السيجارة , إصبَعي الحادي عشر !

فن وثقافة (:::)
سامي العامري – المانيا (:::)
السجارة , السجارة هي أوَّل شاهدٍ على مشاكساتي في هذه الدنيا وأوَّل شاهدٍ على خيباتي من هذه الدنيا ! ومصدرٌ مهمٌّ من مصادر إفلاسي شبه الدائم , أدخِّنُها وتدخِّنني منذ أكثر من ثلاثين عاماً , منذ أن كنتُ في السادسة عشره حيث كُنّا نحن التلاميذ نقفز من سياج المدرسة ونشترك في تدخين سجارةٍ ونحن نرتجف خوفاً ! بعد أن يكون أحدنا قد اشتراها من دكّانٍ بالمفرد ولا أتذكَّر أني تركتُها يوماً او أفكِّر بتركِها , صحيحٌ أني تركتُها لمدة يومين وكان ذلك قبل عشرين عاماً او يزيد , والسبب إلتهابٌ في الرئة سرعانَ ما زال , وكذلك أستثني فترات السجن المتقطِّعة في العراق لأنَّ ترك التدخين فيها لم يكن اختياراً , وللسجارة عندي طقسٌ خاصٌّ فبرغم أني ألجأ اليها في السرَّاء والضرّاء إلاّ أنني وانا من عشّاق القهوة ومدمني الشاي  لا أستطيع تناول القهوة او الشاي او الخمر إلاَّ بعد تأكُّدي من توفُّر السيجارة , المسألة لا علاقة لها بالإدمان او التعوُّد بقدر ما هي أُلفةٌ تحوَّلتْ الى صداقةٍ فَحُبٍّ ثُمَّ اذا بها تتحوَّل الى اتِّحادٍ صوفيٍّ !
ومِن لوامعِ هذا التصوُّف أني أتغاضى عن العديد من الأطعمة التي يودُّ أيُّ إنسانٍ أن يتناولها إرضاءاً للتدخين أي أنني أحسُّ بأني إنما أأكل من خلال رئتي !
وبما أني عرفتُ الجوع منذ صباي فكان انقطاعي عن الطعام لفترات محدَّدة لا يعني لي الشيءَ الكثير ولكن السجارة , وكم دَخَّنتُ بالدَّين ! او كم مرةٍ في حياتي ذهبتُ ليلاً الى المحطات لأجمع أعقاب السجائر , أقول : ليلاً , لأنني ما أزال أحمل في داخلي ذلك الحياء الشرقي وهو في العادة يندحر اذا كنتُ ثَمِلاً ! وشفيعي مفردة المانية تتردَّد غالباً على ألسنة الناس ألا وهي ( إيكَال ) والتي تعني بلهجتنا ( طُزْ ) ! او : لا يهمُّني .
وكانت السجارة بالنسبة لي وما زالتْ عزاءاً لا يمكنني تصُّور احتمالي للآلام من غيره وطبعاً الإنسانُ غير المُدخِّن لا يعرف مدى تأثير هذه الأشياء على النفس او المزاج والتي تلوح بسيطة ومن جانبٍ آخر كم تتحوَّل لغتي حين أكتب الى لغة رائقة في أحيان كثيرة مهما كان الموضوع مقرفاً او يدعو الى الغضب شرطَ أن يكون الى جانبي كوب الشاي او القهوة تطلُّ من فوقهِ السجارةُ بشموخ !
وهذه الرسالة التي أحملها , وهي ليست رسالة لتعميم التدخين ! تطمح الى التأكيد بقناعةٍ وعن تجربة طويلة أنَّ القناعة الكبرى كثيراً ما تأتي من التفاصيل الصغرى وكم منعتْ السجارةُ من ارتكابِ جريمةٍ ساعةَ الغضب بدفعِ المُدخِّنِ اذا انهارتْ أعصابهُ الى التفكير بهدوء ! , أمّا عن أضرارها الصحية فالصحة منذ البدء مُعتلَّة بل ماذا يوجد في الحياة من مغريات تدعوك للحفاظ على صحتك !؟
هناك بيتٌ من الغزل للمتنبي يقول :
وشَكيَّتي فَقْدُ السَّقامِ لأنَّهُ
قد كانَ لمّا كان لي أعضاءُ !
الشاعر هنا يشكو من انعدام المرض لأنَّ وجود المرض مرتبطٌ بوجود الجسد , والمتنبي أنحلَهُ الحُبُّ حتى أفنى جسدَهُ !
أردتُ بهذا البيت أن أقول لماذا القلق من المرض طالما أنَّ الجسد نفسه غير موجود ؟!
أمَّا على صعيد الشعر فقد وجدتُ أني جعلتُ للسجارة في قصيدتي مكانةً تليق بها ! وكان ذلك يتمُّ عفويّاً طبعاً
فالسجارة لها شأنٌ آخر في الشعر
فتارةً حين أحزن أفتِّشُ عنها في قلبي
وهي تارةً أصبعي الحادي عشر
ومرةً جعلتُها كالوردة إذْ قلتُ في مقطعٍ نثري : وردةٌ ذابلة تغبط رحيقَ سجارتي .
وغيرها من الصور التي تتخلَّل قصائدي . أمّا ما هو سيءٌ من تبعات السجارة فعلاً فهو الإفلاس السريع , وعلى مَن هو مثلي أن يوطِّنَ نفسه عليه !
أتعزّى أحياناً وانا في غمرة الإفلاس والفقر بقصيدة تملأني نشوةً وضحكاً من مرارة الدنيا , وقِلَّةٌ هُم الذين برعوا في التعبير عن الفقر والإفلاس كهذا الشاعر وبهذا الإسلوب الرقيق الساخر المَرِح , هذا الشاعر الذي نسيتُ اسمه وكلُّ ما أعرف عنه أنه شاعر عربي عاش في الأندلس وهنا أبياتهُ :
أصبحتُ أفقرَ مَن يروحُ ويَغتدي
ما في يدي مِن فاقةٍ إلاّ يدي
في منزلٍ لم يحوِ غيري قاعِداً
فاذا رقدتُ رقدتُ غيرَ مُمَدَّدِ
لم تَبقَ فيهِ سوى رسومِ حصيرةٍ
ومخدَّةٍ كانت لأُمِّ المُهتدي
مُلقَىً على طرّاحةٍ في حشوها
قملٌ كمثلِ السِّمسمِ المتَبدِّدِ
والفأرُ يركضُ كالخيولِ تقاطرتْ
مِن كلِّ جرداءِ الأديمِ وأجرَدِ
هذا ولي ثوبٌ تراهُ مُرَقَّعاً
من كلِّ لونٍ مثل ريشِ الهُدهدِ
هل كان هناك مَن هو أكثرُ غنىً وغبطةً من هذا الشاعر وهو يبدع هذه الأبيات !؟
—————————-
كولونيا – 10 – 2007
[email protected]

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة