كان ما كان : لميخائيل نعيمة

اصدارات ونقد (:::)
بقلم : محمود فهمي عامر  (:::)
ضمّ ميخائيل نعيمة في مجموعته الزماكانية (كان ما كان) ست قصص قصيرة، تؤكد الأنا الإنساينة وعلاقتها بالآخر في يومياتها المعاصره، التي تختلف في زمانها ومكانها عما كان، ولكنها مازالت تؤثث كينونتها بغير ذاتها وبما كان.
واستعان نعيمة لمواصلة هذا النفس الزماكاني المقارن بين الماضي والحاضر بتقنية سردية تقارن بين عنوان المجموعة (كان ما كان)، وعناوين القصص التي ضمتها هذه المجموعة.
وهذه التقينة السردية المركبة من سردية العنوان وسردية المقارنة والمقابلة دفعت القارئ إلى التحديق في أمرين، الأول: عنوان المجموعة القصصية الذي لم يكن عنوانا لأي قصة من قصص المجموعة، والآخر: المقارنة من حيث الدلالة بين عنوان المجموعة (كان ما كان)، وعناوين قصصها: (ساعة الكوكو، وسنتها الجديدة، وسعادة البيك، والعاقر، والذخيرة، وشورتي).
إن الجملة الاسمية هي المسيطرة بثباتها واستقرارها على العناوين، وهي التي يسعى ميخائيل نعيمة إلى تثبيتها في واقعه، ولكنه على الرغم من ذلك جعل عنوان المجموعة يضم فعلا ماضيا ناقصا متكرّرًا لا ينفصل في واقعه اللغوي عن المجموعة الاسمية، كما أنه لا ينفصل في دلالته عن استمرارية الفعل المتغير والمتواصل مع (ما) الموصولة.
وفي (كان ما كان) يستتر الضمير الغائب (هو) بصراع بين حرفين (الهاء) الصادرة من العمق الباطني أو الداخلي (والواو) الثائرة بظهورها وإثبات وجودها، فهذا (هو) الغائب المستتر بحواره الداخلي الذي يريد الكاتب أن يجعله بارزا ظاهرا بحواره الخارجي؛ لعله يتصعلك على الكثير مما يعد ثابتا أو راسخا في العادات والتقاليد والقيم الزائفة.
وحققت هذه التقنية السردية المتمثلة بعنوان المجموعة الكلاسيكي (كان ما كان) صدمة بعد قراءة العناوين التي ضمتها هذه المجموعة، فالقارئ مع عنوان المجموعة يتوقع عناوين مشابهة، تروي حكايات تقلد عنوان مجموعتها، ولكنه وجد في المقابل (شورتي) و(ساعة الكوكو) في عملية ابتكارية للعنوان أو ماركة جديدة تنافس كل العناوين السابقة لميخائيل نعيمة.
والجدير بالذكر أن عناوين القصص التي تناولت المرأة (سنتها الجديدة) و(العاقر) جاء السرد فيها بضمير الغائب؛ لتعبر بهذه الآلية السردية عن ذات المرأة الغائبة في الحاضر، أو التي تستمد وجودها من ضمير المتكلم الذي برز خلال السرد تحت عناوين القصص الذكورية (سعادة البيك) و(شورتي)، وبقية القصص التي تناولت الرجل كخطار في (ساعة الكوكو) وشاهين بطرس في (الذخيرة).
واللافت أيضا في عناوين القصص القصيرة حرف (السين) الذي تصدر ثلاثة عناوين فيها، والنصف يمثل الكثير في القراءة النقدية، ويؤكد السردية المركبة بين سردية العنوان وبين سردية المقابلة والمقارنة، التي جاءت عفو الخاطر عند المؤلف، ودون تكلف الناقد؛ لتؤكد صدق التجربة الميخائلية في صراعها بين (كان ما كان) وبين (السين).
وهذه التقينة السردية المركبة نجدها في المقتطفات الآتية:
في (ساعة الكوكو):«مات بو معروف ودفناه، لكنه ما برح حيّا في حقولنا وكرومنا وبيوتنا وقلوبنا، ص14»، وفي (سنتها الجديدة): «الكل يقول: مسكين يا أبا ناصيف! إذ قد ولد له صبي ميت فدفنه وحده بيده، ولكن هي بربارة تخبركم سرّا عن لسان القابلة التي لم تبح بهذا السر لسواها أن المولود كان بنتا، وأن الشيخ أعطى القابلة ذهبين إنجليز؛ كي تذيع أن المولود كان صبيا جهيضا، ص52»، كذلك عندما قارن أهل القرية بين أبي ناصيف وبين أبيه: «أولا أبو ناصيف كاتب قارئ، والمرحوم لم يكن يعرف من حرفة القلم سوى غمس خنصره في المحبرة، ص 40 »، أما (العاقر) فـقبل انتحارها شاء القدر أن تبقى الورقة التي حاولت أن تمزقها حجة لها، ودرسا لزوجها: «أنت لم ترض بي وحدي، وأنا قبلت بك وحدك، سعادتي تمت بك وبحبك، ولكن سعادتك لم تتم بحبي، ص82، ألا فاعلم يا (عزيز) أن العاقر أنت لا أنا، ص86»، وخطت (الذخيرة) سطرها الأول بـ:«بئست الساعة التي شككت فيها بقوة الخشبة! بئست؛ لأنها انتزعت مني سميرًا يندر نظيره بين السمار، ص89»، وقال في (سعادة البيك): «فقلبي لا يطيعني أن أكسر خاطره، حرام ما هو إلا من بيت الدعواق، ص111»، وفي (شورتي) يقول: «وكلما نظرت إلى فراش شورتي ورأيته فارغا مهجورًا هجمت الدمع إلى عيني وفاضت قسرًا عني، غير أني أتعزى بشورتي اليوم في مطهره، فهنيئا له، ص 134».
كما تبدو سردية المقابلة والمقارنة خلال مقارنة الكاتب ومقابلته بين الشرق والغرب في قصة (ساعة الكوكو) التي قال فيها: «بينما الغرب يسير في مركبة روحها البخار أو الكهرباء، وعضلاتها لوالب ودواليب من حديد وفولاذ، ص25»، وفي القصة ذاتها «أدرك أنه في بلاد مفتاحها الريال، وأن من لا يقاتل من أجل ذلك المفتاح يظل خارجا أو تدوسه أرجل المقاتلين، ص23 »، وتبدو كذلك في قصة (سعادة البيك) التي دارت أحداثها في مطعم عربي في نيويورك لمهاجر سوري.
وتقنية السرد بالمقابلة والمقارنة قادت ميخائيل نعيمة نحو سردية ثانية تمثلت بفن الرسالة الشخصية، التي اعتمدت بدورها على الحكمة والموعظة كأساس تقني تواصل خلاله السرد التقابلي؛ لتكون أكثر تأثيرا في القلوب بما فيها من بساطة التعبير والرقة وصدق العاطفة، ولتؤكد من جهة أخرى ما كان، وصلاحية بعضه لهذا الزمان والمكان.
ولم يكن هذا الأسلوب السردي طاغيا على المجموعة القصصية، ولكن ميخائيل اختار منها ما يناسب يوميات أبطاله؛ فنعيمة لا ينفصل عن الماضي، ولكنه يسعى إلى وجه الحاضر بقوة، فكانت (ساعة الكوكو) الرسالة التي غلب عليها الطابع الفلسفي، فلسفة الأرض الناطقة بلسان الحكمة والموعظة، حيث يقول فيها: «أثمن الهبات هبة تجهل واهبها، ص5»، و«الأرض لا تخجل من أن تنبت الوردة والشوكة والقمحة والزوانة؛ لأن كل ما في جوفها طاهر، أما الناس فيستحيون من أشواكهم وزوانهم، فيحاولون بكل قدرتهم خنقها؛ لذاك تخنقهم، تعلموا الصدق من الأرض، ص13»، وأكد الكاتب ذلك بـ« ليتني دونت كل كلمة سمعتها من (بو معروف)، فكلماته كانت مواعظ، ص14»، وكانت الحكمة في (العاقر) على لسان جميلة التي جعلت زوجها عزيز يدرك في النهاية قيمتها حتى قال فيها: «لا جميلة بعد جميلة، ص88»، وفي قصة (شورتي): «فلا تسمع إلا من ينادي: شورتي! لله درك فلولاك لكنا نموت ضجرًا، فهو فيلسوفهم وشاعرهم ومهرجهم في واقت واحد ص118» و«المثل يقول: عاشر القوم أربعين يوما فإما تصبح منهم أو ترحل عنهم، وإلى أين يهرب الجندي من جنديته؟ ص113».
وهذا التوجه السردي المتمثل بفن الرسالة جعل الكاتب يستعين بأسلوب سردي ثالث يتمثل بفن المذكرات، الذي يبدو جليا في قصة (شورتي) والتي استوحاها من مذكرات الجندي المجهول، فرنسا: أيلول سنة 1918 ص113.
وتفاعل ميخائيل نعيمة في سرده لهذه المجموعة القصصية مع الإنسان بهذه الثنائية تؤكد الثنائية المركبة من عنوان المجموعة وعناوين القصص، ثنائية اعتمد في سردها على العلاقة بين (الأنا) و(وأنت)، بين المتكلم والمخاطب، ومضى خلال هذا السرد يحاور النفس البشرية، مركزا على المشاعر والأحاسيس والعواطف التي نقلها خلال وصف يتحسس ملامحها الخارجية، ويتفاعل مع همومها الداخلية؛ ليشارك القارئ تجربتها خلال حوار يكون طرفا فيه.
إن هذه التقنية السردية دفعت (الأنا) الإنسانية إلى أن تكون في كل قصة من قصص هذه المجموعة، فهذه (الأنا) هي التي جعلت (خطار) في قصة (ساعة الكوكو) يدير ظهره للحقل، ويهاجر إلى أمريكا؛ ليتحدى هذه الساعة التي سلبت منه محبوبته، وهي ذاتها التي جعلت (جميلة) في قصة (العاقر) تنتحر؛ لأنها لم تجد ذاتها في قلب عزيز الذي أرادها من أجل العريس(الولد)، ولم تجد ذاتها في مجتمع لا يقدر المرأة إلا بالولد، وقد كررت (جميلة) كلمة (أنا) في رسالتها لعزيز سبع عشرة مرة، وهذه (الأنا) هي التي جعلت شورتي يقول: «والأسماء بين الناس تستعمل كالدمغة للماشية؛ ليميز واحدها عن الآخر، فهي لا تؤدي صفات المسمى، ص125»، وكرّر شورتي كلمة (أنا) في الجزء الأول من رسالته قبل أن يقاطعه الكاتب أربع مرات، وفي الجزء الثاني ثماني مرات.
وهكذا قاد حديث (الأنا) السارد إلي كلمة (أنت) في القصتين؛ ليقيم جدليته الثنائية الحوارية بين (أنا، وأنت) في مجموعته القصصية كان ما كان.
وهناك أسلوب سردي رابع لا بد أن يصاحب سردية العنوان (كان ما كان)، وهو السرد المتقطع القائم على آليات الاسترجاع، والمفاجأة، وتعدد الأصوات، وقد بدا جليا في ساعة الكوكو عندما قال (بومعروف) بعد حوار طويل مع الراوي:« كان ما كان، كان في قديم الزمان رجل لبناني وامرأته، وكان الرجل من حارثي الأرض… وكان له ولامرأته ولد اسمه خطار ص19 »، وهكذا روى حكايته بكان أو كانت في بداية كل جملة حتى وصل إلى عنصر المفاجأة في قوله: «وبينما هو يحرث وقف فجأة في منتصف الثلمة، والتفت إلى نفسه وكل ما حواليه، وجمد في مكانه، ثم خاطب نفسه هكذا: حتى متى يا خطار، حتى متى؟ ص22-23 »، وهذه التقينة تتواصل مباشرة مع تقنية السرد بالمقارنة والمقابلة، حيث قال مباشرة: ما الفرق بينك وبين هذه الصخور؟ ما الفرق بينك وبين هذه الثيران؟ ما دمت على هذه الحصيرة يا خطار فحياتك لا قصيرة ولا طويلة، ص23».
إذن هي قصص قصيرة بنفس طويل وعميق، عبرت في الغالب بضمير المتكلم والغائب عن القلق من واقع لا ينتج حاضره ومستقبله بنفسه، فأنتجت بأيقونتها الدلالية خلال سرديتها الثنائية المركبة نقدا اجتماعيا ساخرًا، تعالقت خلاله مع بعض الثنائيات الإنسانية من مثل: علاقة الشرق بالغرب، وأثر الهجرة على الإنسان والمكان، والصراع المادي والروحي، وصورة المرأة في مرآة الرجل والمجتمع، ودولاب العادات والتقاليد والآلة، والشعراء والكتاب والرجل البسيط، والخرافات والأساطير والواقع، والسلم والحروب، ومجموعة من الأمراض الاجتماعية كالنفاق، والأنانية، والتهميش، والكراهية.
وهكذا حاولت هذه المجموعة القصصية بتقنياتها الفنية، وضميري المتكلم والغائب، والدلالة الزماكانية، أن تتنفس في معظم سردها من ثنائية الماضي والحاضر أو الأثر والمثير، مستعينة بلغة تقليدية وأخرى حديثة، تمثلت في عناوينها الجديدة، ووصف الواقع الغربي بكل ما فيه؛ لتكون في سياقها التاريخي والثقافي، ولتروي لنا حكاية أخرى لا تبدأ بـ:(كان ما كان).

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة