نــــدوة أدبيــة في جامعــــة روان في فرنسا حـــــول :الهُـــوية والتعدديــــة في شعــــر محمّــــود درويــــــش

فن وثقافة (:::)
بقلم : رابعة حمو (:::)
تحت إشراف الدكتور الأستاذ فؤاد العروسي مديـر مخبــر ) ( Dysola (Dynamiques sociales et langagières) EA4701 أُقيم يوم الجمعة 6/02/2015 في جامعة روانRouen في النورماندي شمال غرب فرنسا نـــدوة أدبية مخصصة للشاعر الفلسطيني الكبير محمّود درويــــــش تحت عنوان : (الهوية والتعددية في شعر محمود درويش). وتُعتبر هذه الندوة الأدبية سابقة من نوعها عن الراحل الكبير درويش في هذه الجامعة. وقد شارك في هذه الندوة كلّ من الدكتور فؤاد العروسي الأستاذ في جامعة روان، والدكتور صالح سروجي الاستاذ في جامعة بايروث في ألمانيا، والدكتورة رابعة حمّــو الأستاذة في المعهد الوطني للغات والحضارات في باريس، والباحث والصحفي المكلف بمهمة في مكتبة معهد العالم العربي في باريس الطيـب ولد العروسي.
وقــــد وتــوقــــــف الدكتــــور فــؤاد العروســـــي فــــي مداخلتـــــه التي حملت عنـــــوان “الأنـــــا والآخـــــر في شعر محمـــود درويــــش”
Le même et l’autre dans la poésie de Mahmoud Darwich » « عند عدة موضوعات رئيســــة في شعر محمود درويش. كموضوعة التاريخ والذاكرة، والغنائيـــــــةLyrisme) (، والهويــــــــة والغيريـــــــــة (l’identité et l’altérité)، ومفهوم ديناميكية الضمائر في شعر درويش بين (الأنا) و(الأخر) وال(نحن). ففي حديثه عن الغنائية التي اعتبرها د.العروسي العلامة البارزة في شعر درويش لامس فيها النواظم الأساسية في الموضوع الغنائي، أي الصوت الأحادي أو المتعدد وحوار الأنا والآخر وموقع الروح من تضاريسها المجهولة وتبدل الأنا في شعر درويش وانفتاحها في الخطاب الشعري على نافذه الآخرين وعدم ثباتها وانغلاقها على النفس والذات. وفي حديثه عن التاريخ والذاكرة اعتبر د.العروسي أن قصائد درويش قائمة على الذاكرة لا على الخيال، وهذا ما يعني تركيزه على إبقاء ما حفظته الذاكرة من الماضي لا السعي الى تغيره والحفاظ على السلطات لا تحطميها، ووصف المكان بأدق التفاصيل من شجر ونبات وزهر وحيوانات وتحديده، وهذا يعني تأثيث القصيدة الدرويشيه بالموجود لا بالغائب أو الغامض أو الغريب. وبهذا اعتبر د.العروسي أن قصائد درويش أصبحت كحافظة للتاريخ والوطن وكأن الشاعر عمل على تجذير الوطن وحماية ذاكرته للأجيال القادمة بل عمل على أرشفته وحفظه من الضياع والاندثار. أما في حديثه عن موضوعة الهوية فقد تطرق د.العروسي الى الهوية في شعر درويش وكيف حافظ الشاعر من خلال أشعاره على هويته الفلسطينية بكل تفاصيلها من لغةٍ وأرضٍ وتراثٍ وحضارةٍ كما اعتز بهويته وجذوره العربية الضاربة في الأصالة، لكنه في الوقت ذاته بينَ د. العروسي انفتاح درويش على الآخرين، وأن ما كتبه من شعرٍ أو نثرٍ يعكس هذا الانفتاح الإنساني والكوني مما جعل درويش يخرج من هويته الفلسطينية والعربية ليصبح شاعراً إنسانياً عالمياً يحاور اللآخر ويخاطبه انسانياً. واتكأ د.العروسي في هذه المداخلة على محطات كثيرة من شعر درويش تُجسد فكرة الغنائية والهوية والتعددية والتاريخ وتجَولَ في دواوين مختلفة وسنوات تراوحت منذ بدايات درويش الشعرية حيث قصيدة “سجل أنا عربي” التي حملت درويش للشهرة في الوطن العربي في تلك الفترة، حتى دواوينه الأخيرة كقصيدة “فكر بغيرك”. كما توقف د. العروسي في مداخلته على مقولة درويش الشهيرة أنه شاعر طروادي وبينَ الفرق بين معنى شاعر طروادي وشاعر طروادة. فقد أعتبر أن دروش ينتمي لطروادة ؛ ليس لأنه مهزوم، بل لأنني مهووس بالنّص الغائب. وحق درويش بأن يتحدث باسم الغائبين الذين لم يُسمع لهم صوت.
أما الدكتور صالح سروجي فقد حملت مداخلته عنوان : “المنفى والغربة وسؤال البحث عن الهوية في شعر محمود درويش في التسعينيات” L’Exil et la quête de l’identité dans la poésie de Mahmoud Darwich dans les années 90. وتوقف د. سروجي في مداخلته على محورين اثنين. أولها التطور الفني لشعر محمود درويش في تسعينيات القرن الماضي. والثاني صورة “الأنا” و”الآخر” وتأثيرها على مفهوم الهوية عند درويش، وبالذات، في ديواني “لماذا تركت الحصان وحيدا” عام 1995 و”سرير الغريبة”، عام 1999.
ففي القسم الأول من مداخلته رأى د.سروجي أن درويش عمد في منتصف الثمانينات إلى دمج التركيبة الموسيقية الغنائية في الهيكل الشعري لقصائده، الذي ظهر جلياً في ديواني “هي أغنية، هي أغنية” 1984، و”وردٌ أقل” 1986. أما في بداية التسعينيات فقد رأى د. سروجي أن دروش أدخل العنصر الملحمي والأسطوري لثقافات غابرة متعددة في عالمه الشعري، وغاص بالتاريخ البعيد على المستوى الفني والشعري من أجل الدفاع عن هويته الثقافية والوجودية، كما بدا ذلك في ديواني “أرى ما أريد” 1990 و “أحد عشرَ كوكباً” 1992. واعتبر د.سروجي كغيره من النقاد أن هذين العملين بلغ فيه درويش ذروة شعرية عالية ومتميزة مضموناً وشكلاً. ثم انتقل د.سروجي في مداخلته مع شعر درويش إلى منحنى فني وجمالي آخر في ديوان “لماذا تركت الحصان وحيداً” 1995، الذي رأى فيه أن الشاعر اعتلى صهوة جواد السيرة الذاتية، وأن “الأنا الشعرية”، مثل الحصان، تجد نفسَها مقيمة على عتبة المكان وتسأل نفسها : “أَأَنا هُناكَ..أم هنا؟ وختم د.سروجي القسم الأول من مداخلته عن التطور الفني في شعر درويش بديوان سرير الغريبة 1999، الذي رأى فيه أن درويش لا يربط فقط المنفى مع موضوع الحب، انما يزاوج أيضاُ بين الفكر الشرقي والأوروبي. فعلى المستوى الشكلي مزج الشاعر بين الأشكال الفنية الأدبية العربية والأوروبية، مثل الغزل من جهة والسوناتا من جهة أخرى، وبذلك أصبح درويش شاعراً متنقلاً بين الحدود والثقافات.
أما القسم الثاني من مداخلته وهو صورة “الأنا” و”الآخر”، فقد رأى د. سروجي أن الأصوات امتَزَجَتْ في شعر درويش مثلَ الهُوِيات وأصبحتْ “صدىً للصدى. وما الصدى إلا تعبير عن اختلاط اللغات والحوار بينها. فالآخر لا يظهرُ بشكل متباعد، إنما يصبِحُ عنْصُراً حاضراً ودائماً في شعر درويش فالأنا” تبحث عن الآخر في ال “أنتَ” ، وتتحدثُ إليهِ ومعه، وما هذا “الأنتَ” الا مرآة “للأنا” وصورة منها. وبهذا تتسع هُوية درويش الفردية وتنتقل الى فضائها الانساني الجمعي الأرحب، كما كان يؤكد درويش بنفسه هذا الأمر بأنه متعدد الهويات، وهذا التعدد في شخصيتهِ يزيدُهُ ثراءً. وما هذا التعدد إلا صدى لوطنه الذي قال عنه : أنا أملِكُ هذهِ الأرض بثقافاتِها المتعددة، من الكنعانيين والعبرانيين والاغريق والرومان والفرس والفراعنة والعثمانيين الى الانكليز والفرنسيين. أريدُ أن أعيشَ كلَّ هذهِ الثقافات. حقي أن أتمثل كل هذه الأصوات التي مرّتْ فوقَ هذهِ الأرض. فأنا لستُ طارئاً ولا عابراً.” ومن هذه المقولة لدرويش ختم د. سروجي مداخلته بأن درويش توجه إنسانيا في أشعاره، وبالتالي تعامل مع الآخر كغريب وكإنسان متساوٍ مثله وليس كعدو وخصم. وهذه من وجه نظر د.سروجي هي رؤية درويش الشعرية التي اجتازت حدود الذات وحدود الوطن لتحلق في فضاء رحب بلا حدود مُثبتةً بذلك هُويَّتُهُ الانسانية العالمية والمنفتحة على الآخر، من خلال لغته الغنية الثرية والمتحررة من كل قيود. فأصبحت الذات البشرية في مركز شعره، وأصبحُ هو شاعراً كونياً، وقصيدته الدرويشية هي صدى اللغة، واللغة هي صدى روحه الباقية، وهو وهي في التحام سحري، هويتُهُ لُغَتُهُ وقصيدَتُهُ التي لا يريدها أن تنتهي.
أما الدكتورة رابعة حمّو فقد حملت مداخلتها عنـــــوان : “الملحمة في شعـــر محمّود درويـــش ودورُها في تجسّيد الهـُـويــــّة”
« L’épopée comme expression de l’identité nationale » تناولت فيها فن الملحمة وعلاقتها في تجسيد الهوية في شعر محمود درويش. وحاولت من خلال هذه المداخلة ان تجيب على سؤالين رئيسين. في أي الدواوين ظهر النفس الملحمي عند درويش؟ لماذا اختار درويش فن المحلمة كوسيلة للتعبير عن الهوية الوطنية؟ في إجابتها عن السؤال الأول، اعتبرت د.حمّو أن النفس الملحمي في شعر درويش برز في ديوانين اثنين منذ عام 1990 الى عام 1992. أي في ديواني : (أرى ما أريد، وأحد عشر كوكباً)، فهذين الديوانين يؤسسان لمشروع طمح درويش في تحقيقه وهو مشروع الملحمة حيث ينفتح الشعر على أفق التاريخ لِما يُشكل هذا الأخير من عنصرٍ أساسي في بنيه الحدث الملحمي الذي أراد فيه درويش أن يكتب لشعبه من خلاله ذاكرةً غير قابلة للنسيان. ويصونَ الهوية الفلسطينية بمكوناتها الدينية والحضارية والثقافية والاجتماعية. ولم يقف درويش عند (هوية الذات الفلسطينية) ليصون تراثها بل استطاع أن يتجاوز حدود هذه الهوية إلى الهوية الإنسانية في فضائها الأرحب، ليؤكد أن الشعب الفلسطيني له حضور طبيعي وفعلي وتاريخي في الإطار الإنساني الأشمل.
أما إجابة الدكتورة د.حمّو عن السؤال الثاني في مداخلتها وهو لماذا لجأ درويش لفن الملحمة ؟ فقد عزت ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسة. أولها: افتتان محمود درويش بقدر المهزومين. فهو رأى أن في الهزيمة دفقات شاعرية ووجدانية أكثر من النصر، وأن الحزن يحمل الشجن أكثر من الفرح، ولذلك أراد درويش من خلال قصائده أن يكتب الهزيمة والحزن وخصوصاً في فترة الطوفان العظيم عام 1948 اليوم الذي اختفت فلسطين وامتصتها الدولة الجديدة إسرائيل. اما السبب الثاني فقد وجدت د. حمّو أن درويش أراد من خلال شعره أـن يجمع المنتصرين والمنهزمين في نفس القصائد حتى لا يُسجل في التاريخ الجمعي لفلسطين وذاكرتها فقط صوت المنتصرين، وتتبخر أصوات المهزومين ودموعهم في الهواء. ولذلك فإنه حاول أن يعيد التوازن على أرض قصيدته بعد أن تعذر على أرض الواقع عن جمع الأخوة الأعداء، وهو بذلك يحمي قوة الضعيف من قوة القوي. وثالث هذه الأسباب رأت د. حمّو أن محمود درويش سُمي من قبل النقاد خلال حياته بشاعر فلسطين، لكن كانت لديه رغبه كبيرة بأن يكون ابن من أبناء مدينة الملك بريام ملك طروادة، ولذلك كان يحب أن يُطلق عليه شاعر طروادي كما قال عنه الشاعر اليوناني يانيس ريستوس في أمسية جمعته مع الراحل درويش. فهذه الرغبة الدفينة سكنت درويش لمواجهة أبو الشعر هوميروس بكتابه الوجه الآخر للالياذة بكتابة ملحمة تجسد مأساة الفلسطينيين، فعدم وجود شعر عند أي شعب هو سبب كافي لهزيمته، فالشعر هو أحد أدوات السلطة في نظر درويش. وباستخدام الشعر والصور الشعرية اراد درويش أن يكتب ملحمة وطنية لشعبه تنقش مأساة وطنه وتخلده في أرشيف التاريخ وتترك بصمة شعرية تكون بجمال وأناقة الالياذة والأوديسة والانيادة.
أما الباحث الطيب ولد العروسي فكانت مداخلته بعنوان : “محمود درويش في كتابه الروائي ذاكرة للنسيان” « Mahmoud Darwich dans son œuvre : Une mémoire pour l’oubli» الذي كتبه درويش إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وتم نشره عام 1987 عن دار نشر العربية. وترجم إلى اللغة الفرنسية عن دار نشر آكت سود عام 4199. وذكر ولد العروسي في مستهل مداخلته بأن رواية ذاكرة للنسيان قَدم فيه الشاعر محمود درويش توصيفاً وتحليلاً أدبياً لما جرى ذات يوم من صيف 1982 في بيروت، ووصف والدمار الذي لحق في المدينة من أهوال الحرب. إلا أن ولد العروسي إعتبر أن هذا النص الروائي ركز بشكل كبير على موضوعتين مهمتين كانتا الركيزة الأساسية في الرواية هما موضعتي القهوة والغربة. حيث كان همّ محمود درويش في هذا الكتاب يتركز في كيفية صنع فنجان قهوته الصباحي تحت القصف المدفعي لبيروت. وكيف يمكم لإنسان يعيش تحت القصف والقنابل بأن يحلم أن يرتشف فنحان قهوة كباقي البشر. وأشار ولد العروسي أن موضوعة القهوة تكررت في هذا الكتاب اكثر من 96 مرة، مما يعكس أهمية القهوة في حياة درويش بشكل خاص والثقافة العربية بشكل عام. فدرويش مدمن قهوة وتكررت كثيراً في عالمه الشعري منذ بدايات قصائده كقصيدته الشهيرة “أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي”. ولم يكن درويش مدمناً على شربها فحسب فهو من خلال الوصف في هذا الكتاب يبدو أيضاً بارعاً في صنعها، فقد استحوذت على صفحات عديدة من الكتاب (والقهوة لمن أدمنها مثلي مفتاح النهار). ويضيف في موضع آخر (أتساءل : كيف تكتب يد لا تبدع القهوة). وتطرق ايضا ولد العروسي في هذه المداخلة على موضوعة الغربة في حياة الفلسطيني وحالة التنقل والتشرذم التي يعيشها منذ النكبة عام 1948، وربط يبين مذاق القهوة في حياة المغترب وعلاقتها في الوطن. فقد اعتبر ولد العروسي أن القهوة إبنة الوطن الروحية لها طعهما ومذاقها الخاص وطقوسها التي يتحلق حولها محبيها في المقاهي من الاصدقاء والأحبة، ورأى أن فنجان القهوة في الوطن يختلف عن فنجان القهوة في الغربة وكأن رائحة الوطن جُبلت مع رائحة القهوة. وأن قهوة الغربة تُشرب على عجل كعمل روتيني يفتقد الى اللذة.
وتأمل المحاضرون في نهاية هذه الندوة أن تكون جامعة روان في النورماندي قد فتحت الباب أمام جامعات أخرى للعمل والبحث العلمي لشعر محمود درويش الذي اصبح صوته عالمياً ويستحق الدراسة والتنقيب والبحث فيه والتعريف به وبشعره وبفكره وفلسفته، ليس بفرنسا فحسب بل بجامعات أوروبية أخرى.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة