زيارة دون موعد..

القصة (:::)
قصة بقلم: فيصل سليم التلاوي – فلسطين المحتلة (:::)
– لماذا فعلتها وقد ترددت قبل اليوم سنوات طوال قبل أن تقدم عليها؟
ما الذي حفزك على المجيء وحيدا شريدا، وقد أوشكت الرحلة كلها على الانتهاء؟ أكنت تخشى أن تغمض عينيك دون أن تكحلهما ولو مرة واحدة وأخيرة بمرأى هذه الربوع، التي تفتحت عليها عيناك أول مرة، ثم تطبق جفنيك بعدها، وتنام هانئا  قرير العين.
– ليتك ما فعلتها وبقيت على ترددك وحذرك، وخوفك من ضياع الحلم الجميل، الذي أطبقت عليه أجفانك عمرا بطوله.
– عدت يا سعيد.عدت يا اسما على غير مسمى، عدت لتقف أمام بيتكم العتيق وقوف شحيحٍ ضاع في الترب خاتمه، وماذا تصنع في وقفتك هذه أمام الباب، ولم يسأل عنك أحد؟ والمارة يتأملون الغريب الواقف، ثم يشيحون عنه بأبصارهم  ويولونه ظهورهم، حتى الصبية الذين ولجوا عتبة المنزل داخلين، أو الذين غادروها قبل حين، لم يولوك اهتمامهم، فماذا أنت صانع هنا؟
وهذه الشجرة العملاقة التي تعترض سبيل الداخلين، وتظلل المكان كله كأنها تحرسه، من أحلها هذا المكان؟ إنها لم تكن هنا يوم غادرت  قبل طرفة عين. لكن البوابة الحجرية بقوسها العلوي هي نفسها، وإن لحقها بعض ترميم، والعتبة العالية التي كنت تجلس عليها صبيا مادا ساقيك على الجانبين، على هيئة راكب الحمار – تواضعا عن هيئة راكب الحصان – فمن أين لك بالخيل وقتها؟ فالجود من الموجود. إنها هي ذاتها لم تتغير.
– أألج البوابة وأدخل مسلما على ساكني الدار؟
– وعندما لا يعرفني أحد، ولا يرحب بي بينهم أحد، هذا إذا لم يستفزهم دخولي دونما استئذان، فيتهجم أحدهم عليَّ.
– ما ذا سأقول لهم؟
–  أأسألهم أين أبي الذي تركته هنا في هذا البيت قبل برهة وجيزة، غادرت فيها لقضاء بعض الحاجات التي لم تُقضَ، ثم عدت سريعا لرؤيته.
– هل خرج مبكرا إلى الحقول كعادته؟ هل نحن في موسم حرث أو حصاد أو قطاف تين أو زيتون؟ أم أنه لم يعد بعد من المدينة التي قصدها لبيع جنى الحقل من فواكه وخضروات؟
– أأسألهم أين أمي؟ أتراها في جانب السقيفة تحلب شويهاتها؟ أم أنها ذهبت لتلقم ( الطابون ) المشترك بيننا وبين جيراننا دار أبو ذياب.
– أيها القاطنون الجدد هنا، هلا أخبرتموني ولو خبرا مختلقا عن واحد من إخوتي العشرة، الذين تفتحت عيونهم على الدنيا تحت سقف هذا البيت، سقفه المدعوم من وسطه ب ( دامر ) – قضيب من سكة الحديد – التي فككها الناس وباعوها بعد ضياع البلاد، فما بقي لها لزوم عندهم، فهي لن توصلهم بعد ذلك اليوم إلى حيفا، فكانت من أبخس غنائمهم.
كل أحبابك مروا من هنا، من تحت هذا السقف، ثم هاموا على وجوههم، وابتلعتهم دنيا الله الواسعة.
– أأدخل يا سعيد وأسأل الساكنين عن الزمن الذي مضى، والناس الذين كانوا هنا وارتحلوا، أم أظل متخشبا في وقفتي؟
– ولِمَ جئت إذن، إذا لم ترد أن تبدأ الحكاية؟ ولم تشأ أن تقرع الباب؟
– حقا لِمَ جئت؟ أأعود من حيث أتيت، وقبل أن يشعر بي أو يعرفني أحد؟
هذا إذا بقي أحد في القرية يمكن أن يتذكرني أو يتعرف عليَّ. فأنا لم أخبر أحدا بنيتي القدوم، ولذلك لم ينتظرني أحد، ولن يحس بمغادرتي أحد.
– أهذا هو المكان الذي كنت فيه مع ثلة من أصحابي ملء سمعه وبصره، وباعثي النشاط والحيوية والمرح في جنباته قبل برهة من الزمن؟ نغازل الصبايا على دروب العين، ونخطف الثمار والفواكه من عناقيدها في البساتين والكروم، قبل أن يتذوقها أصحابها في أوائل المواسم، ونملأ الدنيا صخبا ومواويل في حلقات الدبكة في مواسم الأعراس في ليالي الصيف، أهكذا أقفر من أهله المكان؟ أقصد منا نحن. أماهو ذاته فهوعامر يعج بغيرنا، ونحن فقط من تقطعت بنا السبل، وضعنا في دروب الحياة.
طالت وقفة سعيد لدى الباب والناس عنه ذاهبون آيبون،  لم يأبه لوقفته أحد، ولولا حقيبة بجانبه تشي بأنه مسافر أو غريب ما التفت إليه مُلتفت. مما أجبره أن ينتشل نفسه من ذهولها، وأن يحمل حقيبته ويغادر المكان دون أن يلجه. المكان الذي ما كان له أن يطأ تراب مكان في القرية قبله، مع يقينه أنه أصبح خاويا وخاليا من أهله منذ سنين. طابقه الأول أطلال خربة مهجورة، ربما صارت موطنا للأفاعي والجرذان وسائر الحشرات، وطابقه الثاني مستصلح جزئيا يسكنه مستأجرون غرباء، لا صلة لهم بالمكان وأهله.       إنه يعرف المكان الذي كان كرم عنب، ونبت فيه بعد ذلك بيت أخيه خلال غيبته القصيرة، ولا بد له أن يُيمم شطره.
وصل سعيد المكان الذي تناوشته فيه العيون، تتأمل شيبته وقامته المنحنية المتهالكة، وقد تفاجأت بقدومه دون موعد. ها هو شقيقه يرحب به معانقا وقد عرفه فورا، للقائه به بضع مرات في زياراته للخارج، أما أبناء أخيه وأبناء أخته الذين وصلهم الخبر فأقبلوا على عجل، فإنهم يرحبون به على حرج بَيّن، وهو يُحس بحرجهم، وكم يعييهم ويثقل على ألسنتهم نطق كلمتي عمي وخالي، التي لم يعتادوا عليها. فمن أين تواتيهم الجرأة والانطلاق للتلفظ بكلمة لم تتداولها ألسنتهم عمرهم كله، وبعضهم قد غدوا رجالا ونساء ووراءهم أطفال، فبماذا يخاطبه أبناؤهم: يا عم بابا ويا خال بابا؟ فهم لم يألفوا مصطلحا يخاطبون به مثله، ثم إن هذا ليس لفظا يستعار من المعجم، ليستخدم في أي وقت نشاء. إنه لا يكتسب إلا بالممارسة  وخطوة خطوة منذ الطفولة، إنه يُرضع مع حليب الأم. يحبو الطفل صغيرا ويلقن بعد كلمتي ماما وبابا، كلمات جدو وعمو وخالو، فيتشربها سمعه منذ البدء، وتستقر في سمعه ووجدانه، أما أن تنطلق على لسانه فجأة ودون مقدمات وعلى كبر، فذلك أمر غير مستساغ، وإنه ليجهد نفسه في النطق بها مجاملا، كمن يتجرع شيئا لا يكاد يسيغه.
في صبيحة يومه الثاني غادر سعيد منزل أخيه قبل أن يغادره أهله إلى أعمالهم، والأبناء إلى مدارسهم. غادر مستأذنا قاصدا القيام بجولة عبر المكان والزمان، المكان الذي استوطن عقله وفؤاده عمره كله، مهما نأت به الديار وتقطعت به السبل، فقد ظل منتظرا هذه اللحظة، محاذرا أن تفلت منه فلا يدركها ذات يوم، وها هو قد ظفر بها بعد طول انتظار.
يبدأ يومه ميمما وجهه صوب الشمال، كأن قوة لا إرادية تدفعه دفعا إلى بستانهم الوادع الجميل الذي يتربع وسط الوادي، والذي كان يزدان بأصناف الفاكهة، يوم كان كل ما حوله ليس سوى حقول جرداء، إلا من مواسم القمح والشعير أو الزراعات الصيفية، فما كنت تبصر على مد النظر شجرة واحدة في كل تلك الجهات سوى بستاننا، الذي ابتلت كل ذرة من ترابه بعر ق والدي، الذي اشتراه أرضا بورا، وصيّره  بجهده وتعبه جنة وارفة الظلال دانية الثمار. فلم يكن يقدر على فراقه يوما، حتى أيام الجُمَع والأعياد ما كان يطيق فيها أن لا يمر عليه، ولو ساعة من نهار.
لن تكون وجهتي الأولى إلا صوبه، سالكا الطريق الالتفافي الطويل، متجنبا الطريق الوعرة المختصرة التي كنا نسميها طريق ( الدَرَج )، لخشية لا زالت تسكن بين جوانحي، منذ أن كنت طفلا دون سن ولوج المدرسة، وقد فاجأتني فيه عدة مرات تلك الحية السوداء العظيمة، وقد التفت حول نفسها وركنت فوق تلك الصخرة البيضاء التي تعترض وسط الطريق، فأولي مدبرا سالكا الطريق الالتفافية الطويلة، و قد أورثتني رعبا من الأفاعي ما غادرنفسي حتى يومي هذا.
وصلت البستان الذي كدت أن أضيِّعه، لأن كل ما حوله من أراضٍ قد صارت شبيهة له، وغدت الأرض كلها غابة واحدة متصلة، قد اقتصرت على أشجار الزيتون، وودعت ما كنت أعهده فيها من أشجار الفاكهة المتنوعة.
وجدت أشجاره وقد أطبقت على بعضها، ولم تعد كما عهدتها أيام والدي مقلمة منسقة أنيقة، تمد أذرعها للشمس والهواء. وأرضه تنشب فيها  الأعشاب البرية مخالبها، وتطبق على خناق الأشجار، فتكاد أن تمتص منها ماءها وغذاءها،  ولم يعد كأمسه الذي أعهده، لاعشبة برية و لا حصاة في أرضه، التي لم تعد مستوية لا ترى فيها عوجا ولا أمتا كسابق عهدها.
ألمني ما رأيت، وعزمت أن أشكو وجع أشجار البستان لأخي عند لقائه ظهيرة هذا اليوم، لكن سعيد همس في أذني:
– وما شأنك بذلك؟ لقد مضى الزمن كنت فيه ذلك الطفل الذي يمضي نهاره ناطورا لهذا الكرم، وفي غيبتك القصيرة اقتسم والدك وعمك أراضي جدك، وصار لكل منهما شأن يغنيه، وضم والدك ما ورثه من أرض إلى ما كنت تعرفه، ثم اقتسمت أنت وإخوتك ميراث والدك ولو في الغياب، ولم يكن لك نصيب في هذا البستان بل في مكان آخر غيره، ثم إنك لقلة صبرك و يأسك من عودة ذات يوم، بعت نصيبك لأخيك. فماذا أبقيت لنفسك يا سعيد؟ وبأي حق ستناقش أخاك في طريقة تصرفه في ما يملك؟
وسرح سعيد محدثا نفسه:
– كنت أنوي ان أصطحب أحد أبنائي في زيارتي هذه، لأعرفه على ملامح الوطن، وأوثق عراه بساكنيه من أهله وأقاربه. ترى لو كان معي الآن وأخبرته أن هذه الأرض كانت لجدي واقتسمها أبي وعمي، وهذه الأرض التي تجاورها كانت لأبي وصارت لعمك، وتلك التي تجاورها كانت لنا وصارت لعمك الثاني, ترى لو سألني:
– لقد أبقى لك جدي حيزا متسعا للذاكرة، تحن إليه وتشتاق أن تعود لتراه، فماذا أبقيت لنا يا أبي؟
جَفَّ ريق سعيد، وحمد الله أنه لم يصحب معه أيا من أبنائه، فجنَّب نفسه عناء الإجابة على سؤال كهذا. وواصل سيره عائدا ليكمل مسيرته في القرية ذاتها. إنه يذرع المكان كله مُشَرِّقا ومُغَرِّبا: مُشرقا صوب المدرسة التي لا زالت في مكانها على  (حطة يده )، وإن لحقها بعض تطوير وتحديث، ومُغربا في طريق معصرة الزيت، التي أنشئت في غيابه لكنه يعلم مكانها.
طاف طرقات القرية وأزقتها القديمة التي بقيت على حالها كيوم غادرها، إلا بعضها الذي تهالك وأصبح آيلا للسقوط، لم يشاهد جديدا سوى امتداد عشوائي للبنيان يحيط بالقرية القديمة من جهاتها الأربع، لم يحرك لديه أي رغبة في التعرف عليه، بقدر ما جذبه السير والتجوال في الحواري والأزقة الضيقة القديمة التي يعرفها، والتي لم تعد مأهولة إلا من بعض الصابرين الصامدين، الذين ضاقت بهم السبل، فما استطاعوا فكاكا من جيرة الأفاعي والفئران في البيوت العتيقة، ولا وجدوا مهربا نحو المساكن الحديثة المنتشرة في أطراف القرية.
يسير سعيد واجما ساهما، ممنيا نفسه أن يعثر بأحد من بضعة الرجال، الذين ذُكروا له أنهم لا زالوا على قيد الحياة من الجيل الذي يعرفهم ويعرفونه، لكنه لم يصادف في سيره منهم أحدا. فليس بينهم إلا شيخ هرم يلزم بيته ولا يبرحه إلا لضرورة ، أو مريض هدَّه السقم فهو في نوبة مراجعة للمستشفى.
ظل سعيد يذرع المكان وحيدا، وكفَّ عن تفرس وجوه الأشخاص الذين يقابلهم، كما كان يفعل في بداية سيره، فقد كان يُخمن أن هذا ابن فلان وذاك من عائلة فلان، دمه على دمهم، لا تخطئه العين. لكن أحدا من هؤلاء جميعا ما تعرف له على ملامح، ولا شبَّه له دما بأحد ممن يعرفون.
– لك الله يا سعيد! أهذا هو المكان الذي كنت يوما تعرف كل ناسه وحجره وشجره وحتى بهائمه. لم تعد تعرف فيه أحدا، ولا يتعرف فيه عليك أحد؟
أهذا هو المكان الذي استوطن قلبك، وحملته فوق ظهرك خمسين عاما وأنت تذرع أرض الله الواسعة، فما استوقفك فيها مكان، ولا حننت إلى موضع استرحت فيه حينا إلا إلى هذا المكان؟ وظللت غريبا في الدنيا كلها لا تحس انتماء إلا إلى هذا الموضع الذي ينكرك اليوم، كأنك لم تكن فيه بالأمس. ويتدفق من رأسك شلال حزن هادر، وينهمر في أعماقك صوت مؤذن بالفجيعة فتردد:
كأن لم يكن بين الحُجونِ إلى الصفا     أنيسٌ ولم يســــــمر بمكة سامرُ
فيرد عليك الصدى مجيبا:
بلى نحــــــــــــــن كنا أهلها فأبادنا      صُروف الليالي والجُدودُ العَواثرُ
وتواصل سيرك وئيدا مهدود البدن، وعيون المارة ترمقك وتتابع سيرها، وقد صرت تغرس نظراتك في الأرض، ولم تعد تتسلى برغبتك الأولى في تفرس الوجوه وتشبيهها بآبائها وأجدادها.
ما تحس به اليوم لا يشبه ما أحسسته طول عمرك من غربة وانقطاع عما حولك، إنه شعور آخر مغاير ومختلف، شعورٌ غريبٌ لم تعهده من قبل. تحس لأول مرة أنك شريد طريد يتيم، ولو أنك في مسقط رأسك الذي غبت عنه خمسين عاما.
لأول مرة تتذوق طعم اليتم الذي ما ذقته قبل اليوم، رغم أنك قد شارفت على السبعين، ويعاودك السؤال:
– لماذا فعلتها يا سعيد؟ وما الذي جاء بك إلى هنا؟ وكيف ضيعت الحلم الجميل الذي ظللت مطبقا جفونك عليه بقوة طيلة خمسين عاما؟
واصل سعيد سيره مجربا أن يسلك الدرب الذي كان يسلكه مشيا على قدميه صباح مساء بين قريته والمدينة القريبة، طيلة سنوات دراسته الثانوية، وصل المدينة، ودونما إرادة منه، وكأن دافعا يدفعه رغما عنه، توجه صوب موقف السيارات، واستقل أول سيارة متجهة شرقا صوب الجسر، ليعود من حيث أتى.
13/4/42015

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة