أوهام في ثياب حقائق

دراسات (:::)
بقلم: فيصل سليم التلاوي – فلسطين المحتلة (:::)
كثيرة هي الأوهام التي تترسخ في الأذهان مع معاودة تكرارها، وحشو أذهان الناشئة بها جيلا بعد جيل، حتى تثبت وتصبح مسلمات لا يجرؤ أحد على مناقشتها، فكيف بتدقيقها وتمحيصها. وإن تجرأ أحد على ذلك فسيجابه بعاصفة من الاعتراض والاتهام، بأنه يشكك في أصول الفكر والثوابت التي ترتكز عليها ثقافة الأمة، وسجل حضارتها وتاريخها العريق.
ومن هذه الأوهام التي تبدو بديهية للوهلة الأولى، ما أجمع عليه دارسو اللغة العربية ومنشئو نحوها، و واضعوا تنقيط حروفها وحركات تشكيلها، ومتابعو تطويرها في القرنين الأول والثاني الهجريين، والذين تقطعت بهم السبل في المكان والزمان الذي حط فيه ركب نصر بن عاصم الليثي في اختيار حركات التشكيل في أواخر القرن الأول الهجري.
حيث يجمع كل من أدلى بدلوه في هذا الموضوع، ومن تبعهم في كافة العصور وحتى عصرنا الحاضر، مهما اختلفت رواياتهم حول الريادة وفضل السبق، أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – أوعز لأبي الأسود الدؤلي أن يبدأ بوضع أسس علم النحو، وتنقيط الحروف وضبطها بالشكل، بعد أن شاع اللحن والخطأ في قراءة القرآن الكريم بين المسلمين من ذوي الأصول غير العربية. ثم تابع ذلك تلميذه نصر بن عاصم الليثي، بتوجيه من الحجاج بن يوسف الثقفي والي الكوفة، في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، ثم تابع ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي واضع علم العروض، وجامع بحور الشعر العربي الخمسة عشر التي تدارك الأخفش بحرها الأخير ( المتدارك ) لتصبح ستة عشر بحرا.
أما الدافع  الرئيس وراء ذلك الاجتهاد كله مهما تعدد مجتهدوه، فهو خشية اللحن بعدما اعتنق كثير من أبناء الشعوب غير العربية الإسلام، وتحدثوا بالعربية فلحنوا في تلاوة القرآن الكريم، بما يغير المعنى المقصود للآيات القرآنية، لأنهم لا يمتلكون السليقة والذائقة اللغوية، التي يتقنها العربي بالفطرة، فلا يتطرق اللحن إلى لسانه. وهو افتراض سلّم به جميع من تطرقوا لهذا البحث قديما وحديثا، وما شكك أحد في صحته.
افتراض يقوم على أن العربي الأصيل الذي لم يبرح باديته، ولم يخالط الأمم الأخرى يظل لسانه عربيا مبينا، لا يشوبه اللحن مطلقا. حتى عُدت البادية مدرسة الفصاحة العربية الأولى، وكان أبناء الحواضر من الخلفاء والأمراء والقادة يرسلون أبناءهم مدة من الزمن أثناء فتوتهم إلى البادية، لتستقيم ألسنتهم وليتشربوا الفصاحة العريبة من منابعها الصافية غير مُرَنَّقَةٍ بشوائب اللحن والعجمة. ويستتبع هذه النظرية أن يبقى أبناء البادية الذين لم يبرحوها، ولم يخالطوا أجنبيا ولا وصلهم مستعمر عبر توالي الحقب، أن يبقوا على ذلك وأن يظل لسانهم فصيحا غير ذي عوج حتى يومنا هذا.
لكن التجربة الشخصية لكاتب هذه السطور تثبت غير ذلك، فقد قدر لي العيش سنوات طوال، والعمل مدرسا لمادة اللغة العربية في تلك الربوع العربية، التي لا تزال بكرا على سابق عهدها منذ عصر ما قبل الإسلام، في مواطن القبائل التي لا تزال تسكن مواطنها الأصلية التي ذكرتها كتب التاريخ، والتي لم يخالطها فيها أحد، والتي تسمى باسمها حتى اليوم فيقال ( بلاد غامد وبلاد زهران وبلاد ثقيف وبلاد بني مالك – بجيلة –  وبلاد بني سعد وبلاد بلحارث،وبلاد شمران – خثعم – وبلاد شهران وبلاد بني شهر، وبلاد بني عمرو، وبلاد عتيبة وبلاد سبيع ).
حيث تجد كل قبيلة مما ذكر و غيرها كثير ممن لم يذكر اسمه، لا تزال تسكن في موطنها الذي سكنته منذ العصر الجاهلي، وتجد عشرات القرى والبلدات التي ينتمي كل ساكنيها لقبيلة واحدة ليس بينهم غريب، حتى كنا نتعجب في بداية الأمر عندما نسجل أسماء الطلبة في كشف الحضور لكل صف مهما بلغ عدد طلابه، بأن نكتب الاسم ثلاثيا متبوعا بكلمة ( الغامدي ) أو الشهري أو الثقفي للطالب الأول، ثم نكمل القائمة جميعها بوضع إشارة = في نهاية كل اسم للدلالة على التكرار.
كل هذا أمر طبيعي لكل عربي ظل ملازما موطن قبيلته منذ القدم، لم يبرحه مع من غادر في موجات الفتوحات الإسلامية، واستقر في البلاد المفتوحة، أو من هاجر بعد ذلك طلبا للرزق، واستوطن في أرض الله الواسعة. لكن ما هو غير طبيعي، ولا ينسجم مع نظرية الفصاحة المكتسبة بالسليقة و البعد عن اللحن، التي قدمنا لها سيرا على خطا من سبقنا من الدارسين العرب في كل زمن، أننا وجدنا أبناء هذه القبائل التي لم تبرح ديارها، ولم تخالط أحدا من أبناء الشعوب الأعجمية، ولا حتى من القبائل العربية الأخرى، تتحدث بعامية هي أبعد ما تكون عن الفصحى، وربما وجدتَ عامية العراق والشام ومصر وليبيا وموريتانيا أيسر فهما، وأخف وقعا في الأذن من عامية هؤلاء، الذين لم يغادروا ديارهم العربية في يوم من الأيام، وأكاد أجزم أن الشعر العامي في العراق والشام ومصر وبلاد المغرب العربي، أيسر فهما وأقرب في ألفاظه للعربية الفصحى من الشعر العامي ( النبطي ) الذي تسمعه في تلك البوادي العربية، التي ظلت عذراء ما خالطت أهلها عجمة عبر العصور.
وهذا الواقع الذي عايشته ولاحظته وتتبعته زمنا، ينسف أسس النظرية التي تتبنى الفصاحة بالفطرة والسليقة وليس بالتعلم، وأن العرب في موطنهم وقبل احتكاكهم بالأمم الأخرى كانوا لا ينطقون إلا باللغة الفصيحة دونما لحن أو عوج، وأن العامية جلبتها أقوام غير عربية، اختلطت بالعرب عند اعتناقها الإسلام واندماجها وتزاوجها مع العرب. فهؤلاء العرب الذين لا زالوا أقحاحا ينطقون بعاميات غاية في الوعورة والتعقيد والبعد عن اللغة الفصحى، مما يؤكد أن ظاهرة اللهجات العامية شأن محلي لا علاقة له بالاختلاط بالشعوب غير العربية، وإنما هي فوارق لغوية بين الناس في المجتمع الواحد ومنذ البدء. فكأنما هناك لغتان متوازيتان: لغة فصيحة متقنة للمتعلمين والمتأدبين والخاصة من علية القوم، يتم تعلمها وإتقانها، وقد يلحن فيها بعض هؤلاء، ولغة أخرى عامية أدنى منزلة وأقل إتقانا يتخاطب بها عامة الناس، وذلك شأن كل قبيلة عربية، فاللغتان متجاورتان ومتصاحبتان في نفس المكان منذ البداية، وإلا فكيف نفسر رد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان مجيبا من خاطبه:
– عجَّل إليك الشيب يا أمير المؤمنين.
– ( شيبني صعود المنابر وخشية اللحن )
فمن أين يأتيه اللحن في ذلك الزمن المبكر من التاريخ الإسلامي وهو الأموي القرشي؟ وقريش أفصح العرب. وقرين ذلك ما روي عن أن بعض شعراء العصر الأموي كانوا يلحنون ومنهم الفرزدق، الذي ينتسب إلى ذروة تميم، فقد ذُكر أنه هجا عبدالله بن يزيد الحضرمي لأنه كان ينتقده ويتعقب لحنه.
وثاني هذه الأوهام المغلفة في ثياب الحقائق والوقائع الثابتة، التي لا تقبل نقاشا، اعتقادنا الراسخ أن قصائد الشعر الجاهلي التي وصلتنا، وخاصة المعلقات و ما عاصرها من قصائد هي بدايات الشعر العربي، واعتبار امرئ القيس على وجه التحديد هو واضع حجر الأساس للشعر العربي، مع إشارت طفيفة عابرة لا يرافقها بحث ولا استقصاء لسابقيه كابن خذام، الذي أشار إليه امرؤ القيس نفسه فيما ينسب إليه من قول:
عوجا على الطلل المحيل لعلنا           نبكي الديار كما بكى ابن خذام
أو ما ينسب من شعر لمهلهل بن ربيعة التغلبي، أخو كليب وفارس حرب البسوس بين بكر وتغلب، والذي هو خال امرئ القيس أيضا كما يذكر المؤرخون، ويزعمون أن تسميته بالمهلهل إنما جاءت من كونه أول من هلهل الشعر: أي رققه، وذلك افتراض ساذج يعمد إلى تبسيط الأمور، والأخذ بتفسيرات سطحية ساذجة غير مقنعة، لأن من يلقي نظرة تأمل أولية على هذا الشعر الجاهلي، و خاصة شعر امرئ القيس، يجده شعرا مكتملا في ألفاظه وصوره وتراكيبه وعروضه، بحيث ظل مثلا أعلى يحتذى، ويسير الشعراء العرب على نهجه منذ قرابة ألف وستمئة سنة. ما طرأ عليه من تطور في شكله أومضمونه، إلا في نصف القرن الأخير، الذي تمثل بموجة قصيدة التفعيلة، التي تحررت من التقيد بوحدة القافية، وتماثل عدد التفعيلات في الشطر الواحد من البيت الشعري، وهو تطور لا يرتقي إلى مستوى الشعر العمودي القديم، بل إنه قد هبط بالشعر إلى مستوى أدنى من حيث الشكل على الأقل. فكيف لهذا الشعر الذي وصلنا مكتملا بهذه الجودة وحسن السبك أن يكون هو البدايات الأولى؟
لا شك أن خطوات طويلة على الطريق قد سبقته، بدأت بالحداء للإبل وبأغاني الرعاة وأهازيج المحاربين، وآهات المسافرين المنقطعين عبر ليل الصحراء الطويل، وترانيم الأمهات والزوجات الثكالى على من فقدن من أبناء وأزواج في دورات الحروب القبلية المتتالية. وما كان له أن يولد مكتملا ناضجا مثلما وصلنا، إلا بعد طول جهد وتطور وصناعة مرت بمراحل متعددة، من إنشاد البيت والبيتين يترنم بهما المسافر المنقطع ليؤنس وحدته وراحلته، ثم بضعة الأبيات يتسامر بها القوم في أمسيات الأفراح والمناسبات السعيدة، يرافق ذلك في الأغلب عدم استقامة الوزن العروضي واكتماله، ثم بدايته ببحر واحد كالرجز على سبيل المثال،  فانتقاله بالتدريج لبحور أخرى، حتى اكتملت بحوره جميعها خطوة خطوة. إذ من المستحيل أن نجد بحور الشعر الستة عشر وقد اكتمل عقدها ونظم الشعراء قصائدهم عليها مرة واحدة.
لقد مر تطور الشعر بمراحل متعددة وأزمان طويلة، حتى استوت صناعته واكتملت قصائده، وتخصص له شعراء عرفوا بهذه الحرفة وانقطعوا لها، فكان من بينهم عبيد الشعر، الذين تفرغوا لتجويده وإتقان صنعته، وكان من بينهم أصحاب الحوليات، الذين كان أحدهم يمضي حولا كاملا في مراجعة قصيدته وتنقيحها، بل  إن هوس المبالغة في إتقان هذا الفن قد أوصلهم شططا، ادعوا فيه أن الشياطين تعينهم على صناعة الشعر، وجعلوا لكل شاعر شيطانا معروفا باسمه، كما تفرغ لمرافقتهم وحفظ أشعارهم رجال من ذوي الحافظة القوية، والذاكرة السديدة سُموا بالرواة .
لا شك أن ذلك كله قد مر بمراحل متعددة، واستغرق زمنا طويلا حتى استوى على سوقه، لكننا لم نجهد أنفسنا في البحث عن أصوله، ولا تتبعنا مواطنه بالبحث والتنقيب عن الآثار والحفريات، لنجد الدلائل على هذا التطور التاريخي التدريجي، واكتفينا بهذا الوهم الذي صورناه حقيقة ساطعة لا تقبل النقاش.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة