” رؤية شاملة في الصراعات الإقليمية” ودور الإعلام في تشكيل الوعي للخروج من مأزق التجاذبات..

دراسات (:::)
بقلم : بكر السباتين * (:::)
تنبع أهمية دور الصحافة المؤثر في تحليل المواقف، والتأثير على الرأي العام ، من قدرتها على تقصي الحقائق وقراءة الواقع قراءة صحيحة.. ضمن مصطلحات واضحة المحددات والدلالات. وخاصة ما يتعلق بالجماعات الإسلامية الخلافية التي تحرض على الأحداث في سوريا والعراق واليمن بغض النظر عن انتماءاتها الطائفية.. فثمة معادلة باتت تتحكم في مصير هذه الجماعات تقوم على دور الإعلام في توضيح رؤاها الدينية والسياسية ومن ثم  تسويقها؛ ما ينعش تغلغلها في الوسط الشعبي الذي يزودها بمعطيات البقاء والاستمرارية من خلال الموارد البشرية والأموال والتستر على دروبها في السوق السوداء التي تعتمد عليها تلك الجماعات (إضافة لدعم بعض الدول الإقليمية) ..
والحديث لا شك عن دور الدول الإقليمية في دعم هذه الجماعات سيكون محورياً لأنها تعتبر في سياقها الإقليمي رؤوس حربية وبالونات اختبار لتنفيذ السياسات على أرض الواقع.. فبينما تتلمس إيران ( رغم إنكارها لذلك) طريقها إلى مضيق باب المندب عبر دهاليز ما يجري في اليمن؛ اعتماداً على انتصارات جماعة أنصار الله الحوثية ( التي تتعرض لضربات جوية سعودية مركزة).. فإنها أيضاً تحاول الحفاظ على الطابع الشيعي للعراق من منطلقي الأمن القومي والعقيدة.. لذلك تقدم إيران كل الدعم اللوجستي للجماعات الشيعية في العراق التي تؤازر الجيش العراقي في قمع المواطنين السنة في محافظة صلاح الدين.. ولا شك أيضاً بأنها في ذلك تكون قد أمنت خاصرة سوريا من جهة العراق كي تتفرغ الأخيرة لمواجهة تنظيمي النصرة وداعش في أتون حربها المستعرة؛ للحفاظ على وحدة سوريا وحماية النظام ألبعثي القائم.. ناهيك عن الجيش الحر الذي يعاني من ضائقة إستراتيجية.
إنَّ دهاليز  سياسة إيران في هذا المسار أيضاً؛ ترتبط بإستراتيجيتها في دعم جماعة حزب الله في سوريا انطلاقا من معقله بجنوب لبنان بما لا يمس إطاره القطري في المعادلة اللبنانية تعزيزاً  لجوده في المشهد السياسي اللبناني ألفسيفسائي ذي الحساسية الطائفية..وبالتالي الإبقاء على فاعلية المقاومة سياسياً وميدانياً باتجاهين:
الأول: الحفاظ على البعد السوري ألإسنادي للحزب الذي يمتد حتى طهران..
والثاني: مواجهة الكيان الإسرائيلي الذي يتهدد وجودهم ويحتل مزارع شبعا مع العلم بأن شعارات الحزب تشمل في عناوينها حتى تحرير الأقصى!!
ناهيك عن الدعم الإيراني المستمر لحركة حماس في تصديها لجبروت الكيان الإسرائيلي وهذا ما تعترف به حماس التي أقفلت في وجهها الخيارات العربية الأخرى إبان عملية الجرف الصامد الإسرائيلية التي دمر على إثرها قطاع غزة. إنه الدعم ذاته الذي تقره إيران رسمياً ليسجل في ملف مواقفها الثابتة تجاه عدم الاعتراف بالكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين التاريخية.. ويدركه الكيان الصهيوني الطارئ.. الذي لا يشعر بالقلق إلا من تعاظم قوتي حزب الله في لبنان وحماس في قطاع غزة..وهما القوتان الضاربتان المدعومتان من إيران في إطار إستراتيجية تحمل بعض الملامح التسويقية للذات.. ما يجعل إيران الخصم الأبرز للكيان الإسرائيلي ما لم تتبدل السياسات في عالم يتغير وفق التحالفات الإقليمية وخاصة بعد الاتفاق النووي التاريخي بين إيران وأمريكا.. وبالطبع دون أن نغيب الدور التركي الذي يستمد قوته من بنيته النهضوية التي يقف وراءها في تركيا لانتزاع دوره الإقليمي من خلال دعمه لبعض الجماعات الإسلامية في سوريا لإسقاط النظام البعثي الذي يرأسه الأسد، من ثلاثة منطلقات:
أ- الإسلام المعتدل: إن محاولة تركيا الحثيثة لتقديم صورة مشرقة عن الإسلام من خلال خطوات تنموية على الأرض سوف تستقطب، بل ريب، طاقات وفعاليات العالم الإسلامي لبناء لوبي إسلامي عالمي مؤثر ومهيب.. من هنا كان على تركيا التصدي لكل من يعادي الإسلام دون أن تتوقع ما آلت إليه النتائج التي جاءت خلافاً لرؤيتها البناءة ،حينما قدمت الدعم المفتوح لكل من داعش والنصرة في إطار الأزمة السورية المتفاقمة.

ب- الأمن القومي التركي: أبدت تركيا بعض المرونة في تصديها لحلفاء الأمس من الجماعات الإسلامية!! ولم يتجاوز ذلك محاولة الوصول لاتفاق دولي يقضي بتأمين شريط حدودي أمني على حساب الأراضي السورية!! ورغم ذلك كانت تتصعب من أي موقف تؤازر فيه التحالف الدولي ضد داعش التي تسيطر على الشريط الحدودي السوري التركي من منطلق الحفاظ على الأمن القومي التركي.. وخاصة وفي أقل الأحوال ضرراً من الداعشية فإن تركيا تجد في وجودها عائقاً أمام اكتمال دولة كردستان الكبرى على حساب الأراضي التركية؛ ومن هنا يمكن فهم الدور التركي العنيد باتجاه ترتيب البيت السوري وفق رؤيتها المرتبطة بضرورة رحيل نظام الأسد  بالقوة العسكرية أو بموجب ما صدر من قرارات في جنيف حول سوريا.

ج- موقف تركيا المؤازر للحقوق الفلسطينية المشروعة واعتبار الملف الفلسطيني شأن إسلامي بمفهومه المعنوي.. ومن هنا جاء الموقف التركي الداعم أيضاً لحماس الإسلامية رغم العلاقة التاريخية ( يحاول أردوغان تحجيمها) بين الكيان الصهيوني وتركيا.

ويبقى الحديث عن الدور العربي المضطرب المتشرذم.. والذي لا يتبلور إلا في إطار مظلة من الحلفاء الأقوياء.. فالدور العربي الخليجي بقيادة السعودية وهو الأكثر تأثيراً على كافة الأصعدة؛ ، وفي ظل مناورة دولية مشبوهة، تحولت فيها أمريكا (الداعم الأكبر للموقف العربي) لتعزيز الموقف الإيراني! بعد الاتفاق الأمريكي مع إيران بشان برنامجها النووي.. وخاصة أن موقف دول التعاون الخليجي الذي عزز وجود الجماعات الإسلامية في الأزمة السورية في إطار الإستراتيجية الأمريكية وتحالفاتها السابقة في المنطقة! وانبثق عنه  ظهور جماعتي النصرة وداعش؛ قد تحول هذا الموقف الذي تقوده السعودية لتوجيه ضربة عسكرية هائلة إلى حلفاء إيران في اليمن في محاولة جادة لقطع الطريق عليها باتجاه باب المندب في البحر الأحمر.. في إطار الجيش العربي المشترك.. وهي سابقة تمثل ردّاً قوياً إزاء  الموقف الأمريكي الأخير  الذي صرح به أوباما حيال التقصير العربي في الحروب الإقليمية!! وكأنها دعوة مقنّعة لإقحام العرب في صراعات بينية مثل إسقاط النظام السوري على سبيل المثال أو محاولة اجتثاث داعش من جذورها الإقليمية وتجفيف حاضنتها الشعبية بالقوة الضاربة.. ولا شك سيكون ذلك لو صحت تقديراته استهدافاً للتماسك العربي الهش وضرباً للإسلام السياسي.. دون أن يمس ذلك الكيان الإسرائيلي بضرر!! ولو قرأنا الأحداث تحت هذا العنوان سنجد بأن الجماعات الإسلامية في سوريا والعراق ما زالت تمثل الذريعة لدفع العرب باتجاه حسم مواقفهم بالقتال.. وهنا تكمن الكارثة ما لم ننتبه إلى ذلك..

إن دور الإعلام العربي مهما تفرقت اتجاهاته فلا بد أن يضع نصب عينيه بأن الفوضى لا تجلب النظام.. والظلام قامع للنور.. والموضوعية لا تكبح المعطيات.. بل توقد النهار وتوضح الرؤية..وتساعد على اتخاذ القرار السياسي بتوجيه الشارع نحو الحقيقة.. فمتى سقط الخطاب الإعلامي في مستنقع التجاذبات الطائفية، لا شك سيسقط دوره الاستراتيجي؛ ليتحول بعد ذلك  إلى جزءٍ من فوضى الآراء التي تحرض عليها الأمزجة الظلامية العمياء..  إذْ لا بد وأن يجد الخطاب الإعلامي الحر طريقه إلى المصلحة العربية العليا ومكونات هويتها الدينية والقومية.. وتعزيز مقومات الوحدة بعيداً عن الأجندات الضيقة التي تنبثق عادة من السياسات الإقليمية في أرض أحرقت زرعها الصراعات.. وفي ذات السياق لا بد من مراعاة الثوابت التالية التي من خلالها يمكن رصد ما يدور في فلك مصالح المتربصين بنا:
أولاً: الكيان الإسرائيلي يمثل دولة احتلال لفلسطين التاريخية.. وهو  الشيطان الذي يحرك كل دواليب الصراع في الوطن العربي للحفاظ على قوته.. وعليه يقاس العدو من الصديق.. لذلك لا بد من استعادة المصطلحات القديمة التي تلت نكبة فلسطين لتحديد سياقات الحديث عن هذا الكيان الغاشم من أجل بناء خطاب إعلامي ينسجم مع الواقع، الذي تستغل فيه معاهدات السلام الميتة؛ لأجل التطبيع وفرض الأمر الواقع على العقل العربي.
من ذلك مثلاً تعريف المقاومة كنهج استراتيجي..ومحاولة قراءة الأزمات التي تحيق بنا من خلال الصراع السياسي والعسكري بين أصحاب الخيارات لفرض واقع قد يخالف المبادئ.. فالمقاومة حق مشروع..وهي التي تمنح القوة للحوار السياسي لكي يخرج من المتاهات والأنفاق المظلمة إلى النور,

ثانياً: الاتفاق على محددات واضحة للمصطلحات المعرفية ودلالاتها للتوصيف المعرفي الأقرب إلى الواقع.. مثال ذلك التفريق ما بين الاسلام المعتدل والمتطرف لبناء خطاب يستدل به المتلقي إلى رؤية الكاتب من خلال ركائز الدلالة في المصلح.
ثالثاً: تأجيج الصراعات تحت أي عنوان سيصب في خانة التحريض الذي تعتمد عليه الاستراتيجيات الكبرى التي تستهدف المنطقة..
وهل أن الكيان الإسرائيلي كعدو ومحرض على الفتنة ضعف شأنه لحساب الصراع الطائفي العربي!  أم أنه بات من ضرورات تخليص الكيان الإسرائيلي من موقف “العدو” ودمجه في التنمية العربية يلزمه بديل استراتيجي آخر ينسجم مع الخيار الأمريكي الذي سوق “للإرهاب”  الإسلامي والمقاومة كعدو عالمي للديمقراطية والاستقرار!! أسئلة لحوحة لا بد من إيجاد أجوبة عليها..

*فلسطيني من(الأردن)

رابط المؤلف:

http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة