واقعية صادمة وأسئلة متشائمة !!في رواية” بداية ونهاية” لنجيب محفوظ

اصدارات ونقد (:::)
بقلم : بكر السباتين * (:::)
*وكانت البداية، في يوم ماطر!!
أذكر ونحن فتيان، لم تتجاوز أعمارنا الثالثة عشر عاماً، كنا نتسلل عادة مع أقراننا في المدرسة أو الحارة لمشاهدة بعض أفلام (الكونغ فو) الصينية في سينما الحمراء بعمان.. وذات شتاء عاصف؛ أخذتنا أقدامنا لمشاهدة فلم عربي شوقنا لحضوره أحد أصدقائنا حينما أكد لنا بأنه من بطولة وحش الشاشة العربية( فريد شوقي)، وحلف لنا أغلظ الأيمان بأنه قد شاهد الفلم تباعاً عدة مرات لروعة مشاهد “القتال!!!” فيه.
كان مدخل سينما الحمراء مقابل سوق الخضار وسط البلد؛ يعج بكل الفئات العمرية من الشباب، وقد اصطفوا أمام نافذة بيع التذاكر.. فمن كان يظفر منهم بنصيبه؛ يحدوه الفضول الممتلئ بالخيال باتجاه الدخول لقاعة العرض أو التجول لبعض الوقت في صالة الانتظار المكتظة بالرواد، ليستعرض إعلانات الأفلام المدرجة للعرض خلال الأسبوع حسب مواعيد عرضها.
وقد لفت انتباهي حينئذْ أحد أهم أفلام وحش الشاشة العربية (فريد شوقي) الذي شاركه فيه البطولة نخبة من عمالقة السينما العربية الكلاسيكية.. وهو ذات الفلم الذي أسهب صديقنا الثرثار عن الحديث بشأنه؛ فتشجعنا على الفور لحضوره.
وفي صالة العرض كانت العتمة تهيئ لنا الغوص في عالم القصة، وكأننا جزء من تفاصيلها.. نتشارك وأبطالها الهموم فتنثال تداعياتها فينا؛ حتى زادنا الحال توتراً وانفعالاً قربنا إلى عالم نجيب محفوظ المدهش.. والقريب من البيئة المصرية ذات التماس الشديد مع هموم الإنسان العربي ومعاناته.
وفي سياق أحداث فلم “بداية ونهاية” كان النجم العربي عمر الشريف يتقمص دور الشاب الطموح (حسنين) الذي يرفض واقعه الأليم دون أن يواجهه بما أوتي من صلابة فيتجاوز عن مبادئه لأجل صعوده الأعمى إلى الطبقة الأرستقراطية الغنية ليصطدم بالواقع المر حتى قتلته الخيبة!! ثم النجم حسين رياض وهو يقوم بدور الأخ الأوسط الذي ضحى بمستقبله كي يحصل شقيقه الأصغر “حسنين” على حظه في الدراسة لكي يصبح ضابطاً في سلاح الفرسان.!  وأمينة رزق في دور الأم المثالية الصابرة الكادحة المثالية التي تحدت الصعاب لإنقاذ أسرتها من الدمار!.. أما أمال فريد فقد شخصت دور بهية تلك الفتاة المستقيمة الطائعة التي تركها حسنين لأنها تذكره بالماضي فأنقذ حسين الموقف.. وفريد شوقي في دور حسن ذلك الشاب الأرعن الذي امتهن تجارة المخدرات وكان يعيش مع مومس بالحرام.. وأخيراً الفنانة الكبيرة سناء جميل في دور دميمة الوجه، أختهم الوحيدة نفيسة التي دفعتها الظروف القاسية إلى طريق الحرام ما جعل خاتمتها قاسية.

وحالما انتهى العرض كانت الستارة تنفك دوائرها المزمومة آلياً إلى الأسفل في طور الانغلاق، بمصاحبة موسيقى أغنية (الربيع) للموسيقار الراحل فريد الأطرش، فيما أخذنا نكابد مشقة التخلص مع الزحام وبالكاد كنا نلتقط أنفاسنا من هول التدافع كأننا في مظاهرة.. بينما  الشلال البشري يتدفق عبر السلم العريض باتجاه الصالة الخارجية.. والفتيان يتحدثون عن مهارة فريد شوقي(حسن) وهو يلقن أحد البلطجية من مفتولي العضلات درساً بمهارة قتالية مدهشة .
إلى هنا وخرجت يومها من مبنى السينما.. وتركت أقراني يتبارون في تذكر أجمل اللقطات التي احتوتها الأفلام التي عرضت تباعاً في ذات الحفلة بينما كنت مأخوذاً بتفاصيل فلم” بداية ونهاية”  ببعده الإنساني الواقعي.. المليء بأزمات يمكن أن تتعرض لها كل أسرة تعاني شظف العيش في زمن التنمية المتعثرة.. والأزمات الاجتماعية المتفاقمة.. والفساد المستشري.. والأوطان المحتلة.
وكنا نسير بخطوات متلاحقة كي نلحق بالمركبة التي ستقلنا إلى بيوتنا قبل أن يباغتنا المطر في هذا الجو الغائم المكفهر؛ لكنني تركتهم فجأة يرافقهم وحش الشاشة الذي أبهر خيالهم المتأجج وهم منشغلين في وصف قوته العاتية! بينما أخذ شريط الفلم الذي أخرجه صلاح أبو يسف، يمر في ذاكرتي كأنني عدسة تصوير تتجول في مشاهده الواقعية.. وكان بوسعي أن أسقط على المشاهد الملتهبة في ذاكرتي مشاهداتي الواقعية لأناس اعتدت مصادفتهم في قاع المدينة من فقراء ومتسولين وغجر وبلطجية وسماسرة الأجهزة المغشوشة أو المسروقة ومجاذيب تائهين وعمال، وباعة الخضار والطيور الداجنة والملابس العتيقة على الأرصفة.. فيما تزكم الأنوف روائح التوابل وأريج الفاكهة وزنخة الأسماك في المحلات التجارية التي تصطف على جانبي شارع الملك طلال وسط البلد..

وكانت المفاجأة التي عرفتني بنجيب محفوظ الذي كان له الأثر الكبير على حياتي الأدبية.. وقد لمحت عنواناً لرواية تحمل ذات الاسم الذي شاهدنا قصته في السينما.. كانت مرصوصة إلى جانب سلسلة من الروايات القديمة المعروضة على حافة الرصيف بورقها الأصفر الذي يزكم الأنوف.. وكان البائع يحاول إدخال الكتب المعروضة إلى مخزنها تحت بيت الدرج في إحدى العمارات بجوار سوق الخضار.. وقررت التخلف عن أقراني لمساعدة الرجل الذي أسرته مبادرتي.. وأراد أن يكافئني بعد أن انتهى من عمله؛ فسألته عن سعر رواية “بداية ونهاية” وكنت قد وضعتها جانباً فقال: خمسة قروش..وحينما لمس اضطرابي سألني: كم معك!؟ فقلت: ما يزيد عن بدل مواصلاتي بقرشين! فأخذهما راضياً.
مكثت في تأمل العنوان في الوقت الذي تناسيت فيه أقراني الذين اختفوا دالفين إلى طريق سوق الخليلي المؤدي لسقف السيل ومن ثم موقف مركبات جبل النظيف حيث كنا نقطن جميعاً..
أما الرواية فقد كانت في طبعتها الأولى عام 1949.. تأليف نجيب محفوظ.. من منشورات مكتبة مصر التي  يمتلكها الأديب الشهير محمود جودة السحار.. وكان ثمة رائحة قديمة تزكم الأنوف تنبعث من ورقها الأصفر.. فيما تحلت الرواية بغلاف ملون ومعبر من أعمال الفنان جمال قطب يمثل وجهاً غاضباَ لرجل مفتول العضلات يشد على قبضة يده بينما يتقدمه وجه تعبيري لفاتنة سمراء وأناملها تعبث بجيدها المثير.. وكانت الأجواء الخلفية للوحة الغلاف تتخذ طابعاً مكفهراً رسمت بألوان باردة  لأمكنة بائسة من حواري وأحياء القاهرة القديمة (شبرا).
ومن حينها وأنا أقرأ لنجيب محفوظ، بينما حظيت رواية” بداية ونهاية” على شغفي فقرأتها عدة مرات.. وظلت علاقتي بالرواية متجددة إلى حين اقتنائي لها مؤخراً في طبعتها الرابع عشرة لعام 1984 بذات الغلاف والناشر.. سوى أن الورق اتخذ لوناً أبيضاً من فئة 80 غراماً.. والحجم جاء من القطع المتوسط في 273 صفحة.

*واقعية نجيب محفوظ وسمات أخرى في ” بداية ونهاية”
لقد تجلت واقعية أدب نجيب محفوظ بأدق سماتها في رواية ” بداية ونهاية”.. فالراوي العالم كان يتمتع بأسلوبه السردي الذي تعامل مع الجملة الخبرية متضمنة في سياقها تيار الشعور المتدفق، في رصد التوترات النفسية، والحوارات الجوّانية، مع تقديم الوصف الوافي للأمكنة، في إطار زمن تراكمي حُجِّمَتْ في سياقه الذاكرة البعيدة المتشرذمة.
أما الوصف فقد كان سمة بارزة في أسلوب كتابة هذه الرواية، سواء كان وصفاً بيئياً للشخوص والأمكنة، أو تحليلياً للأعماق البشرية في سياق مواجهة الشخوص للأزمات الداخلية والخارجية.
والبوح الذاتي مفتوحاً على المتلقي ضمن الجمل الخبرية في السرد، بينما كان منغلقاً في كثير من الأحيان بداخل الشخوص؛ ما جعل الأزمات أثناء حل العقدة التي جاءت في ذروة الحدث، تعتمل داخل الشخوص، فتتحول إلى دوافع باتجاه الموت انتحاراً. وكأن الكاتب يتنبأ للمجتمع بذات النهاية؛ إزاء الظروف التي كانت تعانيها الطبقة المتوسطة في مصر آنذاك، والتي هبطت بها الظروف إلى الطبقة الفقيرة الكادحة. وكأنه إعلان يحرض على رفض هذه النهاية بالمواجهة الفاعلة والتغيير.
لقد عالجت الرواية الفترة الزمنية ما بين عام 1935 م حتى 1939 م من تاريخ مصر. وحاول نجيب محفوظ أن يصور حياة الطبقات الثلاث في القاهرة وصراعاتها عن طريق رسم حياة أسرة فقيرة في هذه الرواية. فالکاتب يصور تطلعات کل من الطبقة الشعبية والمتوسطة والأرستقراطية من خلال صراع ملحمي في مجتمع تشاركي يقوم على البقاء للأقوى وقد تفشت في الطبقة التي تنتمي إليها هذه الأسرة عدة ظواهر موضوعية مثل: الفقر، الظلم، الدعارة، الأمية، العمل الشاق، ورفض الواقع المزري أو قبوله كأمر محتوم..وهذا التصوير في الواقع يعبر عن نقد الكاتب للمجتمع المصري آنذاك.

*ملخص رواية “نهاية وبداية”
الخط الدرامي في الرواية يقوم علي صراع أسرة “کامل علي” مع الفقر بعد موت عائلها مخلفاً وراءه زوجته وابنته الشابة( نفيسة) وولدين في سن الدراسة (حسين وحسنين) وولد ثالث (حسن)عاطل عن العمل بعد فشله في التعليم. وترك للأسرة معاشاً محدوداً لا يتجاوز خمسة جنيهات مصرية في الشهر.
وتدور أحداث الرواية حول کفاح الأم وأبنائها في سبيل الحياة في وقت لا تتعدى فيه ميزانية الأسرة کلها شهرياً مبلغ الجنيهات الخمسة هذه. وفي غيبة التأمينات الاجتماعية وبسبب انتشار الفساد والاستغلال تتعقد الأمور أمام هذه الأسرة ويعاني أفرادها الکثير تحت وطأة الحرمان وأوضاع المجتمع القاسية.
وينتهي حسن الابن الأكبر إلى الحياة في حي الرذيلة تاجر للمخدرات والنساء، أما حسين الأوسط فيقبل العمل بشهادته المتوسطة، حتى يتيح الفرصة لأخيه حسنين ليكمل دراسته ويلتحق بالكلية الحربية. أما الابنة نفيسة فاقدة الجمال فيطردها سليمان البقال من حياته بعد أن زلت معه ثم تستمرئ السير في طريق الرذيلة دون أن يعرف أحد، وتساعد أخاها حسنين وأمها بالمبالغ القليلة التي تحصل عليها.
يتخرج حسنين ضابطا. فيتنكر لأسرته وخطيبته ووسطه الاجتماعي ويتطلع إلى الارتباط بالطبقة الثرية، عن طريق الزواج منها.
يعود حسن جريحا مطاردا من البوليس إلى أسرته، ويستدعى حسنين في نفس الوقت إلى قسم البوليس ليجد أخته متهمة بالدعارة. يدفع حسنين أخته للانتحار غرقا تخلصا من الفضيحة ، ويتذكر حياته ويجد عالمه ينهار فيلقى بنفسه في النيل وراءها.
لقد حلل نجيب محفوظ المجتمع المصري بموضوعية تلقائية غير زائفة أو متكلفة.. من خلال صراع الطبقة المتوسطة مع الطبقات الأخرى.. راصداً بمجساته الفنية الصراع من خلال مقاومة أسرة ( كامل علي) السقوط في طبقة الفقراء.. والتطلع نحو الطبقة الغنية.. موضحاً تداعيات الأزمة المتفاقمة التي تعتمل في كل شخصية حسب طبيعتها لرصد ردود الأفعال المتشابكة في سياق الحدث الرئيس، خلال زمن تراكمي؛ كي تصل التوترات التي ألمت بالشخصيات إلى ذروة الحدث بما فيه من تشنجات رافقت بعض الشخصيات المتقاطعة والمتنافرة، وصولاً إلى فاجعة النهاية وطرح الأسئلة الكبرى عن مصير الطبقة المعنية برمتها.
وكدأبه فقد  حقق أدب نجيب محفوظ اندماجاً غير مسبوق في نسيج وطنه الاجتماعي والثقافي، وأصبح الإنسان المصري يدرك تاريخه في القرن العشرين من خلال عدسة نجيب محفوظ الثاقبة المنقبة، الجريئة المحايدة، بعيداً عن مدوني التاريخ الرسمي ومؤرخي الملوك، وباتت شخصياته الخالدة نماذج يحتذى بها أو يتعين تجنب سلوكها، ورصدت أعماله التي غطت مساحة عريضة من الوجدان العام محنة الإنسان وعظمته في كل مكان ما استحق جائزة نوبل عن مجمل أعماله الروائية.

*تحليل الشخصيات
كان للأب في الرواية سطوة وإرادة لا تعارض.. فهو يفکر عوضاً عن أفراد أسرته، ويتدخل في کل أمورهم، ويصمم بدلاً منهم في جمع أمور الحياة، حتى في الزواج، ورفض الخطوبة وانتخاب الزوج..
وطاعة الأب کانت من تقاليد الأسرة وآدابها فيما يعتبر رفضها بمثابة الجمود والطغيان؛ لذلك كان التمرد على هذه السيادة يدور في أعماق الشخصيات لتتحول إلى دوافع نحو سلوكيات مرفوضة اجتماعيا.

أما المرأة فقد صورها نجيب محفوظ في هذه الرواية كمخلوق تافه مسير بالتبعية، ومسحوق الإرادة، فتتراوح سلوكيات المرأة – وفق رؤيته القياسية في ظروف المجتمع الذي ينتمي إليه النص زمنيا ومكانياً- بين الطاعة العمياء أو الانفجار السلوكي غير المحسوب؛ والناجم عن كبت الحريات.
ومع ذلك فإن المرأة کانت تتحمل مسؤوليات أخرى حينما تضعها الظروف على المحك كفقدان الزوج الشرقي وسلطته العمياء أحياناً.
الأم في هذه الرواية ظلت شخصية ثابتة على الصبر والتحمل والحنكة في إدارة شؤون البيت في أحل الظروف.. فهي شخصية قنوعة وراضية، فيما لم ينبعث منها أية معطيات تشير إلى نمو هذه الشخصية النمطية، وشديدة الواقعية.
وخلافاً لهذه الشخصية فقد جاءت شخصية الابنة مغايرة تماماً.. فقد تطرق المؤلف إلى ما طرأ على حياة الابنة الوحيدة للأسرة (نفيسة) من تطورات وهي شخصية نامية، فقد التحقت بالمدرسة الابتدائية ودرست بها حتى سن البلوغ مثل معظم البنات من طبقتها في الثلاثينات، وقد أقعدها والدها في البيت لتساعد والدتها، وكي تتعلم فن الطهي لتظل قابعة بانتظار العريس. وحرص المؤلف علي التأکيد بأنها لم تکن (ظاهرياً) ثائرة علي التقاليد؛ بل کانت فتاة مسالمة ومطيعة لوالديها. ولكن غياب والدها أخيراً جعلها تتنفس على هواها، وبدافع القهر والظلم، وكونها دميمة الوجه وغير مقبولة لدى الجنس الآخر؛ فقد كون كل ذلك في أعماقها رغبة مكبوتة نحو الخطيئة، حتى انفجرت كل تلك الانفعالات باتجاه ممارستها مهنة الدعارة في الخفاء، لسد بعض حاجات الأسرة المادية، ولدوافع شهوانية جاءتها من الشعور بمرتب النقص، وتمرداً على قوانين السلطة الأسرية، خلافاً لما كان عليه الحال قبل وفاة الأب.
أما الابن الأكبر (حسن) فقد ترك المدرسة مبكراً، ورغم ذلك ظل عاطلاً عن العمل.. وأخذ يعاني من صراعات نفسية ناجمة عن إهمال والده له؛ ما جعله يسلك في حياته دروب الحرام، مدفوعاً بمرتب النقص، ومحاولة إثبات الذات بالعنف والقوة العضلية؛ وخاصة أنه لم يبعث من قَبْل إلى المدرسة؛ إلا في سن متأخرة، وقد أهملها إلى درجة تحولت فيها علاقته بأبيه إلى شجار دائم.. فکان يطرده الأخير أحيانا من البيت فيقضي أياماً متسکعاً، ثم يعود إلي البيت وقد اکتسب شروراً جديدة من رفاقه الأشقياء، ومن ثم الغوص في الإثم والإدمان وهو دون العشرين.. وقد أصيب في النهاية غدراً من قبل خصومه وسلبت منه أمواله وعشيقته أثناء هروبه من الشرطة.. ربما تم إنقاذه من قبل أهله لكنه في المحصلة ظل مطارداً في نهاية مفتوحة على كل الاحتمالات.
وفي هذه الرواية أيضاً؛ حينما فُقد الأب، کان الابن (حسين) في الصف الرابع، و(حسنين) في الصف الثالث، ولكونهما طالبين صغيرين ولا يستطيعان أن يعملا عملاً مفيداً لتحسين الأوضاع الاقتصادية للأسرة المثقلة بالأعباء التي تهتز لوقعها الجبال؛ فقد أنيطت المهمة بالأخ الأکبر (حسن) الذي فشل في تحمل المسؤولية حتى النهاية، لذلك كان على (حسين) أن يضحي بمستقبله حتى يكمل (حسنين) تعليمه.. والأخير بعد أن قبل في سلاح الفرسان تحول إلى شخص ناقم على ماضيه.. ورافض لحياته وللبيئة التي خرج منها.. إذْ تنصل أخيراً من الطبقة الوسطى التي ينتمي إليها، محاولاً القفز سريعاً إلى طبقة الأغنياء دون حساب!! لكنه سقط من علٍ.. وخرجت تسد الطريق عليه أشباح الماضي.. فسمعة ( حسن) السيئة حالت دونه والفتاة الأرستقراطية التي طلب يدها.. وفي غمرة معاناته جاءته الضربة القاضية حينما قبض على شقيقته في إحدى بيوت الدعارة.. والنتيجة أن الكاتب أراد أن يرفع من صوته في خاتمة الرواية كي يسمعه الجميع، في أن المجتمع مقبل على الهلاك لو استمر على حاله من ظلم يتفشى في أعماقه.. وفساد يعوث فيه.. فجعل (حسنين) يدفع بشقيقته إلى الانتحار ليعقبها بنفس السلوك بعدما أقفلت على أسئلته كل الإجابات.
لرواية تعد تحفة فنية ورائعة من روائع الأدب العالمي و هى تنذر العقلاء بأن ثورة عاتية آتيه لا ريب لو لم تتحسن أوضاع المجتمع و ربما كانت إرهاصة بانهيار النظام الملكي بمصر وقيام ثورة 23 يوليو لأنه كان من المستحيل أن يستمر مجتمعا بهذه الآفات الاجتماعية الخطيرة و السوس ينخر في عظامه بكل هذه الشراسة
وهي أيضاً واقعية صادمة وأسئلة متشائمة تنبأ بها نجيب محفوظ بالربيع العربي حينما خرجت الإجابات من معاقلها لتنفجر في وجه الطغيان.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة