدرُ المدامة فوق قـدرِ المـاء فارغب بکأسک عن سوی الأکفاء
ما لي و مزجُ الرَّاح إلا في فمي بالرّيـق من فـمِ غادةٍ حسنـاء [42]
ذاک المزاجُ وإن تَعَدّاني الذي في المُزن من ذي رِقّةٍ و صَفاء
أشهَی وأبلغُ في الفُؤاد مسرّةً من غیره و أدَبُّ في الأعضاء
لي الِّصرفُ إن فرِحَ النّدیمُ ولم أکن مُستأثراً فیها عن النُّدماء
ويتردد في شعره طلب شربها صرفاً غير ممزوجة، فيقول:
قلتُ لـــــــــن ناولــــــــــني مُـزّةً ما بي حبُّ الغيد بل حبُّها
لا تسقني راحک ممزوجةً و اشرب فما يمکنني شربها [43]
رثاءه: هو يرثی في شعره أشخاصاً کطاهر بن عبدالله، والمعز بن باديس، وأبو اسحاق إبراهيم بن حسن المعافري ، قال في رثاء المعز:
ولّی المعزُ علی أعقابه فرمی أو کاد ينهدُّ من أرکانه الفلکُ [44]
وأيضا يرثی الدول کقصيدته الکارثة في رثاء مدينة قيروان بعد تدميرها، فقال:
کم کان فيها من کرامٍ سادةٍ بيضِ الوجوه شوامخِ الإيمان
متعاونين علی الديانة و التُّقی لله في الأسرار و الإعـلان [45]
هو في رثاءه کالشعراء الآخرين قام بذکر صفات المرثی و خصائله.
عتابه: من ذلک عتابه علی معشوق لمحمد بن حبيب التنوخي، کان لا يزال يزوره إذا غاب، فإذا حضر لم يأته فقال له محمد يوماً: هيا نصنع في ذلک المعنی شعرا، فقال هو وکأنه يعتب علی المعشوق:
ما بالُنا نُجفی فلا نوصَل إلا خِلافاً مثل ما تفعَـل
تأتي إذا غبنا فإن لم نغب جعلتَ لا تأتي و لا تسألُ [46]
هجاءه: کان فيه مقلاً، لأنه کان سمح النفس، لا يدخل في عدوات الناس، ويقول:
إذا لم تجد مـن القـول فانتصف بحد لسانٍ کالحسام المهنَّد
فقد يدفع الإنسانُ عن نفسه الأذی بمقوله إن لم يدافعه باليـد [47]
حکمته: من شعره في الحکمة قوله في الأخوان:
لو قيل لي خذ أمانا من حادثات الزمان
لما أخـذتُ أمانـا إلا من الأخـوانِ [48]
وقال في المشاورة:
أشاور أقواماً لآخُذَ رأيهـم فيلوون عني أعيناً و خُدودا
وليس برأيي حاجةٌ غير أنني أؤنِّسُه کي لا يکون وحيدا [49]
لقد تناول ابن رشيق شتی الأغراض الشعرية المعروفة، من وصف وخمر، ومدح وهجاء، وغزل ورثاء، وخمر ومجون، وزهد وعتاب، فهو عالج فنونا مختلفة، ولکن مع الأسف کما قلنا في السابق إن معظم شعره قد فقد.
النتیجة:
ابن رشیق القیرواني شاعر وأدیب ومولی من موالي الأزد وکان یعرف بالمسیلي وبالمحمدي. أنه اشتغل في حرفة أبیه في أیامه الأولی ونزع منذ ذاک إلی الأدب. هو قد عرف بالقیرواني بسبب رحلته إلی القیروان للتزید من العلم والأدب. هو قد تتلمذ علی عدد من العلماء وأفاد من مناقشة عدد من معاصریه أهمهم ابن شرف القیرواني ولابن رشبق فیه عدة رسائل یهجوه فیها.
لابن رشیق آثار کثیرة لکن مع الأسف قدضاع معظمها بسبب خراب القیروان علي أیدي عرب بني هلال. أهم أثاره هو کتاب العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده تضمن الکتاب أبواب في نقد الشعر وصناعته وتاریخه وأبواب في موضوعات متنوعة کأصول النسب وبیوتات العرب و…. کتاب هام آخر له باسم قراضة الذهب في نقد أشعار العرب موضوعه نقد وکتاب کبیر الفائدة.
ابن رشیق من أشهر شعراء القیروان فإنه عالج فنونا مختلفة وأکثر الأبواب الشعریة. أکثر شعره یرجع إلی الوصف فهو قد وصف أکثر ما وقع في حوله. هو أیضا شاعر مادح لأنه شاعر بلاط ومن المقربین للمعز بن بادیس. رثاءه کالشعراء الآخرین یعنی ذکر صفات المرثی وخصائله. أغراضه الشعریة الأخری الهجاء والحکمة والعتاب و والخمرة.
فهرس المصادر والمراجع
1.ابن خلکان، أبوالعباس شمس الدين، وفيات الأعيان و أنباء أهل الزمان، تحقيق محمد محيی الدين عبدالحميد، القاهرة، مکتبة النهضة المصرية، الطبعة الأولی، 1948
2.بروکلمان، کارل، تاريخ الأدب العربي، نقله إلی العربية الدکتور رمضان عبدالتواب، القاهرة، دار المعارف، الطبعة الأولی، 1119
3.الحموي، ياقوت، معجم الأدباء، بيروت، دار المستشرق، لا تا
4.الحميري، محمد بن عبدالمنعم، الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق إحسان عباس، بيروت، مکتبة لبنان، الطبعة الثانية، 1984
5.خليفة، حاجي، کشف الظنون عن أسامي الکتب والفنون، بيروت، دار إحياء التراث العربي، لا تا
6.الزبيدي، محمد مرتضی الحسيني، تاج العروس في جواهر القاموس، الکويت، مؤسسة الکويت للتقدم العلمي، الطبعة الأولی، 2001
7.الزمخشري، محمود بن عمر، الأمکنة و المياه و الجبال، تحقيق ابراهيم السامرائي، بغداد، مطبعة السعدون، لا تا.
8.الصفدي، صلاح الدين، الوافي بالوفيات، قيسبادن، دار النشر فرانزشتايز، الطبعة الثانية، 1985
9.عويضة، کامل محمد، ابن رشيق القيرواني، بيروت، دار الکتب العلمية، الطبعة الأولی، 1993
10.العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق عبد الحميد هنداوي، بيروت، المکتبة العصرية،2004
11.القيرواني، الحسن بن رشيق، الديوان، شرح صلاح الدين الهواري و هدی عودة، بيروت، دار الجميل، الطبعة الأولی، 1996 -# القیرواني، الحسن بن رشیق، الدیوان، شرح وتحقیق محي الدین دیب، بیروت، المکتبة العصریة، الطبعة الأولی، 1998م.
12. کرو، محمد، عصر القیروان، دمشق، دار طلاس، 1989م. -# المراکشي، عبد الواحد، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، مدينة ليدن، مطبعة بريل، لاتا

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة