طبعة مشوهة لكتاب سيبويه

فن وثقافة (:::)
بقلم : د . مهند مجيد العبيدي ( العراق )
يُعَدُّ كتاب سيبويه أَقدم كتاب نحوي وصل إلينا من الكتب المؤلَّفة في علوم اللغة العربية، وقد رافقه الإِجلال والاعظام من تأريخ ظهوره للنَّاس، واستمر الأَمر على النحو نفسه حتَّى يوم النَّاس هذا.
وقديماً قال فيه ابن النديم: ((عمل سيبويه كتابه الذي لم يسبقه إلى مثله أَحدٌ قبله، ولم يلحقْ به بعده))
وكان كتاب سيبويه، لشُهرته وفضله، عَلَماً عند النحويين، فكان يُقَالُ بالبصرة: قرأ فلانٌ الكتابَ، فَيُعْلم أَنَّه كتاب سيبويه، وقرأ نصف الكتاب، ولا يُشَكُّ في أَنَّهُ كتاب سيبويه. وذكر الجاحظُ كتابَ سيبويه، فقال فيه: لم يكتبِ النَّاس في النحو كتاباً مثله، وجميع كُتبِ النَّاسِ عليه عيال.
((وكان المُبرِّدُ- إذا أرادَ أَحدٌ أَن يقرأ عليه ((كتاب سيبويه)) يقول له: أَركبتَ البحر؟ تعظيماً له واستعظاماً لما فيه)).
((وقال أَبو عثمان المازني: مَن أرادَ أَن يعمل كتاباً كبيراً في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحي)).
وقال صاعد الأَندلسي (ت 462ه) : ((لا أَعرفُ كتاباً أُلِّفَ في علمٍ من العلوم، قديمها وحديثها، فاشتمل على جميع ذلك العلم وأَحاط بأَجزاء ذلك الفن، غير ثلاثة كتب: أحدها المجسطي – لبطليموس –  في علم هيئة الفلك وحركات النجوم، والثاني كتاب أرسطاطاليس في علم صناعة المنطق، والثالث كتاب سيبويه البصري في علم النحو العربي، فإِنَّ كلَّ واحدٍ من هذه لم يشذّ عنه من أصول فنّه شيء إلاَّ خَطَرَ لَهُ)).
وفي عصر الطباعة اهتم النَّاس كثيراً بكتاب سيبويه، وكان من مظاهر هذا الاهتمام العناية بطباعة الكتاب، وقد ظهرت منه طبعات كثيرة مختلفة في ديار الشرق والغرب ولعل أشهر طبعات الكتاب وأكثرها تداولاً الطبعة التي عُني بإخراجها شيخ المحققين العرب الأُستاذ عبد السلام هارون (ت1408هـ- 1988م) مستنداً في ذلك إِلى عددٍ من مخطوطات الكتاب التي وقعت بيده، وإِلى جميع ما ظهر من طبعاته ، وقد ظهرت هذه الطبعة أول مرة في خمسة مجلدات:
الأول: مطبعة دار القلم- القاهرة 1966م في 60+ 446 صفحة.
الثاني: دار الكتاب العربي للطباعة والنشر- القاهرة 1968م في 430 صفحة.
الثالث: الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر: القاهرة 1971م- 1973م في 662 صفحة.
الرابع: الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة 1977م في 492 صفحة.
الخامس: الهيئة العامة للكتاب- القاهرة 1977م في 430 صفحة.
ثم طبعت بعد ذلك هذه الطبعة عِدة مرات.
وقد تضمن هذا الجزء الفهارس التحليلية للكتاب، في حين ضم المجلد الأَول مقدمة نافعة جداً في 60 صفحة، تناول فيها المحقق: حياة سيبويه، وشيوخه، وأَقرانه، وتلاميذه، ومناظراته، وأَقوال العلماء فيه، وكتاب سيبويه، وشروحه، ومختصراته، وتاريخ نشره، وضم خلاصة ترجمة المقدمة الفرنسية التي كتبها المستشرق درنبرغ مُصدِّراً بها طبعته.
ولطبعة هارون عِدَّة حسنات يمكن أن نجملها بما يأَتي:
1-  المقدمة النافعة التي وضعها هارون للكتاب، 2-  الضبط المُتْقَنُ لنصوص الكتاب وتخليصها من أَخطاء الضبط الطباعي القديم، وإضافة علامات الترقيم وتقسيم النصوص على فقرات توضح المعنى وتعيّنه.
3- تخريج الشواهد القرآنية والشعرية والأَمثال ونحوها.
4-شرح غوامض الكتاب وتبيان أَساليبه، مع تسجيل عدد من الاعتراضات القديمة والحديثة عليه.
5- إثبات جميع شرح أَبي الحسن الأَخفش.
6-الفهارس الفنية المُفَصَّلة في الجزء الخامس من الكتاب وهذه الحسنة ربما كانت أعظم هذه الحسنات.

ولكن وآه من لكن إذ في أَيامنا هذه ظهرت في الأَسواق طبعة مشوهة من كتاب سيبويه على يد أَحد تجار الكتب في بيروت، وقد وقعت هذه الطبعة في 4 أَجزاء فقط!
في الجزء الأَوَّل: تحولت المقدمة التي كتبها شيخ المحققين العرب عبد السلام محمد هارون من 63 صفحة إلى 30 صفحة بقدرة قادر وذلك بعد أن رأى الناشر في مقدمة العلاَّمة هارون ما لا ضرورة لإثباته فقام (مشكوراً ) بحذفه، فقد قام الناشر (الموقر) بحذف ما كتبه هارون عن سند الكتاب، والإشارة التاريخية إلى خط سيبويه، قراءاته الأَولى، أَما ما كتبه عن أسلوب الكتاب فأَبقى منه الناشر ثلاثة أَسطر فقط وحذف الباقي، وكذلك صنع مع شواهد الكتاب، وأَثر الكتاب في نحو الأندلسيين والمغاربة، ويبدو أَنه من المعجبين بالرقم (3).
وقد قام الناشر بحذف الثبت الذي عمله هارون بأَسماء شراح الكتاب ومختصريه، والمعترضين عليه والرادين عليهم.
ثم حذف الناشر المقدمة التي وضعها ناشر الكتاب الأول المستشرق الفرنسي هرتيوغ وترجمها هارون في مقدمته.
أَما التعريف بالطبعة الثالثة لكتاب سيبويه المترجمة إلى الأَلمانية فقد حذف منه (11) سطراً.
أَمَّا التعريف بطبعة بولاق فقد حذف منه الناشر (27) سطراً.
أَمَّا التعريف بالنسخ الخطية التي اعتمد عليها هارون فقد حذف الناشر من التعريف بالمخطوطة الأولى (6) أَسطر، ومن الثانية (10) أَسطر، ومن الثالثة (سطرين)، ومن الرابعة (9) أَسطر، ومن الخامسة (3) أَسطر، ومن السادسة (سطرين)، ومن السابعة (7) أَسطر، وامن الثامنة (3) أَسطر، ومن التاسعة (5) أَسطر، ومن العاشرة (سطرين).
وعند الحديث عن مميزات طبعة هارون حذف الناشر النقطة السابعة، وهي: ((7- تذليل الكتاب بالفهارس الفنية الحديثة، ومنها فهرس مسائل العربية الذي وضعته مرتباً على حروف الهجاء، تيسيراً للباحث الذي يبتغي الإِلمام بأَطراف المسأَلة الواحدة، فالمعروف أَن سيبويه كان يعالج الباب الواحد في عدة مواضع. ومن ذلك ((باب الحال: الذي عالجه في نحو عشرة أَبواب. كما قمت بترجمة تلك المسائل وأَبوابها بالاصطلاحات المعروفة، التي استقرّت عليها أَوضاع النحو، إنقاذاً للباحث من صعوبة معالجة تلك العنوانات ذوات الَّلبْس والغموض)).
أَما سر هذا الحذف فهو أمر جد يسير فقد حذف الناشر الهمام الجزء الخامس الخاص بالفهارس الفنية أَحد أَعظم حسنات طبعة هارون برمته فلا حاجة بنا إلى تلك الفهارس ،فالناس في زماننا أَصحاب حافظة يحسدهم عليها عرب ما قبل الإِسلام.
وخاتمة الحذف كانت حذف ثبت مراجع ترجمة سيبويه الذي وضعه هارون في: 63 صفحة.
أيجوز هذا العبث بتراثنا العظيم من قبل ناشر جاهل لا يعرف قيمة ما ينشره؟
الدكتور مهند مجيد برع العبيدي
قسم اللغة العربية / كلية الآداب
جامعة تكريت

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة