اوباما .. والحزب الجمهوري

الولايات المتحده الامريكية (:::)
جيمس زغبي – وزاشنطن (:::)
كانت تصريحات الرئيس أوباما في مؤتمر «إفطار الصلاة الوطنية» السنوي، الذي عقد الأسبوع الماضي، واضحاً على الصعيد الديني، وذكياً على المستوى السياسي. وعلى رغم ذلك، أثارت تعليقاته عاصفة انتقادات من المحافظين الذين كالوا له الاتهامات بسبب تصريحاته الدينية والسياسية. وعلى رغم أنني لا أستطيع أن أفتش في قلوبهم، إلا أن أقوالهم كانت متوقعة وجارحة بشكل كبير، إلى درجة أنني أشك في أن دافع البعض منهم هو مزيج من التعصب الأعمى وكراهية المسلمين مع مسحة من العنصرية. ولكن الأكثر أهمية أن منتقدي الرئيس كانوا أيضاً مخطئين خطأ فادحاً، دينياً وسياسياً.
وما قاله الرئيس كان شديد الوضوح، ويمكن تكراره: «نرى أن العقيدة يتم تشويهها وتحريفها، واستخدامها كذريعة أو أسوأ سبيلاً، حيث تستخدم في بعض الأحيان كسلاح، ونرى تنظيم داعش الإرهابي.. جماعة الموت الآثمة الوحشية التي تنفذ باسم الدين أعمالاً همجية لا تمت للإنسانية بصلة، متدثرة بعباءة دعاوى دينية لاقتراف مثل هذه الأفعال الشنيعة».
وأضاف: «على مرّ التاريخ الإنساني، صارعت البشرية هذه القضايا، وخشية أن تأخذنا الحماسة ونعتقد أن هذا الأمر قاصر على بعض الأماكن الأخرى، دعونا نتذكر أنه أثناء الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش، ارتكب الناس أعمالاً رهيبة باسم المسيح، وفي دولتنا كانت العبودية وقوانين جيم كرو العنصرية تبرر تماماً باسم المسيح..».
وتابع: «وبناء على ذلك، لا يقتصر الأمر على جماعة واحدة أو دين معين، وإنما هذه نزعة بداخلنا، نزعة آثمة، يمكن أن تحرف وتشوه عقيدتنا». واستطرد قائلاً: «وعلينا إذن أن نبدأ ببعض التواضع الأساسي، فمهمتنا ليست أن نسأل عن رد الخالق على فهمنا للحقيقة، وعلينا أن نعارض صراحة أولئك الذين يسيئون استخدام اسم الدين لتبرير القمع أو العنف أو الكراهية بيقين مطلق».
وكان أوباما صارماً في إدانته لإرهابيي «داعش»، بينما يدرك في الوقت ذاته أن جوهر أيديولوجيتهم الشريرة هو إثم اليقين الأعمى، الذي يحاول من خلاله هذا التنظيم، ومن هم على شاكلته، شرعنة أفعالهم بزعمهم تطبيق إرادة الله! والترياق هو التواضع، ممزوجاً بفهم لإخفاقاتنا، خشية أن نسقط أيضاً في فخ اليقين المتغطرس.
ومن الناحية الدينية، يبدو كل ذلك واضحاً وصحيحاً. ولكن بعض المتظاهرين بالتقوى في عصرنا الحالي أغضبتهم دعوة الرئيس للتواضع وإقراره بالأزمنة التي أخفقنا أثناءها في مواكبة مُثل عقيدتنا.
ورداً على أوباما، وصف أحد قادة الحزب الجمهوري تصريحات الرئيس قائلاً: «إنها أكثر التعليقات إهانة التي سمعتها من رئيس أميركي في حياتي. وقد أساءت التصريحات لكل مسيحي مؤمن في الولايات المتحدة. ولا يؤمن الرئيس أوباما بأميركا والقيم التي نتقاسمها جميعاً». ووصف أحد قادة «المجمع المعمداني الجنوبي» تصريحات أوباما بأنها «محاولة مشؤومة لمقارنة أخلاقية خاطئة»، مشيراً إلى أنه بدلاً من التدخل في علوم الدين، يتعين على الرئيس أن يقدم «إطار عمل أخلاقي، واستراتيجية واضحة لهزيمة تنظيم داعش». وأضاف: «إن الأعمال الشريرة التي ذكرها كانت بعيدة تمام البعد عن المعايير الأخلاقية للمسيحية، وقوبلت بمعارضة أخلاقية ساحقة من المسيحيين».
ولم تكن هذه الانتقادات سوى صياغة جديدة لاتهامات الحزب الجمهوري التي كالها بعد خطاب أوباما في القاهرة. وقد اتهموه حينذاك أيضاً بأنه يُحدث «مساواة أخلاقية خاطئة بين أعدائنا وبيننا»، و«يهين أميركا»، مع بعض التذكير غير المتورع بأنه «لم يكن مثلنا».
وبالطبع، لم يكن الرئيس يعدم مدافعين عنه، خصوصاً أولئك الذين يؤيدون رؤيته الدينية. ولكن بقدر تقديري لفهمه أهمية ارتكاز عقيدتنا على التواضع، إلا أن الرئيس ليس «مسؤولاً دينياً»، وإنما زعيم سياسي دوره هو الدفاع عن المصلحة الوطنية للولايات المتحدة. وعلى هذا الأساس، وليس على أسس دينية، أرى أن الطريقة التي أطّر بها أوباما تصريحاته لا ينبغي فحسب تأييدها تأييداً كاملاً ولكنها أيضاً ذات أهمية جوهرية في حد ذاتها.
وذكر الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش لم يكن «عبارة تاريخية عديمة الفائدة»، ولم يكن موجهاً فقط للجمهور الأميركي الذي لا يشعر بمسؤولية حيال تلك الأفعال القديمة. ولكن بالنظر إلى أن هذه الأحداث تحدد الجزء الذي يتصادم فيه الإسلام مع المسيحية الغربية، فإن الإقرار بها طريقة مهمة لبدء نقاش مع المسلمين. وكما في الخطابات السابقة، عندما أشار الرئيس إلى حالات أخرى أخفقنا فيها في مواكبة مُثُلنا -كما في استخدام التعذيب أو معتقل جوانتنامو أو جرائم أبوغريب- فإنها طريقة يقول بها أوباما للمسلمين: «إنني أسمعكم، والآن استمعوا إليّ»، وهذه هي الدبلوماسية في أفضل صورها.
ومخاطبة المسلمين حول ما نعتبره إخفاقاتهم، ومواجهة ذلك بادعاء كمالنا نحن ليس طريقة يمكن بها إجراء حوار أو إقامة تحالفات. وإذا أنصتنا بعناية للأحاديث التي تجري في العالم الإسلامي، نعرف أنهم يضيقون ذرعاً بمزاعم «تأييد قيمنا»، ويتساءلون: أي قيم نعنيها بالتحديد.. أهي دعم تشريد وقمع إسرائيل للفلسطينيين، أو الحرب على العراق، أو انتهاك حقوق السجناء؟

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة